09-09-2023 | 06:05

في عين دراهم التونسية الساحرة... صناعة تراثية مهدّدة بالاندثار

تتميّز عين دراهم أيضاً بصناعاتها التقليدية العريقة الضاربة في القدم، والتي تستمد موادها الأولية من مكونات الغاب، وأبدع فيها أهالي المدينة إبداعاً لافتاً، واختلطت فيها الحرفة بالفن
في عين دراهم التونسية الساحرة... صناعة تراثية مهدّدة بالاندثار
Smaller Bigger
 
ثمة من يطلق على بلدة عين دراهم التونسية تسمية "سويسرا تونس" بالنظر إلى وفرة غاباتها وجبالها المرتفعة، وأيضاً إلى سقوف مبانيها ذات الشكل المثلث بالقرميد الأحمر على النمط الأوروبي. كما أنّ طقسها يشبه طقس مرتفعات أوروبا، معتدل صيفاً وبارد في فصل الشتاء الذي يشهد تساقط الثلوج بكميات كبيرة، فتتجمل البلدة ومحيطها الجبلي الغابي الأخضر بكساء أبيض يزيدها بهاءً على بهاء.
 
 
تتميّز عين دراهم أيضاً بصناعاتها التقليدية العريقة الضاربة في القدم، والتي تستمد موادها الأولية من مكونات الغاب، وأبدع فيها أهالي المدينة إبداعاً لافتاً، واختلطت فيها الحرفة بالفن، حتى استحال الفصل بينهما، وأبرزها السلال والأواني المنزلية الخشبية وتحف الزينة والمنحوتات الفنية. 
 
مهنة الأجداد
يؤكّد حاتم سومري، وهو صاحب محل لبيع الصناعات التقليدية الخشبية لـ"النهار العربي"، أنّ هذه الصناعة تطورت إلى جانب النشاط السياحي لسببين، أولهما وجود الغابات والأشجار بكثافة استثنائية في المنطقة، ومن أنواع الأشجار التي تشتهر بها المنطقة، الزيتون الغابي والسنديان والفرنان والزان والصنوبر والفلين وغيرها، وثانيهما الإلهام الذي تمنحه الطبيعة الساحرة الهادئة للنحاتين والحرفيين، ليبدعوا هذه الأشكال الجميلة. ففي عين دراهم ومحيطها، وإلى جانب مختلف أنواع الأشجار، توجد النباتات الجميلة والأزهار ومنابع المياه الصافية والشلالات والجداول والبحيرات التي تتوسط هذه الجبال الغابية والمباني المتميزة عن باقي مناطق تونس والمشيّدة بالقرميد الأحمر.
 
ويلفت إلى أنّ الدولة ساهمت أيضاً في منتصف ستينات القرن الماضي في تطوير هذا النشاط الحرفي في بلدة عين دراهم، في إطار إيجاد فرص العمل في المناطق الداخلية التي لم تلق حظها كما يجب في التنمية. فحتى النشاط السياحي لم يزدهر، بحسب السومري، إلاّ مع نهاية الثمانينات وبداية التسعينات، مع إنشاء منطقة سياحية في طبرقة القريبة، فأصبح سياح طبرقة يزورون عين دراهم، وهو ما أطلق بعض الحركة والحيوية.
 
ندرة المواد الأولية
ويضيف السومري: "أما اليوم ومع تراجع النشاط السياحي، من جهة بسبب انصراف الدولة بعد الثورة إلى مشاكل أخرى بعيدة كل البعد من التنمية، وبسبب أزمة كورونا التي زادت الطين بلّة، فإنّ قطاع الصناعات التقليدية في عين دراهم صار يعاني من مشاكل عديدة، ولعلّ أهمها على الإطلاق ضعف الإقبال على المنتوج، إذ لم يتبق لنا سوى التونسيين الذين يأتون من مختلف مناطق الجمهورية لزيارة عين دراهم ومحيطها للراحة والاستجمام والتمتع بجمالها الخلاّب، فيمرّون بمحلات بيع منتوجات الصناعات التقليدية لشراء ما أمكن بحسب الموازنة، فحتى السائح التونسي تراجعت قدرته الشرائية مقارنة بالسنوات الماضية، نتيجة للأوضاع الاستثنائية التي يعيشها البلد".
 
 
ومن المشاكل التي يعيشها قطاع الصناعات التقليدية في عين دراهم عدم وجود بعض المواد الأولية، مثل الخيزران الذي كانت توفّره الدولة في الماضي من خلال الديوان الوطني للصناعات التقليدية، أما اليوم فقد أصبح يحضره بعض الخواص، "وهو ما تسبّب في ارتفاع ثمنه ثلاث مرات مما أثقل كاهل الحرفي بأعباء مالية زائدة. ويُستعمل الخيزران في صناعة السلال ومقاعد الجلوس والأثاث، وقد أثّرت ندرته كثيراً على الإنتاج وعلى حركية السوق، باعتبار أن ثمة من يقبلون على هذا المنتوج الذي يتميّز بجمال خاص وفيه الكثير من الجهد والاتقان، لكنهم لا يجدون ضالتهم"، وفق السومري.
 
تدهور معيشي
عبد الوهاب التومي، وهو أيضاً صاحب محل لبيع منتوجات الصناعات التقليدية، يؤكّد لـ"النهار العربي" أنّ قطاع الصناعات التقليدية في عين دراهم تضرّر كثيراً في السنوات الأخيرة، بفعل الظروف العالمية والوضع الاقتصادي المحلي، وأيضاً، وهذا الأهم برأيه، بسبب سوء تصرّف الجهات الرسمية المشرفة على هذا القطاع. فقد قامت الدولة، بإخراج أصحاب المحلات من محلاتهم السابقة التي تقع في مكان حيوي في وسط المدينة إلى مكان منزوٍ بعيد عن الحركة، من أجل تشييد مركز سياحي خاص بالصناعات التقليدية. ووعدت الجهات الرسمية تجار منتوجات الصناعات التقليدية بألاّ يستمر إبعادهم أكثر من سنة ونصف، ولكن مرّت 6 سنوات ولم يتغيّر شيء، وبقي التجار في مكانهم المنزوي الذي أضرّ بنشاطهم.  
 
ويضيف: "لقد تسبّب وجودنا في أطراف المدينة بخسائر فادحة لنا، فاضطر بعضنا إلى الانقطاع وإغلاق محله ليعيش البطالة، ولا أحد يعلم متى تنتهي أشغال المنطقة السياحية للعودة إلى سالف عهدنا. لم يعد الحرفي وتاجر الصناعات التقليدية قادراً على مجابهة مصاريف الحياة من عودة مدرسية لأبنائه وأكل وشرب وملبس وأعياد، ولا أحد يحرّك ساكناً للنهوض بهذا القطاع الحيوي للتشغيل ولابتكار ما يحرّك النشاط السياحي".  
 
 

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 5/31/2026 9:28:00 PM
فيديو متداول للرئيس أحمد الشرع وعقيلته في بلودان يثير تفاعلاً واسعاً
لبنان 6/2/2026 9:09:00 PM
بين طريق الخطر وطريق العلم والمعرفة، أثارت الحادثة موجة واسعة من الجدل، ترافقت مع انتقادات طالت وزارة التربية والتعليم العالي، حيث وجّه كثر أصابع الاتهام إلى وزيرة التربية ريما كرامي على خلفية الإصرار على إجراء الامتحانات حضورياً.
لبنان 6/3/2026 7:11:00 AM
يسلط التدقيق الضوء على شركة الطيران الوطنية التي تتخذ من بيروت مقراً لها، والتي حافظت على استمرار حركة الطيران في لبنان خلال الحرب والانهيار المالي.