"لعبة القطّ والفأر" في تكتيكات روسيا وأوكرانيا
6 أيّار (مايو) 2023. لم يشبه ذلك اليوم كثيراً غيره من أيّام الحرب على أوكرانيا. كان المراقبون العسكريّون والمطوّرون الدفاعيّون على موعد مع حدث، أو على الأقلّ مع ادّعاء أوكرانيّ بارز. أسقطت كييف، بواسطة منظومة "باتريوت"، صاروخ "كينجال" الروسيّ الفرط صوتيّ.
9 أيّار 2023. الأنباء أو الادّعاءات تصبح أكثر لفتاً للأنظار. قالت كييف إنّها أسقطت 5 من أصل 6 صواريخ "كينجال" أطلقتها روسيا على العاصمة. تعليقاً على الحدث، رأى الأستاذ المساعد لمادّة هندسة الأنظمة في الأكاديميّة العسكريّة بـ"وست بوينت" فيكرام ميتال أنّ منظومة "الباتريوت" أفضل ممّا كان يُعتقد سابقاً وأنّ "كينجال" أثبت أنّه لا يرقى إلى مستوى المنظومة الأميركيّة. مع ذلك، أشار ميتال في "معهد المهندسين الكهربائيّين والإلكترونيّين" إلى أنّ روسيا ستعدّل صاروخها كي يصبح أكثر قدرة على مناورة "باتريوت" كما سيتعيّن على أميركا تحديث منظومتها كي تواصل القدرة على تعقّب الصواريخ المحدّثة. "إنّها لعبة القط والفأر الكلاسيكية بين الدفاع والهجوم".
لا شيء يمنع من تطبيق هذه اللعبة على التطوّرات اليوميّة الأخرى التي تشهدها أوكرانيا. يكاد لا يمرّ يوم في الحرب من دون أن يحمل جديداً بالنسبة إلى المراقبين، إن لم يكن على المستوى الميدانيّ فعلى المستوى المعرفيّ. هذا السباق بين التطوّر والخبرة نتيجته الحتميّة تغيير في التكتيكات. وبما أنّ السباق هو في خدمة هدف "وجوديّ"، يخضع هذا التغيير التكتيكيّ لضغط تسارعيّ. والأسرع تكيّفاً سيملك دوماً الأفضليّة. إنّها "الداروينيّة العسكريّة" التي تثبت حيويّتها الميدانيّة.
"عدوّ أذكى"
ما الذي يبطئ أوكرانيا؟ عن السؤال الأكثر شيوعاً في الآونة الأخيرة، ثمّة جواب حديث قدّمه الأحد الخبير في الشؤون العسكريّة والروسيّة مارك غاليوتي في صحيفة "صنداي تايمز". ما يبطئ التقدّم الأوكرانيّ هو "عدوّ أذكى". يثبت الروس أنّهم أفضل في الدفاع ممّا كانوا في الهجوم وقد تعلّموا كيف ينسّقون المدفعيّة مع المسيّرات والتقدّم البرّيّ والمروحيّات الهجوميّة التي لا تكلّ ولا تملّ، في الليل والنهار. وطوّر الروس التمويه الحراريّ ومسيّرات "لانسيت" وحتى طريقة نشر الألغام الميكانيكيّة عبر إطلاقها من شاحنات فتغطّي مساحة 7 ملاعب كرة قدم بحسب الكاتب.
Destroyed Finnish-made mine-clearing vehicle Leopard 2R HMBV.#CounterOffensive #UkraineRussiaWar️ pic.twitter.com/s5iBkSwsbL
— UkraineWarVid (@UkraineWarVid) July 4, 2023
بنتيجة التكيّف في الحرب، أقلّه على مستوى الدفاع، كسبت روسيا موقعاً مريحاً نسبيّاً. مشاهد الإصابات المباشرة في المدرّعات الأوكرانيّة أصبحت أكثر انتشاراً من قبل، وقد أظهر بعضها خسائر في كاسحات ألغام قدّمتها فنلندا إلى كييف. باختصار، إذا كانت القاعدة العسكريّة تقول إنّ الدفاع أسهل دوماً من الهجوم، فإنّ روسيا سهّلت المهمّة أكثر على نفسها مع نجاح تكتيكاتها الجديدة.
ماذا عن أوكرانيا؟
أثبت الجيش الأوكرانيّ فاعليّته الدفاعيّة منذ انطلاق الغزو في معارك مفصليّة، أكان في صدّ أو استنزاف القوّات الروسيّة (مطار أنطونوف وسفيرودونيتسك وباخموت هي بعضة أمثلة). حتى من الناحية الهجوميّة، تمكّنت من اتّباع أساليب خداعيّة كتشتيت انتباه القوّات الروسيّة بالتركيز على الإعداد لمعركة خيرسون قبل أن تفاجئ القوّات الروسيّة في خاركيف وتجبرها على الانسحاب الفوضويّ. لكن بعد الدعم الغربيّ الكبير بالأسلحة والتدريب، يتحتّم على كييف إثبات أنّها قادرة على تكرار ذلك الإنجاز. إلى الآن، يتبيّن أنّ هذا منهك ومكلف. مع ذلك، يبدو أنّ القوّات الأوكرانيّة تتكيّف بالفعل، وإن كان تكيّفها لا يخلو من خطورة بالغة وغير مضمونة.
This direct hit eliminated another Russian T-90M, somewhere at the southern front of Zaporizhzhia.
— (((Tendar))) (@Tendar) July 1, 2023
Source: https://t.co/BYpr8ExdaI#Zaporizhzhia #Ukraine #counteroffensive pic.twitter.com/5YTELZYEZC
أشار تقرير لمجلّة "إيكونوميست" الأحد إلى تكتيك أوكرانيّ جديد يقضي بإرسال فرق صغيرة لتفكيك الألغام بدلاً من إرسال الكاسحات. يقول خبير متفجّرات للمجلّة إنّه بالنظر إلى الافتقار للغطاء الجوّيّ والكثير من المعدّات الغربيّة، يخاطر الأوكرانيّون بقوّاتهم تجنّباً للرصد، كما فعل الفنلنديّون ضدّ السوفيات سنة 1939. تواجه هذه الفرق ضغوطاً جسديّة ونفسيّة كبيرة كالحرّ والوتيرة الأعلى من الاستهداف والسير بين الجثث التي لغّم الروس بعضها وألغام "أوزم-72" التي تقفز من الأرض مطلقة الشظايا. لكنّ القوّات الأوكرانيّة ابتكرت طريقة لاكتشاف بعض الألغام عبر مسيّرات راصدة للحرارة قبل 30 إلى 60 دقيقة من غروب الشمس.
استنتاج
لعلّ أهمّ استنتاج أوّليّ من هذا التكيّف المتبادل والمتسارع هو صعوبة رسم مسار واضح للحرب في أوكرانيا. ساعد تعثّر الجيش الروسيّ خلال العام الأوّل من الحرب على تجاهل قسم من المراقبين أيّ إمكانيّة لدى موسكو في عكس اتّجاه المعارك أو حتى في عكس وتيرتها. كانت تلك الخلاصة متسرّعة. "إنّهم يظهرون أداءً (الآن) أقرب بكثير إلى ما كان يُتوقّع أن يظهروه قبل الحرب"، بحسب ما قاله خبير الحرب البرّيّة في "المعهد الملكيّ للخدمات المتّحدة" نِك رينولدز خلال حديث إلى شبكة "سي أن بي سي" في أيّار.
بالمقابل، ثمّة ما هو مهمّ في تقرير "إيكونوميست" عن التكتيك الأوكرانيّ الجديد، وثمّة ما هو أهمّ. في الشقّ الأوّل، يتبيّن أنّ أوكرانيا لا تزال قادرة على الابتكار في الهجوم. الأهمّ أنّها لا تتقيّد بمدرسة واحدة من التفكير. فالتكتيك الجديد هو "افتراق عن العقيدة الأطلسيّة المعياريّة التي تشدّد على دور الدروع كحماية". يتطلّب الأمر جرأة كبيرة. ما إذا كان لهذه الجرأة أن تؤتي ثمارها مسألة عالقة الآن في دوّامة التكهّنات. المؤكّد لغاية اليوم أنّ الطرفين قادران على إحداث المفاجأت.
نبض