"- لن تُقدَّم الذخيرة إليك لأنّك بحسب الافتراض قادر على استخدام المدافع ضدّ موسكو واقتحام الكرملين وهكذا دواليك. هذه هي المخاوف (السائدة في موسكو)، فهل هي عديمة المنطق؟"
"- سنذهب إلى موسكو؟! (...) سيميون، اِسمع، حول السير إلى موسكو، إنّه فكرة مثيرة للاهتمام، لكنّنا لم نفكّر بها".
بعد التمرّد المُجهَض لزعيم "فاغنر" يفغيني بريغوجين، أعيد نشر فيديو سابق لحوار أجراه مدوّن عسكريّ روسيّ بارز يدعى سيميون بيغوف مع بريغوجين استعرض خلاله تحليلات بشأن أسباب تلكّؤ مزعوم لوزارة الدفاع في إرسال ما يطلبه من ذخيرة. أوضح سؤال المراسل وجود شكوك قديمة حيال نوايا بريغوجين. بالفعل، إنّ عبارة "لم نفكّر بها" بدّدتها أحداث 24 حزيران الماضي. على ما يبدو هو فكّر بها وخطّط لها مطوّلاً. ليس هذا وحسب. ثمّة احتمال في أن يكون آخرون قد اشتركوا في التخطيط.
الطرف الثاني
ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" الأربعاء، بناء على معلومات أوّليّة من مسؤولين أميركيّين، أنّ الجنرال سيرغي سوروفيكين الذي كان خلال الخريف الماضي قائد الحرب الروسيّة في أوكرانيا كان على علم مسبق بالتمرّد. ويحاول المسؤولون معرفة ما إذا كان سوروفيكين قد ساعد بريغوجين على التمرّد. وقال مسؤولون سابقون للصحيفة إنّ سوروفيكين لم يدعم إطاحة بوتين من السلطة لكنّه وافق بريغوجين على ضرورة تنحية الجنرال فاليري غيراسيموف ووزير الدفاع سيرغي شويغو عن منصبيهما.

(الجنرال سيرغي سوروفيكين- أب)
أصبح سوروفيكين نائباً لغيراسيموف بعدما خفّض بوتين رتبة الأوّل في كانون الثاني الماضي. ورأى مراقبون أنّ تعيين غيراسيموف قائداً للعمليّة العسكريّة يمثّل بطريقة ما خفضاً لرتبته. لم تكن تعيينات بوتين مطلع هذه السنة مجرّد قرارات مرتبطة بتحسين مسار الحرب بل أيضاً محاولة لإيجاد توازنات بين مراكز صناعة القرار الحربيّ وحلّ التوتّرات الموجودة بين بريغوجين ووزارة الدفاع.
حصلت الولايات المتحدة على معلومات بشأن تحرّك بريغوجين أواسط حزيران ولم تنشرها سوى مع عدد قليل جدّاً من الحلفاء والمشرّعين في الكونغرس بحسب مصادر أميركيّة نقلتها شبكة "سي أن أن". وذكرت المصادر أنّ بريغوجين قرّر المضيّ قدماً بخطّته بعد إعلان وزارة الدفاع الروسيّة في 10 حزيران ضرورة توقيع "التشكيلات التطوعيّة" على عقود معها. لكنّ أغلب الظنّ أنّ خطّة التمرّد كانت قديمة، وعمرها أشهر بالحدّ الأدنى.
جهاز كاشف للكذب"
ضمن عدد نيسان/أيّار المخصّص للشأن الروسيّ، أعدّت مجلّة "لوبوان-جيوبوليتيك" تقريراً عن مجموعة "فاغنر" وزعيمها. أشار التقرير إلى أنّ أجهزة استخبارات (غير محدّدة) حصلت على محادثات بين بريغوجين ومرتزقته لدى عودته من إحدى مهامّه الخارجيّة. كانت المحادثة أقرب إلى "اختبار" إذ تمّت بواسطة جهاز كاشف للكذب: "هل أنتم جاهزون لحمل السلاح إلى موسكو إذا لزم الأمر؟"
لفتت المجلّة النظر إلى أنّه بعد ذلك تمّ اتّخاذ قرار بدمج المجموعة في الجيش وحتى بتأسيس مجموعات أخرى من المرتزقة لمنافستها. لم يذكر التقرير تاريخ هذه الأحداث. لكن من الآمن افتراض أنّها حصلت قبل منتصف آذار. وقد لا يكون قرار بريغوجين مرتبطاً حتى بقضيّة توفير أو عدم توفير وزارة الدفاع للذخيرة. أن يكون التمرّد عبارة عن طموح شخصيّ أمر وارد جدّاً.
الطرف الثالث
"يشتبه ‘أف أس بي‘ (جهاز الأمن الفيديراليّ) في أنّ هؤلاء الثلاثة يريدون احتكار أجهزة الأمن ضمن منظور احتماليّ لما بعد رحيل بوتين: الحرس الوطنيّ لـ(رمضان) قديروف، وزارة الدفاع لسوروفيكين وجهاز الأمن الفيديراليّ لبريغوجين". هذا ما نقلته المجلّة عن فلاديمير أوسيتشكين، وهو معارض روسيّ يساعد عناصر "فاغنر" على الهروب من المنظّمة.
ذكرت تقارير سابقة أنّ قديروف كان مؤيّداً لسوروفيكين. وعلاقة قديروف مع بريغوجين كانت إيجابيّة بالحدّ الأدنى حيث أشاد الأوّل بمقاتلي الثاني. عندما هدّد بريغوجين في أيّار الماضي بالانسحاب من باخموت، قال قديروف إنّه سينسّق مع "فاغنر" للحلول مكانها. عاد بريغوجين وتراجع عن قراره لاحقاً. وخلال يوم التمرّد، أعلن قديروف أنّه سيرسل قوّات "أحمد" الشيشانيّة إلى روستوف-أون-دون لصدّ تقدّم "فاغنر". لكنّ قوّات "أحمد" لم تظهر في المدينة. قد يكون سبب ذلك العلاقة الثابتة بين الطرفين أو تجنّب إراقة الدماء أو حتى تفادي قوّات "أحمد" إنهاك نفسها في معارك لا تصبّ مباشرة في مصلحة جمهوريّة الشيشان.
BREAKING:
— Visegrád 24 (@visegrad24) June 24, 2023
Large column of Kadyrov’s Chechen soldiers is entering the Rostov region.
The battles against the Wagner Group are about to start pic.twitter.com/61Fuht2svu
من جهته، نشر سوروفيكين مقطع فيديو يوم السبت طلب فيه من "فاغنر" الالتزام بقرار الكرملين محذّراً من استغلال "العدوّ" للانقسامات الداخليّة. لكنّ الفيديو أثار الارتياب لأنّ سوروفيكين بدا وكأنّه "رهينة" بحسب ما قاله مسؤول أميركيّ سابق لـ"نيويورك تايمز"، وعلى أيّ حال، هذا كان رأي قسم من روّاد مواقع التواصل الاجتماعيّ.
. @NYT : The former top Russian commander in #Ukraine Ge. Surovikin who we saw in the video below urging #Prigozhin to stop his March to Moscow , had advance knowledge of Prigozhin plans according to US officials.
— Hiba Nasr (@HibaNasr) June 28, 2023
pic.twitter.com/t6ArcC0fcr
"لم يكن جاهزاً"
هل كان سوروفيكين داعماً ومشاركاً في التمرّد؟ وهل تراجع بريغوجين عن السير نحو موسكو لأنّ سوروفيكين تراجع عن دعمه في اللحظات الأخيرة؟ مع تقدّم "فاغنر" 700 كيلومتر من دون مواجهة عسكريّة فعليّة، يبدو الاحتمال الأوّل على الأقلّ معقولاً، لكن ليس مؤكّداً. يبقى سوروفيكين رئيساً للقوّات الجوفضائيّة الروسيّة وقد أسقطت "فاغنر" أكثر من سبع مقاتلات/مروحيّات روسيّة على ما يلاحظه الباحث البارز في "معهد أبحاث السياسة الخارجيّة" روب لي في تعليق على فكرة دعم سوروفيكين لبريغوجين. حتى أنّ سوروفيكين أطلق وساطة في أيّار بين بريغوجين ووزارة الدفاع لحلّ قضيّة إمدادات الأسلحة. مع ذلك، ذكرت خدمة "موسكو تايمز" باللغة الروسيّة نقلاً عن مصدرين في وزارة الدفاع الروسيّة أنّه تمّ اعتقال سوروفيكين، لكنّ الخبر لم يلقَ تأكيداً واسعاً حتى ليل الأربعاء.
بالمقابل، ليس سهلاً على قديروف أن يخاطر بالعلاقة مع بوتين من أجل دعم تمرّد ذي آفاق غير مؤكّدة. كما كتب المحلّل السياسيّ ألسكندر دوكيتش في موقع "أورونيوز"، طالما أنّ بوتين في السلطة سيظلّ قديروف محافظاً على أقرب مسافة ممكنة من الرئيس الروسيّ بالنظر إلى استفادته المادّيّة والسياسيّة من حكمه.
من المرجّح أن يمرّ وقت طويل حتى تتكشّف معظم خيوط أحداث 24 حزيران. في هذه الأثناء، ومهما كانت امتدادات التمرّد وخططه وأطرافه، يبقى أنّ النتيجة واحدة كما لخّصها أحد المطّلعين من داخل موسكو في حديث إلى نيك روبرتسون من شبكة "سي أن أن": "النظام لم يكن جاهزاً للتغيير الراديكاليّ" الذي أراده بريغوجين.
نبض