مئة قرطاج في العالم... من بناها وماذا يجمع بينها؟
يتفق المؤرخون على أن تسمية قرطاج هي تحريف لكلمة "قرت حدشت" بالكنعانية الفينيقية القديمة أي القرية الحديثة باللغة العربية أو المدينة الجديدة والتي كبرت ونمت وازدهرت حتى أصبحت جمهورية ديموقراطية تحدث عن نظامها السياسي ودستورها الفيلسوف الإغريقي أرسطو بكل إعجاب واعتبره الأقرب الى المثال الذي يتصوره في تنظيم الحياة السياسية وأفضل من دستور أثينا.
يتفق المؤرخون على أن تسمية قرطاج هي تحريف لكلمة "قرت حدشت" بالكنعانية الفينيقية القديمة، أي القرية الحديثة باللغة العربية أو المدينة الجديدة، والتي كبرت ونمت وازدهرت حتى أصبحت جمهورية ديموقراطية تحدث عن نظامها السياسي ودستورها الفيلسوف الإغريقي أرسطو بكل إعجاب، واعتبره الأقرب إلى المثال الذي يتصوره في تنظيم الحياة السياسية وأفضل من دستور أثينا. يقول في كتابه "السياسة": "لقد اشتهر القرطاجيون بإرسائهم مؤسسات جيدة ذات مؤهلات خارجة عن المألوف، والكثير من هذه المؤهلات بلغ حد الامتياز، وهو ما يقيم الدليل إلى حكمة القائمين على شؤون قرطاج، بما جعل العنصر الشعبي محافظاً بمحض اختياره على وفائه للنظام المؤسساتي القائم. وهكذا فإن قرطاج لم تعرف أبداً من الانتفاضات والنظم الاستبدادية ما يستحق الذكر".
في العالم نحو مئة مدينة تحمل اسم قرطاج أو قرطاجنة، وأهم هذه المدن على الإطلاق وأقدمها من حيث النشأة هي قرطاج تونس عاصمة جمهورية قرطاج التاريخية التي امتدت من خليج سرت في ليبيا اليوم إلى سواحل المحيط الأطلسي، بالإضافة إلى إسبانيا والبرتغال وجنوب فرنسا وجنوب إيطاليا وكريت ومالطا وماديرا البرتغالية في المحيط الأطلسي. والمدينة الثانية التي تأسست بعد قرطاج وحملت اسمها هي قرطاجنة الإسبانية، التي بناها القرطاجيون سنة 227 ق م، وكانت مقر حاكم القرطاجيين في إسبانيا. ثم تأسست مدن قرطاج في أميركا الشمالية والوسطى والجنوبية وفي الفلبين على أيدي المستعمرين الإسبان، كتعبير عن حبهم لمدينتهم القرطاجية واعتزازهم بالتاريخ المشارك مع تونس ومصاهرتهم للقائد القرطاجي التاريخي حنبعل الذي تزوج أميرتهم هيميليس.
تأثير حضاري
التونسي كريم مختار مؤسس "حركة جمهورية قرطاج"، وهي تيار فكري جديد كامل في "تونس" يهدف إلى إصلاحات جذرية في كل القطاعات، وعلى رأسها الاقتصاد والتجارة وإدخال التكنولوجيات الحديثة في تسيير البلاد للقضاء على الفساد الإداري وتحسين الخدمات ومحاربة الجريمة وتطوير التعليم وغيرها، يؤكد في حديث إلى "النهار العربي" وجود عشرات المدن والأماكن خارج تونس تحمل اسم قرطاج أو قرطاجنة. ويشرح أن القرطاجيين نجحوا منذ آلاف السنين، في نشر ثقافتهم عبر أرجاء أوروبا، وكانوا قد أسسوا عدداً من المدن الأوروبية المعروفة اليوم في دول مثل إسبانيا والبرتغال وفرنسا وإيطاليا وغيرها.
وعلّم القرطاجيون، بحسب مختار، القبائل الأوروبية آنذاك الكتابة والتجارة والفلاحة وفن المعمار والتنظيم السياسي، ليتحولوا ويشرعوا في التطور من قبائل مشتتة إلى كيانات ومدن منظمة ومتحضرة. وأكثر من ذلك، يجزم بأن القرطاجيين هم من منحوا أوروبا اسمها، وذلك بقطع النظر عن معنى كلمة "أوروبا" الذي يختلف في شرحه وتأويله الأكاديميون إلى اليوم.
ويضيف قائلاً: "بالإضافة إلى المدن الأوروبية التي تحمل اسم قرطاجنة أو أسماء قرطاجية أخرى، فإن تسمية قرطاج على عديد المدن خارج تونس هي نتيجة حتمية لتأثير جمهورية قرطاج القديمة على الأوروبيين الذين حملوا معهم تلك التسمية إلى مستوطناتهم الجديدة في الأميركتين وفي قارة آسيا. لنجد بالنهاية "قرطاجات" مختلفة ومتعددة في الولايات المتحدة وكولومبيا والشيلي وغيرها".
للحضارة القرطاجية تأثير على حياتنا اليوم، ليس على التونسيين فحسب، بل على معظم بقاع العالم وحضاراته. مثلاً، "قنّن" العالم القرطاجي ماجون علم الزراعة وجمع قوانينه ومؤلفاته في ثمانية وعشرين مجلداً عظيماً منذ آلاف السنين، وكان بذلك مؤسس علم الفلاحة. انتشرت أفكاره وآليات عمله في كل أنحاء العالم بعد ذلك، ونرى آثارها بوضوح إلى اليوم. وفي تونس مثلاً، لا يزال الفلاحون يستخدمون عباراته القرطاجية للحديث عن اتجاه الرياح أو السقي أو غيرها إلى يومنا هذا.

تأثير قرطاج في المطبخ التونسي لا يزال مهيمناً إلى اليوم، فنرى ذلك مثلاً في ولع الناس وشغفهم بأكل سمك التونة والسردين والزيتون وزيت الزيتون والرمان، الذي كان الرومان يسمونه "حباً بونيقياً"، والكسكسي، وما نسميه في "تونس" "خبز الطابونة"، وغيرها من الأطعمة والأكلات التي تعود إلى حقبة الحضارة القرطاجية أو ازدهرت وتعممت خلالها. كذلك شأن الملابس التقليدية والعادات والتقاليد التي نراها في طقوس الزواج مثلاً من التبرك برمز "التانيت" من خلال عادة "الجلوة" أو تغني الأطفال بـ"أمك تنغو" لجلب الأمطار وخصوبة الأرض، وأمك تنغو هذه ما هي إلا "تانيت" كذلك. وتانيت هي رمز قرطاجي مئة في المئة استُخدم في ما بعد في أوروبا والأميركتين قديماً كظاهرة أخرى تدل إلى تأثير قرطاج الشديد على العالم القديم.
الدّين والسّياسة
ويؤكد مختار تأثير الطقوس الدينية القرطاجية والنظام السياسي القرطاجي على شعوب العالم، فالإله بعل تم تحوير اسمه، بحسب مختار، إلى أسماء مختلفة عبر العالم مثل "بلدر" في الدول الإسكندينافية التي كانت تقدسه قديماً كما هو شأن مناطق أخرى من العالم القديم. كما كان النرويجيون قديماً يستخدمون أبجد "الرونيك"، وهو اقتباس واضح لأبجد كل من القرطاجيين والكنعانيين. وفكرة الدستور في شكله المعاصر هي أيضاً ابتكار قرطاجي بامتياز ـ بحسب مختار ـ وكذلك شأن مفهوم الجمهورية ومفهوم مجلس البرلمان ومفهوم الديموقراطية الذكية، الذي تحدث عنه سقراط خاصة، هي كلها ابتكارات قرطاجية أثرت في العالم القديم واستمرت في التأثير في عالمنا اليوم باختلاف الثقافات والجغرافيات الحديثة.
وعن أبرز ميزات المدن التي سُميت قرطاج والرابط بينها، يؤكد مختار أن أكثر الميزات والروابط بين هذه المدن هي كون معظمها ساحلياً يطل على البحر أو المحيط. وهذا أمر منطقي برأيه، لأن القرطاجيين كانوا يبحثون أولاً عن تأسيس مدن يشيدون عليها موانئهم التجارية.
يشار إلى أن "حركة جمهورية قرطاج" التي تأسست عام 2010 كانت أول حركة في تونس تدعو علناً وبوضوح إلى ضرورة استرجاع اسم البلاد الشرعي والأصلي، وهو جمهورية قرطاج.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
4/2/2026 9:15:00 AM
ارتفاع أسعار المحروقات في لبنان
لبنان
4/1/2026 2:57:00 PM
الجيش الإسرائيلي: مصدر آخر تم استهدافه هو شبكة الصرافين التي تُعد المصدر المالي الرئيسي والأهم لهذه المنظمة
لبنان
4/1/2026 1:05:00 PM
شهدت منطقة الجناح في بيروت قصفاً إسرائيلياً عنيفاً
لبنان
4/1/2026 2:48:00 PM
إخبار أمام النيابة العامّة التمييزية ضد السفير الإيراني محمد رضا شيباني
نبض