"آث يني" في الجزائر... قرية قبائلية تتنفس الفضّة وتجهد لإنقاذ إرثها
فضة "آث يني" ليست عند سكان المنطقة مجرد حلي أو جواهر تتزين بها النساء في منطقة القبائل أو خارجها، فالحديث عنها مع أبناء المنطقة خصوصاً مع كبار السن كفيل بتأجيج مشاعر الحنين إلى الماضي والزمن الجميل، إذ تعتبر هذه الحرفة تراثاً تعتز به شعوب المنطقة ويتميزون به عن غيرهم.
على رغم صغر مساحتها، إلا أن قرية "آث يني" القابعة بين جبال جرجرة، والتي كانت مهد الثورة الجزائرية ضد المستعمر الفرنسي، تتحول كل صيف إلى قبلة للباحثين عن الاسترخاء تحت ظلال الأشجار التي تغرز جذورها في عمق التاريخ، وللتمتع بمناخ القرية التي تخفي الثلوج مروجها شتاءً وصيفها يتحول إلى ربيع يزهر بالورود وثمار الفاكهة.
"آث يني" معروفة بالقمم والجبال، الوديان والتلال، وتشتهر أيضاً بصناعة حلي الفضة التقليدية التي توارثتها الأجيال أباً عن جد، فرغم مرور قرون عدّة على اكتشاف الفضة غير أن صنّاع القرية ما زالوا يحتفظون بأسرار وحقائق مهمة عن هذا الإرث الأصيل الراسخ، ولا تزال هذه القرية الواقعة فوق أعلى قمة من قمم جبال جرجرة الملقبة محلياً "قمة السعادة" القبلة الأولى للسياح والعشاق المقبلين على دخول القفص الذهبي لاقتناء ما يلزمهم لـ"تصديرة" العروس التي تعتبر من أقدم الموروث الشعبي في البلاد.

دلالة تاريخية
احتفت "آث يني" الملقبة أيضاً "عاصمة الفضة"، بمهرجان الحلي القبائلي في نسخته الـ 16، من 28 حزيران (يونيو) الماضي إلى السادس من آب (أغسطس) الجاري.
فضة "آث يني" ليست عند سكان المنطقة مجرد حلي أو جواهر تتزين بها النساء في منطقة القبائل أو خارجها، فالحديث عنها مع أبناء المنطقة خصوصاً مع كبار السن كفيل بتأجيج مشاعر الحنين إلى الماضي والزمن الجميل، إذ تعتبر هذه الحرفة تراثاً تعتز به شعوب المنطقة ويتميزون به عن غيرهم.
ولا يمكن للمرأة القبائلية المتحدرة من الريف والمدينة الاستغناء عن الفضة واستبدالها بأي معدن نفيس أيضاً، وتقول الخالة سميرة وهي في العقد السادس من العمر لـ"النهار العربي" إن المعادن الثمينة لا مكان لها إطلاقاً في منطقة القبائل، فالفضة تمثل أنوثة المرأة وتاريخها كما أن رموزها تكشف أسراراً عن شخصية المرأة الأمازيغية في الحب والجمال والأناقة.
وتحدثنا الخالة المتمسكة إلى يومنا هذا بالجبة القبائلية وهذا النوع من الحلي، قائلة إنها لا تزال حاضرة بقوة وأكثر من الماضي في المهور، على عكس الحال في المدن الوسطى والشرقية.
وتتميز الحلي التقليدية بمنطقة القبائل عن تلك الموجودة في الأوراس والصحراء، بألوانها الثلاثة المستمدة من الطبيعة الخلابة التي مثلت جزءاً لا يتجزأ من حياة السكان، عكس اللون الأصفر الذي يوحي في نظرهم بالخديعة والغش والمرض.

وتكشف لنا الخالة العارفة بخبايا هذه الحرفة أسماء بعض القطع الثقيلة والنادرة، كالسوار المعروف بـ"أمشلوخ" و"أخلخال" وهو أجمل قطعة فاتنة توضع في أسفل القدم، وهي من القطع القيمة التي تتزين بها العروس في ليلة زفافها حيث ترتديها برفقة الجبة القبائلية وبعض الحلي الأخرى كالأقراط و"الجبين" وهو عبارة عن عقد يوضع أعلى الوجه فوق المنديل أو "الفولارة" التي تغطي الرأس بأكمله.
والمميز في هذه القطع، وفق سميرة، إنها باهظة الثمن، فقطاع عريض من العائلات في منطقة القبائل لا يزال يحتفظ بها كقطع موروثة ترتديها جميع فتيات العائلة ليلة زفافهن، وهذه الحلي تمثل رأسمال العائلات حيث كان من المعيب استلافها حفاظاً على شرف العائلة وسمعتها ومكانتها وسط الدشرة (القبيلة).
وخلال الأعراس والولائم التي تقام على مدار العام، لا تكاد تصادف فتاة أو امرأة قبائلية أو حتى مسنة إلا وحلى الفضة تغطي كامل جسدها وتضفي عليها رونقاً وجمالاً خاصين.
صعوبات
خلف ملامح الفرح التي كانت تغطي وجوه أبناء عاصمة الفضة المشاركين في مهرجان الحلي القبائلي في نسخته الـ 16 الذي اسدل الستار عليه في السادس من الشهر الجاري، كان الحزن يخيّم على قلوب أصحاب هذه الحرفة بسبب الإهمال الرسمي لهذا الموروث الحضاري والتراثي والاقتصادي، وزيادة على هذا، المنافسة غير النزيهة واكتساح المنتوجات المقلدة الصينية.

وفي داخل ورشته التي يتفنن فيها بتحويل المعدن الأبيض إلى أجمل المجوهرات القادرة على منافسة أفخم المجوهرات الذهبية والماسية، استقبلنا محمد، الرجل الأربعيني، بحفاوة كبيرة وكأنه كان ينتظر لقاء الصحافة لإخراج ما بجعبته من حزن بسبب الغموض الذي يكتنف مستقبل هذه الحرفة، واختصر مقدمة الحديث بالقول: "في جعبتي الكثير لأقدمه لكم... اليوم ما زلنا هنا نقاوم ونصارع من أجل البقاء، لكن غداً أعتقد أن الكثيرين سيغادرون، فالحرفة مهددة بالزوال".
ويرجع محمد الذي كان يتحدث بحزن الوضع إلى "تراكم العديد من العوامل والأسباب، أبرزها اختفاء شبه كلي للمادة الأولية بسبب النهب الذي يتعرض له المرجان في السواحل الجزائرية وتسويقه إلى خارج الوطن بأثمان خيالية، حيث تخطى سعر الكيلوغرام الواحد عتبة الـ 1900 يورو".
وتزخر الجزائر بطاقة معتبرة من المرجان خصوصاً الأحمر منه، وهو ما يعادل 50 في المئة من الانتاج العالمي حسبما أفصح عنه الخبراء، وتنتشر هذه الثروة في العديد من المدن الساحلية على غرار سكيكدة والقالة في أقصى شرق البلاد.

ومع أن في الجزائر أجمل شعب المرجان في العالم، يقول محمد إنه يضطر برفقة محترفي صناعة الحلي التقليدية من مادة الفضة للجوء إلى السوق الحرة غير القانونية التي يتم فيها بيع المنتجات القليلة الانتشار بأسعار قياسية، قد تتخطى سعرها خارج حدود البلاد.
معاناة أولئك التجار ومآسيهم لا تتوقف عند هذا الحد، بل في غالب الأحيان يقتنون مرجاناً مزيفاً واصطناعياً، فهو مجرد عبارة عن رخام مصبوغ باللون الأحمر.
وأمام سيطرة التقليد واتساع رقعة الغش الممنهج، يؤكد محمد تراجع أبناء منطقته والمناطق الأخرى المحاذية المعروفة بهذه الحرفة عن تعلّمها، "وهو ما فتح الباب على مصراعيه أمام المنتوجات الصينية والتركية بعدما كنا أصحاب الصناعة الأصلية".
وللحفاظ على هذا الموروث التراثي والحضاري، يعمل مسؤولون محليون على ملف تصنيف فضة "آث يني" في التراث العالمي، وذلك ضمن قائمة الملفات المرتقب رفعها إلى منظمة اليونسكو حول التراث الجزائري الذي يتعرض للانتهاك، وفق سليمان حاشي، مدير المركز الجزائري للبحوث في عصور ما قبل التاريخ وعلم الإنسان والتاريخ.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
النهار بيديا
10/18/2026 10:32:00 PM
يرأس رضا جفّال مجموعة تعمل في الهندسة والإنشاءات والخدمات البحرية في نيجيريا، حققت إيرادات بنحو 210 ملايين دولار عام 2025، وسط جدل بشأن ملكيته عقارات في بعبدات ومحيطها.
كتاب النهار
10/19/2026 5:30:00 AM
حتى مع بلوغ خطاب الحزب ذروة الإنكار القانوني والدستوري الموازي للإنكار الميداني لمجمل خلاصات الكارثة التي ضربته وتمددت إلى الجنوب كله مذ أشعل حربي الإسناد لغزة وإيران، فإن ذلك لا يدع المتفحص بدقة لأداء الحزب يسقط هامشاً من تحسّب لديه حيال القفز في آخر المقاتل الذي لن يكون بعده مقتل أخير
اقتصاد وأعمال
10/18/2026 8:15:00 AM
بحسب الصيغة المتداولة، يُقترح رفع المبلغ الشهري للمستفيدين من التعميم 158 من 1,000 إلى 1,200 دولار، وللمستفيدين من التعميم 166 من 500 إلى 600 دولار.
النهار تتحقق
10/19/2026 9:42:00 AM
انتشرت مشاهد مصوّرة صادمة للحادثة على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي الأحد، وتناقلتها العديد من وسائل الإعلام.
نبض