بالرغم من التحليلات الكثيرة عن الهجوم الأوكرانيّ المضادّ، لا يبدو أنّ ثمّة تاريخاً محدّداً ومتّفقاً عليه لانطلاق الهجوم. في 10 حزيران (يونيو) 2023، أعلن الرئيس الأوكرانيّ فولوديمير زيلينسكي أنّ الهجوم المضاد جارٍ بالفعل لدحر القوّات الروسيّة. وقال مراقبون آخرون إنّ العمليّة انطلقت بين 6 و8 حزيران.
لكنّ "معهد دراسات الحرب" في واشنطن لفت إلى أنّها انطلقت في الرابع من الشهر نفسه. يمكن القول إنّ الهجوم انطلق في النصف الثاني من الأسبوع الأوّل من حزيران. تعود ضبابيّة موعد العمليّة على الأرجح إلى أنّ أوكرانيا أرادت الاحتفاظ بالسريّة لعدم فقدان عنصر المفاجأة. لكن إلى الآن، يبدو أنّ الروس هم من حقّقوا المفاجأة، على الأقلّ في بعض النواحي.
كيف "صمد" الروس؟
لم يواجه الروس انهياراً سريعاً كما حصل في خاركيف أيلول الماضي، كما أنّهم تمكّنوا من تطوير تنسيق عمليّاتهم الدفاعيّة، كما قال الجنرال المتقاعد الذي قاد سابقاً الجيش الأميركيّ في أوروبا بن هودجز، والذي أشار إلى أنّ الروس استفادوا من دمج مدفعيّتهم ومسيّراتهم بالعوائق الميدانيّة التي نشروها، لاستهداف المدرّعات والدبّابات الأوكرانيّة. وفي أكثر من مناسبة، تمكّن الروس من تصوير إصابات محقّقة في صفوف المهاجمين، أكان عبر القصف البعيد أو الألغام الكثيرة التي زرعوها. مع الإشارة إلى أنّه يصعب دوماً التحقّق من صحّة مقاطع الفيديو المنشورة على شبكات التواصل الاجتماعيّ.
— Clandestine (@WarClandestine) July 9, 2023
اعترف زيلينسكي نفسه بأنّ الهجوم الأوكرانيّ المضادّ "أبطأته" الدفاعات الروسيّة الراسخة، لافتاً النظر إلى أنّه أبلغ الغرب تفضيل بلاده إطلاق الهجوم في وقت أبكر من أجل تفادي هذه النتيجة. إذاً، بعد شهر من انطلاق العمليّات، تبدو روسيا في موقع عسكريّ مريح. لكن عند هذا الحدّ، تنتهي الأنباء السارّة بالنسبة إلى موسكو.
معايير التّقييم والمقارنة
غالباً ما يتمّ قياس "فشل" أو "بطء" الهجوم الأوكرانيّ المضادّ بما حصل في خاركيف وخيرسون. لكنّ الانهيار السريع الذي شهدته روسيا في الجبهة الأولى هو الاستثناء لا القاعدة. كذلك، كان انسحاب الروس في الثانية أكثر بطئاً، واستغرق نحو شهرين وعشرة أيام قبل أن ينتهي في تشرين الثاني (نوفمبر) شرقيّ نهر دنيبرو. في ذلك الوقت أيضاً، لم يكن الروس قد اعتادوا على مواجهة منظومة "هيمارس" الصاروخيّة التي ضربت العديد من مخازنهم المتقدّمة.
اليوم، نشر الروس مستودعات الأسلحة على نطاق أوسع وأبعد من أجل جعل الهجمات أكثر كلفة. كذلك، لم تكن خاركيف ولا حتى خيرسون محصّنة. بالتالي، مع وضع ما حدث في هاتين الجبهتين في إطارهما الصحيح، يصبح ضرورياً تجنّب توصيف الهجوم الأوكرانيّ المضادّ بالاستناد فقط إلى تطوّرات الوضع الميدانيّ شبه الاستثنائيّة في الخريف الماضي. والأهمّ فهو نوع العمليّة التي تقودها أوكرانيا حالياً.
Ukraine’s military launched an overnight strike on a Russian-occupied city, setting off a huge blast. Videos geolocated by The New York Times confirmed that the explosion occurred on the outskirts of Makiivka, in the Donetsk region of eastern Ukraine. https://t.co/I4m8Q2cOwN pic.twitter.com/SubjDzRb2I
— The New York Times (@nytimes) July 5, 2023
حصلت القوّات الأوكرانيّة على الكثير من المعدّات والأسلحة الغربيّة الحديثة، باستثناء المقاتلات المتطوّرة نسبياً كـ"أف-16" بالرغم من مطالباتها المتكرّرة. في قمّة مجموعة السبع التي استضافتها اليابان، وافق الرئيس الأميركيّ جو بايدن على إرسال تلك المقاتلات لكنّها لن تصل قبل أواخر أيلول، الشهر الذي يتوقّع البعض أن يكون زخم الهجوم الأوكرانيّ قد دخل عداً تنازلياً.
It's hard to carry out a successful counteroffensive with no air power. #SendF16sNow.
— Michael McFaul (@McFaul) June 30, 2023
في الوقت الحاليّ، تقود أوكرانيا عمليّة "أسلحة مشتركة" حيث لا يستطيع أيّ جيش غربيّ قيادة عمليّات مستدامة كهذه على نطاق واسع. ضمن جميع الجيوش الأطلسيّة، لا تستطيع سوى الولايات المتحدة أن تقوم بهذا النوع من الهجوم بشرط تأمين الغطاء الجوّيّ. بهذا المعنى، تخوض أوكرانيا حرباً صعبة حتى على أكبر جيش في العالم، وتحاول اختراق "أكبر تحصينات" منذ الحرب العمليّة الثانية.
وثمّة المزيد
عند الخوض في المقارنات، يشير البعض إلى حرب الخليج الأولى التي شنّها تحالف دوليّ بقيادة الجيش الأميركيّ سنة 1990-1991 لطرد جيش صدّام من الكويت. خاضت الولايات المتحدة أكثر من 1700 طلعة جويّة على مدى أكثر من 37 يوماً لإنهاك الجيش العراقيّ قبل أن تبدأ هجومها البرّيّ. وفي 2003، احتاج التحالف إلى أكثر من 40 ألف طلعة جويّة؛ هذا إلى جانب مئات من صواريخ "توماهوك". مع أخذ الفارق في موازين القوى بين الجيشين الأميركيّ والعراقيّ من جهة، والجيشين الروسيّ والأوكرانيّ بالاعتبار، يتوضّح أكثر حجم التحدّي الذي تواجهه أوكرانيا اليوم في هجومها المضادّ الذي، بالمناسبة، لم تستخدم فيه الحجم الأكبر من ألويتها التي تدرّبت في الخارج.
More images of the UAF firing a captured Russian TOS-1A thermobaric MLRS. The first predicted round was on target and they then fired for effect.#OSINT #UkraineRussiaWar️ #UkraineWar #Ukraine #counteroffensive pic.twitter.com/1Y8KUDOwKu
— OSINT (Uri) 🇺🇦 (@UKikaski) July 9, 2023
قال الأمين العام لحلف شمال الأطلسيّ ينس ستولتنبرغ إنّ الغرب ساعد أوكرانيا على تشكيل 9 ألوية مدرّعة. وذكرت "رويترز" أنّ أوكرانيا أعدّت 3 ألوية جديدة. (يضمّ اللواء نحو 4 آلاف جنديّ). لغاية اليوم، تستخدم أوكرانيا في هجومها أربعة ألوية، أي أقلّ من نصف تلك التي تلقّت تدريبات غربيّة. ومع إضافة سائر ألويتها، يصل المجموع إلى نحو 35 لواءً. بالتالي، يمكن القول المعقول إنّ الهجوم المضادّ لا يزال فعلاً في مرحلته الأولى.
خلال شهر، استعادت أوكرانيا نحو 200 كيلومتر مربّع من أراضيها. هذه المساحة ضئيلة جداً بالتأكيد، إذ تمثّل نحو 0.04 في المئة من الأراضي المحتلّة. لكن ينبغي أيضاً وضع هذا الرقم في إطار أوسع. طوال شهر شباط (فبراير)، سيطرت روسيا على نحو 85 كيلومتراً مربعاً، وفي آذار على نحو 70 كيلومتراً مربّعاً. الشهر "الأفضل" لروسيا خلال هجوم الشتاء كان كانون الثاني (يناير) حين سيطرت على نحو 600 كيلومتر مربّع (0.1 في المئة) من الأراضي. هذا يعني أنّ أداء أوكرانيا في شهر واحد مساوٍ تقريباً لمعدّل أداء روسيا خلال هجوم الشتاء، مع التذكير بأنّ هجوم أوكرانيا المضادّ لم يبلغ ذروته.
الاختراق الكبير... قريب؟
وزّعت أوكرانيا هجومها المضادّ على ما بين أربعة إلى خمسة محاور على طول الجبهة. يشبّه اللفتنانت كولونيل الفرنسيّ المتقاعد غيوم أنسيل الدفاعات الروسيّة بالحاجز المائيّ الذي يمتدّ على نحو 1000 كيلومتر وبعمق 30 كيلومتراً. "يجب تخيّل أنّ هذا ‘الحاجز‘ يتعرّض لِلَطْم الأمواج المتكرّر مع تدهور بلا هوادة". متى تنجح أوكرانيا في ضرب الحاجز حتى ينهار مسألة أسابيع أو حتى أشهر، لكن المهمّ أن يتحقّق ذلك قبل أو بحلول شهر أيلول بحسب رأيه.
قبل ساعات، نشر حساب وزارة الدفاع الأوكرانيّة مقطع فيديو على "تويتر" مطالباً المراقبين بالصبر وعدم اعتبار الحرب كلعبة فيديو إلكترونيّة. وسط الحماسة الكبيرة لحلفاء أوكرانيا، إلى جانب استعجالهم النتائج المبهرة لتبرير دعمهم لأوكرانيا، كان هذا التذكير ضرورياً بالرغم من أنّه بديهيّ.
You might see us as lead characters in your favorite action films or computer games. You aren’t wrong to see us that way.However, the war in Ukraine is very real.And we very much know what we’re doing. pic.twitter.com/ITgpxa9Mor— Defense of Ukraine (@DefenceU) July 8, 2023
لكن حتى بالنسبة إلى الباحثين عن انهيارات سريعة لخطوط الدفاع الروسيّة، قد لا يكون هذا الأمر بعيداً جداً من التحقّق. يمكن أن يشكّل حصول أوكرانيا على ذخائر عنقوديّة حلاً أوّلياً لتحقيق بعض الاختراقات السريعة على الجبهة. أياً يكن الأمر، لا يزال من المبكر الحديث عن سرعة أو بطء الهجوم الأوكرانيّ المضاد، ناهيكم عن نجاحه أو فشله.
نبض