07-08-2023 | 06:30

المغرب يتقدّم بسرعة بُراقِه على طريق التنمية ويفرض نفسه قوة إقليمية

يوم اعتلى محمد السادس العرش في 30 تموز (يوليو) 1999، كان المغرب بلداً مثل غيره من الدول المغاربية والأفريقية يعاني من أوجه القصور الاقتصادية التي تشوب دول القارة.
المغرب يتقدّم بسرعة بُراقِه على طريق التنمية ويفرض نفسه قوة إقليمية
Smaller Bigger
 
عندما افتتح الملك محمد السادس خطاب عيد العرش الأخير متفاخراً بـ"العديد من المنجزات" وبوصول "المسار التنموي إلى درجة من التقدم والنضج"، كان يتحدث عن وقائع لا يستطيع أي من المغاربة أو غيرهم إنكارها، ويمكن الزائر أن يشهد عليها.
 
يوم اعتلى محمد السادس العرش في 30 تموز (يوليو) 1999، كان المغرب بلداً مثل غيره من الدول المغاربية والأفريقية يعاني من أوجه القصور الاقتصادية التي تشوب دول القارة. وفي أول خطاب له في ذلك العام، تحدث عن البطالة والفقر والفوارق الاجتماعية، على أنها من المعضلات الرئيسية في المغرب، وتعهد بالتغلب عليها.
 
بالفعل، جعل محمد السادس التنمية الداخلية أولى أولوياته وتمكن من الإفادة من نقاط قوة دولة غير نفطية، ولكنها غنية بالموارد الطبيعية والزراعية، وتتمتع بموقع استراتيجي عند مفترق طرق أوروبا وأفريقيا وجاذبية سياحية وحضارية. ولئن لا يزال استئصال الفقر وتقليص الفوارق الاجتماعية تحدياً رئيسياً للمملكة، تبدلت الصورة كثيراً، وصار المغرب خلال عقدين، قوة اقتصادية قارية رئيسية، ويتطلع إلى المنافسة العالمية. 
 
وبحسب مركز الدراسات والتفكير حول العالم الفرنكوفوني، وهو مؤسسة رأي فرنسية، يعد المغرب اليوم ثاني أكبر دولة صناعية في القارة، وحتى آذار (مارس) الماضي، كان يملك 363 مليار درهم (35،5 مليار دولار) كاحتياط أجنبي. ناتجه القومي المحلي زاد ثلاثة أضعاف في عقدين تقريباً، مع 124 مليار دولار عام 2021، مما جعله خامس قوة اقتصادية أفريقية، بحسب "فوربس" الشرق الأوسط. 
 
 بين 2000، تاريخ زيارتي الأولى للمغرب، و2023، قطع المغرب مسافات ضوئية، أقله في المدن الكبيرة التي زرتها. من الدار البيضاء الى الرباط ومنها إلى طنجة وتطوان، باتت الطرق السريعة تختصر المسافات الطويلة والمساحات الخضراء تحول السفر رحلة استكشاف لا تخلو من مشاريع واعدة، وأسماء شركات أجنبية كبيرة دخلت السوق المغربية حديثاً. 
 
 
 
واكتست الرباط بكثير من الملامح الأوروبية مع المساحات الخضراء والحدائق. شوارعها العريضة والنظيفة تضاهي شوارع العواصم الكبرى، حتى أن شارع النصر الممتد على مسافة كيلومتر ونصف كيلومتر لقب "شانزيليزيه الرباط".
 
 
أتذكر جيداً كيف كانت الرباط عام 2000 تدير ظهرها لشاطئها الأطلسي، وتتجاهل أمواجه المتراطمة على واجهتها البحرية، مما طرح لديّ أسئلة في حينه، ليتبدل المشهد تماماً حالياً مع انتشار الورش السياحية والسكنية، على امتداد أكثر من عشرة كيلومترات من الأوداية إلى شاطئ الهرهورة والصخيرات ومنتجع "الامفيتريت" الذي استقبل كبار ضيوف العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني.
 
 
 
 
 
 
 
  
 يتقدم المغرب سريعاً على درب التنمية، ويفرض نفسه بميناء "طنجة المتوسط" منفذاً تجارياً أول للقارة الأفريقية، ومعبراً حتمياً لسفن التجارة العالمية الرابطة بين أميركا اللاتينية وأكبر موانئ العالم على سواحل آسيا. فأي طريق سلكه المغرب للوصول إلى هنا؟ وما هي التحديات التي يواجهها في طريق التنمية؟
 
ركز محمد السادس منذ وصوله إلى الحكم على التنمية الداخلية. وينقل عنه أحد مستشاريه ردّه على ضيف قال له إن والده الملك الحسن الثاني أدخل المغرب إلى قلوب العالم، بأنه هو يريد أن يدخل المغرب الى قلب كل مغربي. وعندما ألح عليه مستشاروه مرة لحضور قمة عربية لكونه زعيماً عربياً وزعيماً للعرب، رد بأنه يصبح زعيماً للعرب عندما يدخل السائح الأوروبي الى بلاده ولا يرى فارقاً بينها وبين دولة أوروبية.
 
شكل استقطاب الاستثمارات الاجنبية أولوية في "خريطة طريق" التنمية الداخلية لمحمد السادس، فاتخذ خطوات جريئة لتحديث منظومة الاستثمار تماشياً مع مبادئ "النموذج التنموي الجديد".
 
يهدف هذا النموذج إلى رفع نسبة الاستثمارات الخاصة إلى ثلثي إجمالي الاستثمارات بحلول عام 2035 من الثلث حالياً. ولهذه الغاية، تم إطلاق "ميثاق الاستثمار" الجديد الذي يوجه الاستثمارات نحو الأولويات الاستراتيجية مع توفير حوافز قوية للمستثمرين.
 
الاستثمارات الأجنبية في المغرب في الربع الأول من 2022.
 
وبحسب تقرير تشرف عليه صحيفة "التايمز" البريطانية لأفضل 50 وجهة للاستثمار الأجنبي المباشر في العالم، سجل المغرب قفزة نوعية واحتل المركز الثالث، بزخم استثماري قوي حتى عام 2023. وقدر صندوق النقد الدولي نمو الناتج المحلي الإجمالي لعام 2023 عند 3.1% والتضخم عند 4.1%، وخصوصاً بسبب اهتمام المستثمرين بإمكانات المغرب في مجال الطاقة المتجددة، وذلك على رغم البيروقراطية التي لا يزال يشكو منها المستثمرون.
 
وبحسب الخبراء الذين أعدوا التقرير، يتطلع العديد من المستثمرين الأجانب إلى الجمع بين إمكانات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في المغرب لإنتاج الهيدروجين الأخضر. ومن بينهم شركة Eren ومقرها لوكسمبورغ، التي وضعت مشروع هيدروجين أخضر في منطقة جهة كلميم واد نون، ومن المحتمل أن تكون قادرة على حشد أكثر من 10 مليارات دولار. ويمكن معاينة مشروع ضخم آخر لامكانات طاقة الرياح، على الطريق بين طنجة وتطوان.
 
السياحة
ليست السياحة قطاعاً مستحدثاً في المغرب، البلد الذي تضرب جذوره عميقاً في التاريخ، ويستقطب السياح من جهات العالم الأربع. ولكن محمد السادس عمل على تدعيم ركيزة أساسية في هذا القطاع الحيوي لبلاده، وأطلق عملية تحول كبيرة في مطاراته، باستثمارات ضخمة في البنية التحتية من خلال رؤية عالمية مكنت المغرب من جذب المزيد من شركات الطيران وزيادة عدد السياح الدوليين.
 
 
وإلى المطارات، بات المغرب يضم شبكة قطارات عصرية تسهل التنقل بين مدنه. ودشن عام 2018 القطار الفائق السرعة الذي بنته فرنسا وسمي "البراق". ولا تختلف الرحلة فيه عن أي رحلة في قطار أوروبي سريع. فمن طنجة في الشمال إلى العاصمة الرباط، مرت الساعة والدقائق العشرون بسلاسة، ومثلها الساعتان اللتان باتتا تفصلان بين  القطبين الاقتصاديين للمملكة، طنجة والدار البيضاء في الغرب.
 
 
تشكل السياحة 11 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي، وهي واحد من القطاعات الرئيسية. وبلغ عدد السياح الذين زاروا المغرب عام 2022 نحو 11 مليوناً، وهو ما يمثل 84٪ مقارنة بعام 2019. وارتفع هذا العدد حتى حزيران (يونيو) إلى 6.5 ملايين سائح منذ كانون الثاني (يناير) 2023، بارتفاع بنسبة 21٪ مقارنة بـ2019.  
 
 
وتبدو هذه الطفرة السياحية واضحة على امتداد المغرب الذي صنفته "الواشنطن بوست" ضمن أفضل عشر وجهات سياحية في العالم لسنة 2023.
 
وتقول الصحيفة الأميركية إن المغرب، قبل أن يلفت انتباه العالم في كأس العالم في قطر، كان وجهة رئيسية للسفر. وبالنسبة إلى جون نورتون، المدير العام لشركة  Intrepid Travel إنه الدولة الأكثر حجزاً و"نتوقع أن يحافظ المغرب على هذا الإقبال الاستثنائي عام 2023".
 
ويقر أقطاب القطاع بالتحول الكبير الذي تشهده البلاد وانعكاساته على السياحة.
ويقول لوكا المدير العام لـ"فيلا مبروكة" في طنجة، وهي فندق خمس نجوم صار حديث الساعة بعد شهر تقريباً على افتتاحه، إن هذا البلد يشهد تحولات سريعة جداً بسبب الاستقرار الذي يشهده. ويقول إن السياح المغاربة والأجانب يقبلون على طنجة بكثافة حالياً بعدما تطورت المدينة سريعاً، وصعدت مراكش بقوة. 
 
 
 
و"فيلا مبروكة" هي أحد منازل المصمم العالمي إيف سان لوران، وحولت الى فندق بات أحد المعالم السياحية الرئيسية للمدينة.
 
ويشاطره الرأي الكاتب المغربي الفرنسي الطاهر بن جلون الذي يعيش بين المغرب وأوروبا. ويقول إن المغرب بالنسبة إليه أكثر راحة من فرنسا، مضيفاً "أذهب إلى باريس للقاء أولادي، ولكن عندما أصل إلى هنا أشعر بالراحة... أوروبا صارت دولاً عنصرية وكثرت مشاكلها".
 
ويهدف المغرب إلى جذب 17.5 مليون سائح بحلول عام 2026 و26 مليون سائح بحلول عام 2030، و65 مليون زائر بحلول عام 2037. ولهذه الغاية، وضعت الحكومة المغربية خريطة طريق استراتيجية للسياحة بقيمة 6.1 مليارات درهم، أو 541 مليون يورو.
 
الزراعة
"أكثر ما يسعد المغاربة، من المزارعين والتجار وعمال النقل والمستهلكين العاديين... هو هطول الأمطار"، هكذا يلخص المغاربة أهمية الزراعة (أو الفلاحة)، التي تفرض نفسها قطاعاً استراتيجياً.
 
الزراعة في المغرب هي قطاع ومساهم أساسي في توفير فرص العمل، خصوصاً في العالم القروي. وينعكس تنوع السلة الغذائية تنوعاً في المائدة المغربية الغنية بأنواع الخضر وألوانها.
 
 
لكنّ المغرب شهد خلال الأعوام السبعين الماضية 20 موسم جفاف، كان آخرها عام 2022 والذي كان الأقسى منذ ثلاثة عقود. وتواجه البلاد منذ العام 2001 مشكلة توفير الموارد المائية بسبب انخفاض منسوب الأمطار والارتفاع المتواصل في درجات الحرارة والإفراط في استغلال المياه الجوفية.  
 
ولئن يعتبر القطاع الزراعي أكثر قطاع مستهلك للمياه بمعدل طلب يبلغ 87.3%، فقد أعلنت الحكومة عدداً من البرامج للتعامل مع أزمة ندرة المياه، وتشجيع الفلاحين على زراعات مقاومة للجفاف.
 
وتوقع البنك الدولي تسارع نمو الاقتصاد المغربي إلى 3.1% في 2023، من توقعات بنمو 1.3% في 2022؛ وذلك بفضل انتعاش القطاع الزراعي.
 
الطاقة المتجددة
منذ عام 2009، استثمر المغرب في المجال البيئي من خلال تحديد أهداف طموحة لتحول الطاقة. وسجلت القدرة الكهربائية المنتَجة من خلال مصادر الطاقة المتجددة العام الماضي، نحو 4.03 غيغاواط، مقابل 3.95 غيغاواط في عام 2021.
 
 
وجاء الجزء الأكبر من الطاقة المتجددة المنتجة من خلال الطاقة الكهرومائية، بحصّة بلغت 16.7% من إجمالي القدرة الكهربائية المولّدة بالبلاد، بينما حلّت طاقة الرياح في المرتبة الثانية، ليبلغ إنتاجها العام الماضي 13.48% من القدرة الإجمالية لإنتاج الكهرباء.
 
وانخرط المغرب في الفترة الأخيرة في تطوير الهيدروجين الأخضر "نفط المستقبل"، وبرز كبلد يمكن أن يحتل الريادة في السوق العالمية.
 
وتشير تقديرات مجلس الطاقة العالمي (World Energy Council) إلى أن المغرب من الدول الست في العالم التي تمتلك إمكانات كبيرة لإنتاج الهيدروجين الأخضر ومشتقاته، وهو من شأنه أن يؤهل البلاد للاستحواذ على 4% من الطلب العالمي بحدود عام 2030.
 
وقد اعتمد المغرب سنة 2021 استراتيجية بهدف إنتاج نحو 3 ملايين طن من الهيدروجين الأخضر بحلول عام 2030، وفق سيناريو متفائل، بالاعتماد على إمكاناته في مجال الطاقة المتجددة وتحلية مياه البحر، وهو ما من شأنه تسريع تحقيق هدف الحياد الكربوني في 2050.
 
الطيران والسيارات
وإلى ذلك، يواصل المغرب تطوير استثماراته في تنمية قطاعات صناعية مثل السيارات والطيران. وخلال العقدين الماضيين، شكل قطاع صناعة الطائرات في المغرب قصة نجاح حتى أن المدير العام لشركة الطائرات الأوروبية "إيرباص" غيوم فوري، قال "ليست هناك طائرة تحلق في السماء لم يصنع المغرب أحد أجزائها".
 
 
وكان وزير التجارة والصناعة رياض مزور، صرح العام الماضي بأن المملكة "تصنع حالياً 41 بالمئة من أجزاء الطائرة، وتصنع أيضاً أجزاء الأقمار الصناعية".
كذلك، ساهمت مرونة قطاع صناعة السيارات، إلى جانب الزراعة في النمو الاقتصادي المتوقع هذه السنة. 
 
في منتصف أيار (مايو) الماضي، كشف المغرب عن أول سيارة محلية الصنع تحمل اسم "نيو"، لينضم إلى نادي الدول المنتجة للسيارات، بعد سنوات من التجربة في التركيب والتجميع، وجلب استثمارات لشركات دولية.
 
 
ويعتبر المغرب رائداً في تركيب وتجميع السيارات وصناعة بعض أجزائها، إذ تنتج المملكة 700 ألف سيارة سنوياً، يتم تصدير 90% منها، معظمها إلى أوروبا. وبنتيجة هذا الأداء صار منذ 2017 أول منتج للسيارات في أفريقيا.
   
...في السنوات العشرين الأخيرة، لجأ المغرب الى القوة الناعمة للدفع بمصالحه وحماية سيادته، فقدم نفسه بلداً حريصاً على التصدي للأوبئة التي تفتك بكوكب الأرض، بما فيها التغير المناخي، وتمكن من انتزاع اعتراف دبلوماسي دولي متزايد بالصحراء. وها هو يرنو إلى استضافة كأس العالم 2030 مع إسبانيا والبرتغال رغم الخلافات السياسية بين الرباط ومدريد. وباستراتيجية كهذه، يبدو المغرب عازماً على المضي بسرعة بُراقه على طريق الازدهار والتنمية.
 

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/3/2026 6:20:00 AM
"النهار" تلقي الضوء على تفاصيل المشروعات السورية الخمسة لربط الخليج بالبحر المتوسط وأوروبا، وأهميتها والتكلفة الاستثمارية لها، والتحديات التي تواجه هذه المشروعات، والعائد الاقتصادي لهذه المشروعات سواء على الاقتصاد السوري أو على اقتصادات الخليج
النهار تتحقق 4/4/2026 11:36:00 AM
تظهر الصورة رجلاً معصوب العينين، مقيداً بكرسي يشبه قفصاً، في غرفة رفع فيها العلم الايراني.
اسرائيليات 4/2/2026 6:02:00 PM
ظاهرة لافتة في تل أبيب تمثّلت في تحليق كثيف لأسراب الغربان، بالتزامن مع استمرار الحرب والهجمات الصاروخية
اسرائيليات 4/3/2026 9:21:00 AM
الجيش الإسرائيلي: مخطط لإطلاق صاروخ مضاد للدروع نحو أراضي دولة إسرائيل