تتطور علاقات الرباط - نواكشوط برغم المطبات ومحاولات التضليل والتشويش. مؤتمر صحافي مشترك جمع وزيري خارجية البلدين محمد سالم ولد مرزوق وناصر بوريطة في المغرب، أكّد الأسس القوية للعلاقة الثنائية، بما يشمل "الدين والدم والعلاقات التاريخية". ولكن، هل هذه القصة كاملة؟ ماذا عن التحدّيات؟ ماذا في خلفيات حملات التضليل، وأين العقبات؟
"النهار العربي" سأل من المغرب رأي الإعلامية المغربية، رئيسة تحرير "إذاعة البحر الأبيض المتوسط الدولية" مجدولين بن الشريف، ومن نواكشوط محمد ينجح دهاه، وهو إعلامي وأكاديمي موريتاني.
"موريتانيا اليوم قطب استقرار ضروري في منطقة الساحل ومنطقة غرب إفريقيا"، قال ناصر بوريطة. وولد مرزوق تحدث عن رسالة حملها من الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إلى العاهل المغربي الملك محمد السادس. الرسالة أكّدت "التقدير الكبير من طرف الرئيس الموريتاني للحكامة الرشيدة وسداد الرأي في مسيرة المغرب في البناء والتنمية".
مواجهة التشكيك
زيارة ولد مرزوق للمغرب أثبتت وفق الإعلام المغربي "زيف المزاعم والادّعاءات المغلوطة للإعلام الجزائري الذي يحاول التشكيك بالعلاقة الوثيقة بين البلدين، بينما تبدو العلاقات المغربية - الموريتانية وثيقة وأكبر من أن تتأثر بادعاءات فنّدتها نواكشوط ودحضها تنسيق وتقارب مع المغرب من أجل تعزيز العلاقات خدمةً لمصالح البلدين".
حاولت نواكشوط في هذه الزيارة - وفق مراقبين - التعبير عن "حسن نيتها تجاه الرباط، ورفض أي محاولة لتسميم العلاقات"، إذ يركّز ولد مرزوق على ملف تبعات قرار سلطات بلاده رفع التعرفة الجمركية على الصادرات الأساسية الموجّهة من المغرب إلى السوق الموريتانية، وقد شملت المواد الغذائية. ولد مرزوق "شرح وجهة النظر الموريتانية في هذا الشأن، وأكّد عدم الإضرار بالمملكة".
مسألة زيادة الرسوم أثارت جدلاً، لكن "العلاقات بين البلدين، كما كل العلاقات الدولية - يقول مراقبون - لا يمكن أن تتأسّس إلاّ على خدمة المصلحة الوطنية وخدمة التنمية وخدمة الطرفين على حدّ سواء، بكثير من التوازن في اختيارات كل دولة لعلاقاتها الخارجية بالطريقة التي تراها مناسبة".
الإعلام المغربي تحدث كذلك عن ترويج الإعلام الجزائري أخباراً تفيد بـ"تكفّل الجامعة الملكية المغربية بمصاريف تنقّل وإقامة المنتخب الموريتاني في الكوت ديفوار"، وهو ما نفاه الاتحاد الموريتاني، مشدّداً على أنّه "مسألة سيادية"، إذ تستغل المنابر الجزائرية أي مناسبة لاستئناف الحملة ضدّ المغرب، رغم أنّها في كل مرّة تواجه مواقف حرجة بكشفها من قِبل أطراف أخرى محايدة.
تطوّر في العلاقات... وتحديات
ما سبق أضاء باختصار على ما يجري راهناً، إنما الأهم سؤالان مطروحان: كيف تتطور العلاقات الثنائية المغربية - الموريتانية برغم المطبات وحملات التضليل؟ وما هي التحدّيات الحقيقية أمامها؟
زيارة وزير الخارجية الموريتانية "تأتي في وقتها"، برأي الإعلامية المغربية مجدولين بن الشريف. الزيارة تأتي بنظرها "لتأكيد مدى التقارب والتفاهم بين الرباط ونواكشوط، وهي تعبير واضح عن حسن النية تجاه المغرب، ولتوضيح موقف نواكشوط في ملف يتعلق برفع التعرفة الأساسية على الصادرات الأساسية الموجّهة من المملكة إلى السوق الموريتانية؛ وهذا الملف تحوّل من ملف اقتصادي إلى ملف سياسي بالغ الحساسية"، كما تقول.
موريتانيا التي "لطالما وجدت نفسها في نزاع بين جارين بحكم الجغرافيا، طورت اليوم توازنها الخاص بعيداً من كل محاولات تسميم علاقاتها مع المغرب، عبر أوراق مختلفة"، تؤكّد بن الشريف لـ"النهار العربي". وبرأيها، أنّ "ما يجمع بين المغرب وموريتانيا هو أكبر بأضعاف مما قد يُبعد بينهما، كما وقع في فترات محددة مضت. المغرب هو أول شريك تجاري لموريتانيا على المستوى القاري، وأول مستثمر إفريقي فيها، ونتحدث هنا عن دينامية اقتصادية تطورت في السنوات الأخيرة توازيها دينامية دبلوماسية مهمّة". وتقول: "لعلّ فرحة المغاربة بالتأهل التاريخي لمنتخب المرابطين إلى الدور الثاني في كان - الكوت ديفوار لأكبر دليل على أنّ روابط الثقة والصداقة تتجاوز القادة إلى الشعبين".
في الاتجاه عينه، يذهب الإعلامي الموريتاني محمد ينجح دهاه في حديثه لـ"النهار العربي". ويقول: "بقيت العلاقات المغربية - الموريتانية محافظة على مسار من التطور، بالرغم من الكثير من المطبات التي اعترضت سبيل تطوير هذه العلاقات". لكن، إذا رجعنا إلى التاريخ، يضيف، "نجد أنّ العلاقة هي بين شعبين شقيقين، قرّرا منذ عهد بعيد التماهي في مصالحهما ومصيرهما المشترك، والسير على طريق التنسيق الروحي والعلمي والثقافي والمعرفي، وحتى في الأمور الاقتصادية، نجد أنّ المغرب يُعتبر الشريك الأول لموريتانيا في المجال الاقتصادي، فهو أكبر مورد إلى موريتانيا".
الاقتصاد والأمن
يشير محمد ينجح دهاه إلى أنّ "السوق الموريتانية تعتمد بالغالب في الكثير من المؤن الرئيسية، مثل الخضر والفواكه والمواد الزراعية والآلات المصنّعة، على السوق المغربية، لذلك حجم التبادل بينهما وصل في سنة 2023 إلى أكثر من 350 مليون دولار، وهذا رقم أعمال لا بأس به، مقارنة بميزان الاستيراد الموريتاني".
على الرغم من التقارب الأفقي والعمودي في علاقة الجانبين، تبقى التحدّيات حاضرة بقوة، مترافقة مع حملات تشويش وتضليل، يضع الجانبان الجزائر في خلفيتها.

التحدّيات في العلاقات الثنائية الموريتانية - المغربية هي تحدّيات اقتصادية وأمنية في الأساس، تقول رئيسة تحرير Medi1 مجدولين بن الشريف. "التهديدات الأمنية في القارة وتحديداً في الساحل، تطال مباشرة كلا البلدين، وتستوجب تعاوناً وتنسيقاً في هذا المجال". باعتقاد مجدولين بن الشريف أنّه "منذ أزمة الكركرات التي كبّدت الأسواق الموريتانية خسائر اقتصادية كبيرة، وحوادث تورط قادة البوليساريو في الجماعات المسلّحة وشبكات الهجرة غير النظامية في المنطقة، أعاد الجار الجنوبي (موريتانيا) القراءة الجيو-استراتيجية لكل مصالحه، وبالتالي، لعلاقاته. ولموريتانيا أن تحقّق التوازن المفقود بسبب قضية الصحراء المغربية ولسياسييها القدرة على صنع تحول في موقفها".
تضيف بن الشريف، أنّ موريتانيا باتت تدرك أنّها "يمكن أن تُعوّل على المغرب كقوة إفريقية، وهو ما فعلته المملكة على أعلى مستوى في مشروعين للمستقبل، هما مشروع أنبوب الغاز المغرب - نيجيريا، وأيضاً مبادرة تسهيل ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي".
التصدّي للعصابات عبر الحدود
كما كل دولتين جارتين تملكان حدوداً مشتركة - يقول الإعلامي الموريتاني محمد ينجح دهاه - "يجب الاتفاق بينهما على تسيير أمر الحدود ومراقبة المداخل، وموريتانيا ترتبط رسمياً بعلاقات تجارية واسعة مع المغرب، وهذا يفرض تحدّيات كبيرة. أحياناً يحدث على الشريط الحدودي ما يحدث بين كل بلدين جارين من مناوشات وعصابات تهريب تحاول اختراق الحدود هنا وهناك، ولكن الإرادة الصلبة لقائدي البلدين ومواصلة علاقات متميزة وتطوير الشراكة بينهما، تفتحان الباب دائماً لوجود حل لكل الأزمات المطروحة وتجاوزها بسهولة".
موريتانيا هي بوابة المغرب على إفريقيا، والمغرب هو بوابة موريتانيا على أوروبا. "المبادرة الملكية الأخيرة التي أنشأها الملك محمد السادس لفك الحصار عن الدول الحبيسة وفتح المجال أمامها للولوج إلى الأطلس تعتبر موريتانيا شريكاً فاعلاً فيها، وكذلك خط النفط النيجيري الذي يمرّ بـ 13 دولة يمرّ في مساحة كبيرة من الحدود الموريتانية، هو أيضاً رافعة اقتصادية وتنموية لهذا البلد، لذلك نرى أنّه مهما حدث من أمر، فإنّ المغرب وموريتانيا يجب أن تبقى العلاقة بينهما علاقة استراتيجية، تخدم مصالحهما المشتركة، ويتمتع كل منهما فيها باحترام الآخر وتقديره والاستفادة من تجربته في مختلف المجالات"، يختم محمد ينجح دهاه.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/19/2026 8:10:00 PM
إيرادات "سوبر ماريو غالاكسي" تقترب من 750 مليون دولار عالمياً.
ثقافة
4/20/2026 10:31:00 PM
لماذا يبدو "سوبر ماريو" معاصراً؟
لبنان
4/22/2026 10:26:00 PM
ما حصل مع آمال خليل قبل الاستهداف: تسلسل يكشف "جريمة موصوفة" بحق صحافيين في الطيري
لبنان
4/22/2026 10:39:00 PM
السفارة الأميركية في بيروت تدعو رعاياها لمغادرة لبنان فوراً، محذّرة من مخاطر أمنية متصاعدة تشمل الإرهاب والخطف والاضطرابات.
نبض