شكّلت زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الصين لحضور افتتاح الألعاب الشتوية مناسبة لتجديد موسكو وبكين تنسيقهما في مواجهة ما تريانه تعدّياً أميركيّاً على أمنهما القوميّ. وبعدما استضاف الرئيس الصينيّ شي جينبينغ نظيره الروسي، صدر إعلان مشترك عارضا فيه "أيّ توسيع للحلف الأطلسيّ مستقبلاً"، داعيين "الناتو" إلى "التخلّي عن نهجه المؤدلج الذي يعود إلى الحرب الباردة". وندّد الطرفان بـ"التأثير السلبيّ لاستراتيجيّة الولايات المتحدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ على السلام والاستقرار في المنطقة".
وانتقد الرئيسان تأسيس تحالف "أوكوس" العسكريّ بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا (2021) باعتباره "يمسّ مسائل تتعلّق بالاستقرار الاستراتيجيّ". وذكر البيان أيضاً أنّ الدولتين "تنويان مواجهة تدخّل القوى الأجنبيّة في الشؤون الداخليّة لدول سيّدة تحت أيّ ذريعة، وتعارضان الثورات الملوّنة وستزيدان التعاون في المناطق المذكورة". وذكر الطرفان الولايات المتحدة بالاسم ست مرات في البيان. باختصار، أيّدت الصين مطالب روسيا على حدودها الغربيّة مع أوروبا و"الناتو"، بينما دعمت روسيا مصالح وهواجس الصين في المحيطين الهنديّ والهادئ.
"على العالم أن يستعدّ"
أتى البيان المطوّل (قرابة 5300 كلمة) مع تأزّم الوضع على الحدود الروسيّة - الأوكرانيّة، إذ حشدت موسكو أكثر من 100 ألف جنديّ وتقدّمت بما سمّته "ضمانات أمنيّة" حيال عدم توسّع "الناتو" شرقاً عبر انضمام أوكرانيا وجورجيا إليه. ومع تبادل الرسائل بين الروس والأميركيّين، كما بين الروس والأطلسيّين، يبدو أنّ موسكو غير راضية عن الردود الغربيّة. فمنذ نحو أسبوع، قال بوتين لنظيره الفرنسيّ إيمانويل ماكرون إنّ الغرب "لم يأخذ في الاعتبار المخاوف الأساسية لروسيا". ومن المتوقّع أن يلتقي الرئيسان الاثنين المقبل وفقاً لبيان صادر عن الإليزيه يوم الجمعة.
قال بوتين في مستهلّ لقائه مع شي إنّ العلاقة الثنائيّة "تطوّرت في ظلّ روحيّة صداقة وشراكة استراتيجيّة، واكتسبت فعلاً طابعاً غير مسبوق". وأشار بوتين إلى توقيع اتّفاقيتين جديدتين في قطاعي النفط والغاز مع الصين بقيمة 117.5 مليار دولار. تعني هذه المواقف والخطوات الكثير على صعيد العلاقات بين البلدين وفقاً لرئيس مؤسّسة الرأي "مجتمع آسيا" ومقرّها نيويورك كيفن رود الذي خدم أيضاً كرئيس سابق للحكومة الأستراليّة: "على العالم أن يستعدّ لتعزيز إضافيّ بارز للعلاقة الأمنيّة والاقتصاديّة بين الصين وروسيا". ولفت النظر إلى أنّ الصين لم تتّخذ موقفاً حاسماً كهذا حيال دعم روسيا في شؤون الأمن الأوروبي منذ انقسام الكتلة الشيوعيّة أواخر خمسينات القرن الماضي.
الموقف الأميركيّ
بحسب بيان وزارة الخارجية الصينية، قال شي إنّه مستعدّ للعمل مع بوتين من أجل "تحويل الثقة المتبادلة العالية المستوى بين البلدين إلى نتائج تعاون شامل". وشدّد شي "على أنّه في مواجهة التغيّرات العميقة والمعقّدة في الوضع الدوليّ، تلتزم الصين وروسيا بتوطيد التنسيق الاستراتيجيّ المتعاقب ودعم الإنصاف والعدالة الدوليين جنباً إلى جنب". وأضاف البيان أنّ "هذا خيار استراتيجيّ سيتمتّع بتأثير بعيد النطاق على الصين وروسيا معاً وعلى العالم بصورة أعمّ". وتعتقد بكين بأنّ الشرق آخذ بالصعود والغرب متوجّه نحو الأفول، ومن هنا على الأرجح إشارة البيان إلى "التغيّرات العميقة والمعقّدة".
ورأت ستايسي غودارد، أستاذة مادة التنافس بين الدول العظمى في "كلية ويلسلي"، أنّ بكين أحجمت في الماضي على الظهور بمظهر المنسّق مباشرة مع روسيا. ما حدث أمس هو "فعلاً خطوة نحو توضيح أنّهما تعملان معاً".
يبدو أنّ الولايات المتحدة لم تكن مرتاحة كثيراً إلى البيان المشترك. فقد أعلن كبير المسؤولين في وزارة الخارجية الأميركية لشؤون شرق آسيا دانيال كريتنبرينك أنّه كان يُفترض بالقمّة بين الرئيسين أن تكون مناسبة كي تشجّع الصين روسيا على خفض التصعيد مع أوكرانيا. وأضاف أنّ نهجاً كهذا هو ما يتوقّعه العالم من "القوى المسؤولة"، معترفاً في الوقت نفسه بأنّ القمّة أظهرت كيف تقترب بكين وموسكو أكثر من بعضهما البعض.
أوّل تحدٍّ محتمل
يوم الخميس، أعلنت وزارة الخارجيّة الأميركيّة أنّ علاقات روسيّة أكثر عمقاً مع بكين لن تعوّض التداعيات التي ستُفرض على موسكو في حال شنّها اجتياحاً ضدّ أوكرانيا، محذّرة من أنّ الشركات الصينيّة ستواجه عواقب إذا سعت إلى تفادي القيود المفروضة على موسكو. بالفعل، ليس واضحاً ما إذا كانت الصين ستخاطر بالتعرّض للعقوبات عبر انتهاك أيّ إجراءات أميركيّة محتملة ضدّ روسيا. يقول رئيس مركز "ناشونال إنترست" ديميتري سيمس إنّ بكين وموسكو "تدعمان وتقدّران بعضهما البعض، لكنّهما لا تتبادلان الوعود بشأن أيّ مساعدة محدّدة".
في ما يخصّ العقوبات على إيران، تجنّبت الصين انتهاكها إلى حدّ بعيد، وهي غالباً ما عمدت إلى شراء النفط الإيرانيّ بعد غضّ الطرف من الأميركيّين. والأمر نفسه ينطبق على فنزويلا. إنّ استعداد الصين لخرق التدابير الأميركيّة المحتملة ضدّ روسيا سيبقى قيد التكهّن حالياً. مع ذلك، ليست المؤشّرات الأوّليّة إلى السيناريو الأكثر احتمالاً منعدمة. فبعد العقوبات على روسيا عقب ضمّها القرم سنة 2014، تراجع حجم التبادل التجاريّ من 90 مليار دولار إلى 6 مليارات دولار في 2015. مذّاك، بذل الطرفان جهوداً حثيثة لتعزيز قدرتهما على تفادي النظام الماليّ بقيادة أميركا، "لكنّهما لا يزالان عاجزين عن عزل تجارتهما الثنائيّة بالكامل إذا فرضت الولايات المتحدة وأوروبا عقوبات شديدة على روسيا" وفقاً لرئيسة تحرير مجلة "ذا ديبلومات" شانون تييزي. وهي لاحظت أيضاً أنّ البيان لم يذكر أوكرانيا بالاسم، على عكس توجيهه "شجباً شديداً" لاتفاق "أوكوس" ممّا يعني أنّ للدولتين أرضيّة مشتركة في الإندو-باسيفيك أكبر من تلك الموجودة في شرق أوروبا.
في وقت يستحيل التشكيك بتوطيد الصين وروسيا جهودهما في مواجهة الولايات المتحدة، يصعب تلمّس تحالف صارم بين الطرفين لتحقيق هذه الغاية. على أيّ حال، تتجنّب موسكو وبكين هذا التوصيف في بياناتهما الرسميّة. في نهاية المطاف، ستفرض أيّ عقوبات أميركيّة على روسيا أوّل تحدٍّ جدّيّ على قمّة شي-بوتين. وقد يفضّل الرئيسان ألّا تصل الأمور مع واشنطن إلى هذا الحدّ.
نبض