26-03-2021 | 20:20

الجزائر: الجنود الفرنسيون وجرائم الاغتصاب... أحاديث محرّمة

نشرت صحيفة "لوموند" الفرنسية مقالاً تناول قضية اغتصاب جنود فرنسسين نساء جزائريات، خلال فترة الاستعمار الفرنسي للجزائر.
الجزائر: الجنود الفرنسيون وجرائم الاغتصاب... أحاديث محرّمة
Smaller Bigger

 

نشرت صحيفة "لوموند" الفرنسية مقالاً تناول قضية اغتصاب جنود فرنسسين نساء جزائريات، خلال فترة الاستعمار الفرنسي للجزائر.

وقالت "لو موند" إنّ مسألة الاعتداء الجنسي، أي الاغتصاب، والتعذيب التي ارتكبها بشكل منهجي، بعض الجنود الفرنسيين، تظل "نقطة عمياء" في البحث التاريخي في الجزائر وفرنسا.

وفي الجزائر، تُعدّ صدمتان مرتبطتان بحرب الاستقلال أثقل من كل الصدمات الأخرى: قضية المفقودين وقضية الاغتصاب. وبقدر ما يتم الحديث عن الأولى في العائلات، بقدر ما يلتزم الجزائريون الصمت بشأن الثانية.

 

"تابو"

ومن بين جميع الانتهاكات التي ارتكبها الجيش الفرنسي، فإن الاغتصاب هو الأكثر إخفاءً، من قبل الجناة وكذلك من قبل الضحايا. وفي حال تم التقليل من شأنه أو تجاهله، لن يتم الحديث او التعميق في هذا الموضوع أبداً، ولسبب وجيه: في بلد كما في الآخر، يعد هذا الموضوع من المحرمات القديمة جداً.

 

يضاف إلى ذلك حقيقة أن المؤرخين الفرنسيين لا يملكون التمويل اللازم للغوص في هذا المجال والعمل على الارض. وفي معظم الأوقات، يجب أن يكتفوا بالأرشيفات أو شهادات قدامى المحاربين، من دون الوصول إلى تلك الخاصة بالضحايا.

وعقب الاستقلال عام 1962، كان الصمت هو شعار العائلات الجزائرية، حيث طُلب من جميع الذين عانوا الفظائع، وخاصة الاعتداء الجنسي، التزام هذا الصمت. وحتى اليوم، الاغتصاب يعني العار في هذا الوطن الافريقي.

 

اذن، إنها مسألة تُعدّ "تابو"، أي  من المحرمات. وهي لم تكن لتتحطم بدون شجاعة امرأة جزائرية اعترفت في شهادة  لها مع صحيفة "لو موند"، تعود الى 20 حزيران (يونيو) 2000.

 

ويقول المؤرخ المتخصص في حرب الجزائر ترامور كيمنور: "كانت شهادة لويزيت إيغيلاهريز بمثابة انفجار. فانطلق كل شيء من شهادتها. عندها بدأنا نحن في فرنسا بالاهتمام بهذا الموضوع".

 

المرأة الأولى 

 

ونقلت ناشطة الاستقلال الجزائرية السابقة لويزيت إيغيلاهريز الذكريات التي تطاردها منذ عقود: "كنت مستلقية عارية، وكنت بمجرد أن أسمع صوت أحذيتهم كنت أرتجف، والاصعب هو القدرة على الصمود في الأيام الأولى، والاعتياد على الألم. ثم ننفصل عقلياً عن أنفسنا. وكأنّ الجسم يبدأ يطفو".

 

وبكلمات قليلة، كشفت عن طبيعة الإساءات التي تعرضت لها، في أيلول (سبتمبر) 1957، وهي كانت في الـ20 من العمر، في الدائرة العسكرية العاشرة التابعة لقوات للمظلة الفرنسية في الجزائر العاصمة. واذا تحدثت، فلكي تجد رجلا يُدعى "القائد ريشود"، الذي خلصها بنقلها إلى مستشفى مايو في باب الواد، ثم نقلها إلى السجن. ودّت أن تعرب عن امتنانها له.

 

ولكن لويزيت دفعت  ثمن جرأتها ثمنا باهظا. لم تجد ريشود أبدا، وهو كان طبيبا عسكريا وتوفي عام 1998. والآن، هي في الـ84 من العمر، تعيش في الجزائر العاصمة، ولكن ابنها لم يسامحها قط لتكلمها عن معاناتها وتعرضها للاغتصاب. وابنتها لا تستطيع الخروج من اكتئاب لا ينتهي بدأ في عام 2000. أما المجاهدات الاخريات، فالكثير منهن  يدرن ظهرهن لها، ويتهمونها بالكشف عن سر كتموه منذ 60 عاماً.

 

وحتى ولو كانت لويزيت على يقين أنها لم تحسب نتائج شهادتها، ولكنها لم تندم على شيء. "كان علي أن أشارك عبئا كبيرا عليّ. ومن خلال البوح بعذابي، اعتقدت أنني سأجد الراحة"، تقول لويزيت الذي أصبحت طبيبة نفسية بعد استقلال الجزائر.

 

ولكنها تستنكر سكوت النساء اللواتي تعرضن للاغتصاب خلال تلك الحقبة من التاريخ، إذ إنها توقعت أن خطابها هذا سيشجع أولئك النساء في الحديث عن ما تعرضن له من اعتداء جنسي على ايادي الجنود الفرنسيين خلال فترة الاستعمار: "أنا فقط أشعر بالمرارة لأنني توقعت أن يتحرر الكلام عن هذا الموضوع، وذلك لم يحدث".

 

وأكثر ما تعانيه لويزيت هو نظرة الآخرين لها. وهي تعرف، من جهة، أنها "فعلت الكثير خلال حرب التحرير وتستحق الشكر على ذلك"، ومن جهة ثانية، تبقى "المرأة التي تعرضت للاغتصاب".

 

اغتصاب جماعي

وتُعتبر باية لعريبي، الملقبة بـ"باية السوداء" بسبب لون بشرتها، هي ولويزيت إغيلاحريز، من المجاهدات القليلات اللواتي امتلكن القوة لمواجهة نظرة الآخرين.

 

وتعود قصتها إلى عام 1956، حين كانت هذه الفتاة الطويلة الجميلة طالبة تمريض. وفي هذا العام، التحقت باية بالجبل وتم القبض عليها بعد سنة من ذلك في الجزء الشرقي من البلاد، مع ثلاث ممرضات أخريات ومجموعة من 14 مقاتلاً. 

 

وتروي باية عن جريمة حرب وقعت ضد هؤلاء الجنود الذين جردوا من أسلحتهم، واستلقوا على الأرض ثم قامت شاحنة عسكرية بدهسهم وهم أحياء، أما هي فتم وضعها في مركز تعذيب في الجزائر العاصمة.

 

وقالت باية إنها تعرضت لاغتصاب جماعي في "قصر كلاي"، ما يعرف بدار عزيزة في القصبة الجزائرية في العاصمة.

 

ووفقا لباية، أحد الذين عذبوها كان ابن مستوطن ثري معروف للجميع، قام باغتصابها وهو يصرخ منادياً الأصدقاء قائلاً: "هذه السوداء جيدة"، كان ذلك في مقر الدائرة العسكرية العاشرة في الجزائر.

 

وتتابع القول إنها تعرضت للاغتصاب بعدها من طرف العقيد غراتسياني، الذي توفي في المعركة بعد عامين، وهو نفس الشخص الذي اغتصب لويزيت إغيلاحريز ونساء أخريات، على الأقل واحدة منهن لا تزال على قيد الحياة في الجزائر، لكنها تلتزم الصمت.

 

عذاب معنوي

وبعد الاستقلال، أصبحت باية ممرضة. وتقول إن بلادها حصلت على الاستقلال لكن بأي ثمن؟ جملة تريد باية أن تشير بها إلى جرائم الاغتصاب ضد الجزائريات لا سيما في الجبال والتي لا يزال مسكوتا عنها حتى اليوم.

 

وهي تطالب الأجيال الجديدة بمعرفة ما حدث فعلا خلال حرب التحرير الجزائرية، مشددة على أن الآثار النفسية والمعنوية للتعذيب أشد ضراوة من الآثار الجسدية. لذا فهي معاناة تلازم المرء طيلة حياته. "صحيح أن الحرب يقوم بها الرجال، لكن النساء هي التي تدفع ثمنها، تختتم باية".

 

مع الوقت، يطغى النسيان على هذا الموضوع. وفي غضون عامين إلى ثلاثة أعوام، سيكون الأوان قد فات.  وستموت ضحايا الاغتصاب واحدة تلو الآخرى، سجينات الصمت والألم، وأحيانًا في حالة إنكار. وقريبا، تُدفن هذه الحوادث وكأنها لم تحدث أبدا. وهذا في الواقع يناسب الجميع، إن كان من السياسيين الفرنسيين أوالجزائريين.

 

علاوة على ذلك، كيف يتم التعامل مع موضوع يثير الرعب والدهشة، ولم يتم تناوله بشكل مباشر في تقرير بنجامين ستورا الأخير؟

 

وتؤكد المؤرخة كلير موس كوبو: "للمضي قدماً، يجب أن ننجح في تحرير أنفسنا من الأفكار التي تلقيناها، وبراحة أكبر". وتضيف: "لا، لم تكن عمليات التعذيب الجنسي التي ارتكبت في الجزائر مجرد أخطاء فادحة ولكنها نتيجة الإرادة السياسية للحكومات المتتالية التي أرادت أن تهزم أعداءها وتذلهم".

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 5/31/2026 9:28:00 PM
فيديو متداول للرئيس أحمد الشرع وعقيلته في بلودان يثير تفاعلاً واسعاً
لبنان 6/2/2026 9:09:00 PM
بين طريق الخطر وطريق العلم والمعرفة، أثارت الحادثة موجة واسعة من الجدل، ترافقت مع انتقادات طالت وزارة التربية والتعليم العالي، حيث وجّه كثر أصابع الاتهام إلى وزيرة التربية ريما كرامي على خلفية الإصرار على إجراء الامتحانات حضورياً.
لبنان 6/3/2026 7:11:00 AM
يسلط التدقيق الضوء على شركة الطيران الوطنية التي تتخذ من بيروت مقراً لها، والتي حافظت على استمرار حركة الطيران في لبنان خلال الحرب والانهيار المالي.