14-08-2020 | 13:17

سيف ترامب أم تعاليم كونفوشيوس ؟

لم يتعظ ترامب من حقائق ان الصين التي يحاربها اليوم تجاريا وثقافيا واعلاميا، لم تعد الصين التي كان العالم يعرفها في القرن الماضي
سيف ترامب أم تعاليم كونفوشيوس ؟
Smaller Bigger
 
 
 
 
يقتبس دونالد ترامب من تجارب التاريخ لكنه لا يتعلم منها. بقرار ادارته تصنيف "معاهد كونفوشيوس" كبعثة دبلوماسية، ما يضيق على نشاطها داخل الولايات المتحدة، يعيد فتح جروح غائرة وملتبسة في محطات العلاقات بين الاميركيين والصينيين التي بدأت قبل أكثر من 200 سنة. 
 
رهانات ترامب الصينية لم تأت وفق حسابات البيدر. كان الرئيس الاميركي يبتغي عندما بدأ حربه التجارية على الصينيين قبل عامين، ان يجبرهم على اعادة صياغة العلاقات التجارية بما يحقق المزيد من الارباح للاقتصاد الاميركي. 
 
كان يمكن لاتفاق كهذا مع الصين، كما بالنسبة الى ضغوطه على ايران لاعادة صياغة الاتفاق النووي معها، ان يقدما ذخيرة سياسية له قبل حلول موعد الانتخابات الاميركية في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.
 
لكن ذلك لم يحصل. الهجوم السياسي على "معاهد كونفوشيوس" دليل رمزي على وصول سياسته الصينية الى حائط مربك. كأنها رمية صغيرة يائسة في اللحظات الاخيرة قبل انتهاء المبارزة، استبقها قبل اسابيع برمية مفجعة اخرى عندما اتهم الصين باختلاق فيروس كورونا، وكلف اجهزته الديبلوماسية تبني نظريته والترويج لها على المسرح العالمي. 
 
من ابحار اول سفينة تجارية من نيويورك الى كانتون الصينية العام 1784، الى "ديبلوماسية البينغ بونغ" لكسينجر، وصولا الى المحاصرة الترامبية ل"كونفوشيوس" داخل الاراضي الاميركية، محطات كثيرة وخطيرة مرت بها العلاقات بين الصين والولايات المتحدة. لم يتعظ ترامب من حقائق ان الصين التي يحاربها اليوم تجاريا وثقافيا واعلاميا، لم تعد الصين التي كان العالم يعرفها في القرن الماضي. 
 
الصين أكثر اقتدارا اقتصاديا وبطموحات عالية تجاريا، تمتد من شرق اسيا الى اسيا الوسطى وروسيا وشرق المتوسط والقرن الافريقي وعمق اوروبا وصولا الى شمالها. ان "محاصرة كونفوشيوس" بهذا السياق تبدو ردا هزيلا، ما لم ندقق في كل محطات التفجير والتوتير التي تشتعل على هذه الخطوط التجارية الكبرى. 
 
ملامح نهاية المعركة، قد تنجلي مع هدوء غبار المعركة الانتخابية الاميركية، سواء خرج ترامب من البيت الابيض فيعيد جو بايدن ترتيب العلاقات، أم جدد الناخبون لترامب فيصبح في الولاية الثانية اقل حماسة لاشعال الجبهات كافة مع الصينيين.. أو ربما أكثر تهورا. 
 
وهناك مرارة صينية ازاء السياسيات الاميركية المتعاقبة. ولا يزال في ذاكرة الصينيين كيف ان الاميركيين سنوا بحق مهاجريهم الاوائل أولى القوانين العنصرية في الكونغرس لمنعهم من الاستيطان والاندماج في المجتمع الاميركي الذي كان مشرعا على كافة اشكال الهجرة من كافة بقاع الارض. ان خلق المناخ العنصري ذلك، فتح البابا واسعا امام مجازر فعلية ارتكبت بحق العمال الصينين الفقراء الذين كانوا يعملون في المزارع وشق السكك الحديدية والتي على اكتافهم نهضت "اميركا" صناعيا وتجاريا. 
 
صحيح ان الولايات المتحدة وقفت الى جانب الصين عندما غزاها اليابانيون قبل الحرب العالمية الثانية وخلالها، الا ان الاميركيين ظلوا ينظرون الى الصين الى انها مجرد "سوق تجاري كبير"، تماما كما تعاطى معها البريطانيون قبلهم، وهو سوق يجب ان يظل مفتوحا طوال الوقت للجميع، ولكل البضائع، ولكل الدول الصناعية والتجارية الكبرى، ومن أجل هذا الهدف خيضت حروب وغزوات ضد الصينيين لاجبارهم على ان يظلوا "مستهلكين"، بكل ما في الكلمة من معنى. 
 
هذا هو الاطار الذي يجب ان تقيد الصين نفسها فيه. ولا تخرج "الحرب التجارية والثقافية" التي يخوضها ترامب عن هذا المنظار القديم فيما هذه البلاد صارت في مكان آخر، أو أقلها تحاول ان تكون في مكان آخر. 
 
وربما من أجل ذلك، اقامت الصين حتى الان اكثر من 550 مركزا لمعاهد كونفوشيوس حول العالم، كان أولها في كوريا الجنوبية، ما وفر خدمات لملايين الناس لتعليم اللغة الصينية والتعريف بثقافة هذه البلاد التي تريد ان تكون رائدة تجاريا، لكنها كانت تطمح الى افتتاح الف معهد كهذا بحلول العام 2020. 
 
 
وحملت هذه المعاهد اسم المعلم والفيلسوف كونفوشيوس (551 – 479 قبل الميلاد) وهي لا تستهدف الربح وتتبع لوزارة التعلم الصينية، لكن ادارة ترامب باتت تعتبرها الان "أداة للدعاية" الصينية، بعدما صار لها 75 معهدا في ارجاء الولايات المتحدة. 
 
سيتحتم الان على العاملين في هذه المعاهد الحصول الى وضعية قانونية مشابهة لهؤلاء الذين يعملون في سفارات اجنبية. 
 
وربما لو جاء القرار الذي اعلنه وزير الخارجية مايك بومبيو في وقت مختلف لمر مرور الكرام، لكن في ظل التوتر السائد في العلاقات، واقتراب موعد الانتخابات الاميركية، فانها قد تساهم في تأجيج النزعة العنصرية ضد الصينيين المهاجرين مجددا، تماما كما فعل المشرعون الاميركيون قبل اكثر من مئة عام. 
 
ومن المرجح ان ترد الصين على هذا القرار الاميركي، مثلما فعلت في "حرب اغلاق القنصليات" التي بدأها ترامب معها، ومثلما حدث عندما صنف وسائل اعلامية صينية من قبل على انها "بعثات اجنبية". 
 
وكانت وزارة الخارجية الاميركية ذكرت في بيان إنها "صنفت المراكز الأميركية لمعاهد كونفوشيوس على أنه بعثة دبلوماسية أجنبية من الصين"، ووصفتها بأنها "كيان يروج لدعاية بكين في العالم وتاثير حملتها يضر بالجامعات والفصول الدراسية" في الولايات المتحدة، وهي بحسب البيان الاميركي "تمولها الصين وهي جزء من نفوذ الحزب الشيوعي الصيني وجهازه الدعائي". 
 
والقرار لا يعني اغلاق المعاهد وانما اخضاعها لمزيد من المراقبة. وكان مجلس الشيوخ الذي يهيمن عليه الجمهوريون وافق في حزيران (يونيو) على مشروع قانون لتعزيز مراقبة "معاهد كونفوشيوس" في الجامعات الأميركية.
 
المعادلة معقدة. لكن السؤال باختصار : تعاليم كونفوشيوس أم سيف ترامب؟