بعد تأييدها انفصال الأمازيغ... الى أين قد يصل ردّ المغرب على دعم الجزائر البوليساريو ؟
يطل من جديد، التوتر في العلاقات المغربية الجزائرية، والحقيقة أن الأسباب التي تأتي به لا تهم، فمنذ بداية ستينات القرن الماضي، وهو كامن، يطل ويختفي وأحيانا يغطى بوئام وانسجام، لكنه يبقى مستعدا للبروز في أي لحظة ولأهون الأسباب.
يطل من جديد، التوتر في العلاقات المغربية الجزائرية، والحقيقة أن الأسباب التي تأتي به لا تهم، فمنذ بداية ستينات القرن الماضي، وهو كامن، يطل ويختفي وأحياناً يُغطى بوئام وانسجام، لكنه يبقى مستعداً للبروز في أي لحظة ولأهون الأسباب.
التوتر الجديد الذي بدأ يأخد شكله الرسمي عقب إعلان وزارة الخارجية الجزائرية، يوم الأحد، استدعاء سفيرها لدى الرباط، عازية هذه الخطوة إلى ما وصفته بموقف بـ"ضرورة توضيح المملكة المغربية موقفها النهائي من الوضع البالغ الخطورة الناجم عن التصريحات المرفوضة لسفيرها في نيويورك".
وجاء في بيان للخارجية الجزائرية أنه "نظراً الى غياب أي صدى إيجابي ومناسب من الجانب المغربي، فقد تقرر اليوم استدعاء سفير الجزائر في الرباط، فوراً، للتشاور. كما لا يستبعد اتخاذ إجراءات أخرى، بحسب التطور الذي تشهده هذه القضية".
والسبب في هذا التوتر، الذي عاد ليطبع من جديد علاقة الجارين، هو تبني المملكة خطاباً دبلوماسياً تصعيدياً "غير مسبوق"، بإعلانها دعم أمازيغ الجزائر وأحقيتهم في تقرير المصير وتصفية "الاستعمار الجزائري"، وهو الخطاب الذي لم يسبق أن استعمله المغرب أبداً، إذ إنه لطالما شدد على أهمية الوحدة الترابية للبلدان باعتبارها من الثوابت الراسخة لمواقف المغرب دبلوماسياً. هو في الحقيقة "مثير للاهتمام" بحسب المحلل السياسي المغربي، سعيد إبراهيم، الذي استحضر في تصريح الى"النهار العربي" واقع التحول الكبير الطارئ في الخطاب الدبلوماسي للمغرب منذ فترة.
وقال إبراهيم إن المغرب أصبح "يستعمل لهجة شديدة عندما يتعلق الأمر بموضوع سيادته الوطنية، فهو لم يسبق أبداً أن لوّح بدعمه لاستقلال الشعوب المطالبة بالانفصال، تماماً كما حدث عندما نبه إسبانيا إلى فرضية دعم مطالب كتالونيا، قبل أن يعود الى دعم تقرير مصير منطقة القبائل باعتبارها تعاني ويلات الاستعمار الجزائري".
وزاد: "لطالما نأى المغرب بنفسه عن مشكلات الجيران أو المشكلات الداخلية لبلدان المنطقة، فإذا لم يكن جزءاً من الحل كما هي الحال بالنسبة الى ملف ليبيا، فهو يختار دائماً الحياد تماماً كما في ملف الخليج"، مضيفاً: "لكن بما فعله الآن عندما لوّح بإمكان دعم انفصاليي كاتالونيا، ثم شعب القبايل الأمازيغ، يهدد بإمكان المعاملة بالمثل كما فعل الجيران".
وتأتي المواقف الجديدة للمغرب على هامش اجتماع عقدته منظمة دول عدم الانحياز عبر تقنية الاجتماع عن بعد، يومي الأربعاء والخميس الماضيين، بمشاركة مسؤولين من المغرب والجزائر، وشهد تدخلاً لوزير الخارجية الجزائري المعين حديثاً رمطان لعمامرة الذي هاجم المغرب، ووجّه أصابع الاتهام له في ما يتعلق بملف الصحراء المغربية، مجدداً دعم بلده "الكامل وغير المشروط" للجبهة الانفصالية "البوليساريو".
لعمامرة الذي تسلم منصبه قبل أيام فقط خلفاً لصبري بوقادوم، والمعروف بقربه الشديد من النظام الجزائري، وأعضاء البوليساريو، كانت أول مهمة له بعد ساعات من تنصيبه هي حضور هذا الاجتماع الدولي وتوجيه سهامه صوب المغرب خلال المؤتمر، معتبراً أن المغرب "أجرم عندما خرق هدنة وقف النار في الصحراء"، على حد تعبيره، وأنه بات من الضروري حالياً "تعيين الأمم المتحدة مبعوثاً خاصاً لها في النزاع".
المعاملة بالمثل
لم يتأخر الجانب المغربي الذي كان حاضراً أشغال المؤتمر، وممثلاً بالسفير لدى الأمم المتحدة عمر هلال في الرد، ولعل خطابه الشديد اللهجة كان أكثر "قساوة" على النظام الجزائري.
الدبلوماسي المغربي لم يتوان عن رد صاع الانتقادات صاعين للعمامرة، مؤكداً عدم وجود ملف الصحراء ضمن أجندة اللقاء، وبالتالي ضرورة تفاديه والتركيز في المقابل على ما يعانيه العالم من جائحة كورونا والتقلبات الدولية المرتبطة بهذه الجائحة.
ولم يفوت هلال الفرصة في بداية كلمته لتأكيد مغربية الصحراء، وموقف المملكة الثابت بخصوص وحدتها الترابية، ومقترحها "الرائد" دبلوماسياً في ما يتعلق بالحكم الذاتي على الصحراء، مستحضراً أيضاً الاعتراف الأميركي الأخير، قبل أن يعود للوزير الجزائري المعين حديثاً، وينتقد دفاعه عن تقرير مصير الصحراويين، لتكون المفاجأة الصادمة بعدها عندما تساءل: كيف ينكر لعمامرة "هذا الحق نفسه لشعب القبائل، أحد أقدم الشعوب في أفريقيا، والذي يعاني من أطول احتلال أجنبي"، على حد تعبيره، مبرزاً أن "تقرير المصير ليس مبدأً مزاجياً. ولهذا السبب يستحق شعب القبائل الشجاع، أكثر من أي شعب آخر، التمتع الكامل بحق تقرير المصير".
الجزائر غاضبة
هذا التحول الذي عرفه الخطاب الدبلوماسي المغربي مع الجزائر، عندما اعتبر وجود السلطة الجزائرية في منطقة القبائل بمثابة "استعمار" للمنطقة، أثار حفيظة الجزائر لتسارع مباشرة الى إدانة ما وصفته بـ"الانحراف الخطير" للبعثة الدبلوماسية المغربية في الأمم المتحدة.
وقال بيان الخارجية الجزائرية: "قامت الممثلية الدبلوماسية المغربية في نيويورك (الأمم المتحدة) بتوزيع وثيقة رسمية على جميع الدول الأعضاء في حركة عدم الانحياز، يكرّس محتواها بصفة رسمية انخراط المملكة المغربية في حملة معادية للجزائر"، من خلال "الدعم العام والصريح لحق مزعوم في تقرير المصير لشعب القبايل" الذي، وفقاً للمذكرة، "يعاني أطول احتلال أجنبي".
البيان اعتبر هذه المذكرة "اعترافاً بالدعم المغربي المتعدد الأوجه المقدم حالياً لمجموعة إرهابية معروفة"، في إشارة الى حركة "الماك" القبايلية الانفصالية التي صنفتها الجزائر أخيراً حركة إرهابية، مشيرة إلى أن دعم المغرب الحالي لهذه الحركة، لا يختلف عما كانت "الحال مع دعم الجماعات الإرهابية التي تسببت في إراقة دماء الجزائريين في العشرية السوداء".
ووصف بيان الخارجية الجزائرية التصريح الدبلوماسي المغربي بـ"المجازف وغير المسؤول والمناور"، مشدداً على أنه "جزء من محاولة قصيرة النظر واختزالية وغير مجدية تهدف إلى خلق خلط مشين بين مسألة إنهاء الاستعمار المعترف به على هذا النحو من قبل المجتمع الدولي وبين ما هو مجرد مؤامرة تحاك ضد وحدة الأمة الجزائرية".
واعتبرت الجزائر أن التصريح المغربي "يتعارض مباشرة مع المبادئ والاتفاقيات التي تهيكل وتلهم العلاقات الجزائرية المغربية. فضلاً عن كونه يتعارض بصفة صارخة مع القانون الدولي والقانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي".
ودانت الجزائر بشدة ما وصفته بـ"الانحراف الخطير، بما في ذلك بالنسبة الى المملكة المغربية نفسها داخل حدودها المعترف بها دولياً".
وختمت الخارجية الجزائرية بيانها بالقول: "في ظل هذه الوضعية الناشئة عن عمل دبلوماسي مريب قام به سفير، يحق للجزائر، الجمهورية ذات السيادة وغير القابلة للتجزئة، أن تنتظر توضيحاً لموقف المملكة المغربية النهائي بشأن هذا الحادث البالغ الخطورة".
حزب جزائري يدقّ طبول الحرب ضد المغرب
وامتد غضب النظام الجزائري من موقف المغرب، ليشمل أيضاً حزب "حركة البناء الوطني"، الجزائري الذي طالب رئاسة الجمهورية بـ"إعلان الحرب على المملكة".
وقال الحزب الجزائري إنه يعبّر "عن صدمته الشديدة كغيره من الجزائريين لما تضمنته وثيقة رسمية موزعة من طرف الممثلية الدبلوماسية المغربية في نيويورك على جميع الدول الأعضاء في حركة عدم الانحياز"، مؤكداً أن "هذا التصريح الخطير يعد بمثابة إعلان حرب على الجزائر دولة وشعباً، وننتظر موقفاً حازماً من مؤسسات الدولة المخولة الرد على ذلك".
الحزب شدد أيضاً في بيانه على أن الشعب الجزائري "واحد موحد، نسيجه متماسك ومنصهر"، كما أن "أي تلاعب بوحدة هذا الوطن أو بوحدة هذا الشعب أو أي محاولة بائسة لتمزيق نسيجه المجتمعي، يعتبر تعدياً، بل وإعلان حرب على كل جزائري وجزائرية، فضلاً عن أنه يفرض رداً سريعاً ومتكافئاً من الدولة ومؤسساتها السيادية".
ودعا الحزب في هذا الشأن، الجميع إلى "الوقوف الفوري إلى جنب المؤسسات، بعيداً عن أي حسابات سياسية أو اختلافات أو مهاترات".
رئيس حكومة القبايل: نطمح لافتتاح ممثلية في المغرب
هذا التحول في الخطاب الدبلوماسي المغربي، بقدر ما "أزعج سلطات الجزائر"، بقدر ما أسعد شعب القبايل المقدر إحصائياً بنحو 6 ملايين جزائري، بحسب ما أكده مؤسس "الحركة من أجل تقرير المصير" في منطقة القبائل، ورئيس الحكومة القبائلية الموقتة فرحات مهنى في تصريح الى "النهار العربي''، سعادته وامتنانه لما اعتبره "اعتراف المغرب بشعب القبائل، وأحقيته في تقرير مصيره وتصفية الاستعمار"، مشدداً على أن هذا المستجد "اعتبره شعب القبائل حدثاً تاريخياً، وتدويلاً لقضية شعب لطالما عانى تبعات الظلم والتدليس والقمع مقابل صمت دولي على كل ما يطال هذا الشعب".
وأضاف مهنى: "لن ننسى وقوف المغرب العظيم إلى جانبنا، في شخص المسؤول المغربي عمر هلال، تماماً كما لن ننسى تعاطف الشعب المغربي، وتوجيهات الملك محمد السادس التقدمية والحكيمة، ولا بد من القول إننا على درب الحرية والتحرر سائرون".
ورأى مهنى أنه باعتراف المغرب بأحقية شعب القبائل في الانفصال وتقرير المصير، يكون قد وضع اللبنة الأولى للوحدة الشمال أفريقية من أجل الخروج من قوقعة الاستعمار المفروض.
أمازيغ المغرب يؤيّدون بلدهم
الناشط المغربي الأمازيغي عبد الله بوشطارت اعتبر قرار المغرب "موفقاً"، ذلك أن منطقة القبائل في رأيه "تتمتع بكل مقومات دولة مستقلة عن النظام الجزائري العسكري الشمولي، جغرافياً وتاريخياً وبشرياً وسياسياً وثقافياً"، مذكراً بأن "القبايل تطالب بالانفصال عن النظام الذي يتبنى الاشتراكية العربية والشمولية السياسية منذ انفجار الصراع السياسي داخل الحركة الوطنية الجزائرية سنة 1948، والمعروف في التاريخ السياسي الجزائري المعاصر بالأزمة البربرية".
وأوضح أن "منطقة القبايل، ذات الخصوصيات الثقافية والسياسية الأمازيغية، لم تكن أبداً في توافق وتناغم مع نظام العسكر منذ الاستقلال؛ بل طبع علاقة الطرفين الصراع والنزاع، وتمظهر ذلك مباشرةً أثناء تظاهرات انتفاضة الأمازيغ سنة 1980".
وكانت هذه اللحظة، وفق بوشطارت، بمثابة "المنعطف الحاسم في تاريخ العلاقات بين النظام العسكري وأمازيغ القبايل، وشكلت مرجعاً مهماً للأرضية السياسية والثقافية التي يبني عليها القبايليون خطابهم السياسي والثقافي المعارض تجاه النظام".
وأضاف أن "القبايليين أسسوا منظومة سياسية قوية تتأسس على التاريخ والأرض والثقافة واللغة الوطنية وعلى الإنسان، وهي منظومة مختلفة عن منظومة النظام العسكري الشمولي الذي تبنى أفكاراً مستوردة من الخارج؛ كالاشتراكية والعربية والحزب الواحد والسلطوية. وهذا ما جعل جل الزعماء السياسيين والمفكرين الأمازيغ في القبايل يختارون العيش في المنفى والموت في البلدان الأوروبية؛ كالمفكر محمد أركون الذي عاش في فرنسا واختار أن يدفن في المغرب، والفنان العالمي إدير الذي عاش ومات في فرنسا وغيرهما".
بلوان: المغرب لن يتمادى
وعما إذا كان هذا التحول في الخطاب المغربي سيعمّق الهوة أكثر بين الجارين، ويزيد من حدة التصعيد، قال الخبير في العلاقات الدولية وشؤون الصحراء المغربية حسن بلوان لـ"النهار العربي" إن "التصعيد قائم بين البلدين أساساً، والمغرب من خلال إعلانه دعم شعب القبايل وأحقيته في تقرير المصير، هو في الحقيقة يرد على الهجمة الإعلامية التي قادتها الجزائر منذ أشهر، بالضبط منذ نجاح عملية الكركارات التي حشرت جبهة البوليساريو في الزاوية وكشفت عورة النظام الجزائري، ومنذ هذه اللحظة كان المغرب يتعرض لهجمات إعلامية وأخرى دبلوماسية متتالية لم يرد عليها إلا الآن وبالطريقة نفسها".
وأوضح أنه بعد عودة لعمامرة على رأس الخارجية الجزائرية "عاد للتهجم على المغرب، وهذا يعني أن المسؤولين الجزائريين لم يتركوا بداً إلا أن يذكّر المغرب النظام الجزائري بأن من بيته من زجاج يجب ألا يرمي الناس بالحجر"، مضيفاً: "هناك شعب كامل بكل مقوماته يطالب بالاستقلال وهو شعب القبايل، فيما في الوقت نفسه تحاول الجزائر أن تفرض تقرير المصير في الصحراء من خلال دعم البوليساريو".
وعما إذا كان المغرب سيذهب الى حد الاعتراف الرسمي بانفصال الأمازيغ وباستقلالهم عن الجمهورية، ومآل العلاقات الثنائية في هذه الحالة، قال بلوان: "العلاقات في كلتا الحالتين ذاهبة نحو مزيد من التوتر بحكم الخلافات العالقة والتوجهات المختلفة والتصورات للنظام الحاكم في الجزائر، ومحاولاته تصدير أزماته الداخلية الى الخارج، من خلال تعليق فشل سياسته الداخلية على شماعة المغرب"، مشدداً في الآن ذاته على أن "المغرب لن يذهب الى حد تغيير سياسته وخطابات دبلوماسيته بخصوص الوحدة الترابية للبلدان".
ولتوضيح الفكرة أكثر قال بلوان: "لا أعتقد أن المغرب سيذهب بعيداً، لكنه يحاول أن يذكّر النظام الجزائري بأن هناك مشكلات داخلية يجب أن تعتني بها الدولة الجزائرية، بدل مهاجمة المغرب".
وأكد أن المغرب سيبقى وفياً لسياسته القاضية بـ"عدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان، أما في حالة العكس فهذا مسار صعب وسينذر بأزمة عميقة بين البلدين إذا استمر أو ذهب المغرب بعيداً في دعم استقلال القبايل"، مستدركاً بالقول إن "ما حدث يذكرنا أيضاً بتلميح المغرب أخيراً بدعم كاتالونيا في إسبانيا، وهكذا فالمغرب ذكّر الجزائر بأن هناك مسألة يمكن أن نستغلها، لكن المغرب وفيّ لمبادئه ولن يتدخل في شؤون الجزائر منذ العشرية السوداء، وسيبقى وفياً لهذا التوجه".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
6/5/2026 5:11:00 PM
اتخذ المجلس المركزي لمصرف لبنان قراراً بتمديد العمل بالتعميمين لمدة سنة إضافية، تبدأ في تموز المقبل وتنتهي في تموز 2027
اسرائيليات
6/4/2026 8:40:00 PM
في قلعة الشقيف... أيوب كيوف يتسلّم قيادة لواء "غولاني" الإسرائيلي.
لبنان
6/4/2026 9:18:00 PM
استنفار في عائشة بكار بعد تبادل إطلاق نار
فن ومشاهير
5/30/2026 8:38:00 AM
وجاء ذلك بعد تقدّم مادوكس بطلب قانوني لإزالة اسم "بيت" من اسمه، ليصبح رسمياً "مادوكس شيفان جولي" في حال الموافقة على الطلب.
نبض