لا تزال قضية "الأطفال غير الشرعيين" في المغرب، تشغل السلطات وترهق الحقوقيين المطالبين بإنصاف المحرومين من النّسب وتعديل مدوّنة قانون الأسرة، وذلك بعد مضي أكثر من عقدين على اعتمادها، وملاءمتها مع واقع الحال والمقتضيات الجديدة التي يضمنها دستور 2011 والاتفاقات الدولية التي صادقت عليها المملكة.
وعادت المطالب إلى الواجهة مجدداً، وفق رئيس وحدة تتبّع النيابة العامة لقضايا الأسرة في المغرب حسن الإبراهيمي، الذي أعرب عن قلقه من بعض أحكام مدوّنة قانون الأسرة، التي تُكرّس ما وصفه بـ"الظلم الوخيم" الذي تتعرّض له النساء أو الأمهات العازبات اللواتي ينجبن أطفالاً خارج إطار مؤسسة الزواج، بعد تهرّب الآباء من تحمّل مسؤولياتهم.
غالبية النساء اللواتي ينجبن خارج إطار مؤسسة الزواج في المغرب يعرفن آباء أطفالهن، بيد أنّهن يصطدمن بواقع رفض الآباء الشرعيين الإقرار قانونياً بأبوتهم والاعتراف بأطفالهم. "لكن الجميع يغض النظر عن تحميل الرجل الذي يوصف بالفحولة، المسؤولية، وتحميلها للمرأة التي توصم بالعار" وفق المسؤول المغربي، الذي أكّد أيضاً أنّ النساء اللواتي يتخلّين عن أطفالهن بعد إنجابهم من علاقة غير شرعية، يكنّ مضطرات لأسباب اجتماعية واقتصادية، وغياب من يتكفّل برعايتهم.

تعقيدات إثبات النّسَب
واعتبر الابراهيمي، أنّ أحكام مدوّنة الأسرة المتعلقة بالبنوة (الفصل 146)، والتي سبق وطالب عاهل البلاد الملك محمد السادس بتعديلها قبل سنة، "فيها نوع من الظلم مكرّس تشريعياً، وإذا كان ثمة مخطّط للإصلاح فيجب أن يُقرّ تشريعياً، لأنّه لا يمكن ممارسة الاجتهاد القضائي في ظلّ هذه النصوص القانونية الجامدة"، مؤكّداً في الوقت نفسه، أنّ إثبات النَسَب في المغرب صعب جداً بسبب هذه المادة التي "يجب علينا أن نجتهد فيها ويُفتح نقاش بشأنها من جانب متخصّصين".
وتنصّ المادة 146 من مدوّنة الأسرة (الأحوال الشخصية) على أنّ "البنوة للأم تستوي في الآثار التي تترتب عليها، سواء كانت ناتجة من علاقة شرعية أو غير شرعية"، بينما "لا تترتب البنوة على الأب في العلاقة غير الشرعية"، بمعنى أنّ بنوة الطفلة أو الطفل الذي وُلِدَ خارج الزواج، لأبيه البيولوجي، غير مبرّرة لا شرعاً ولا قانوناً، ويحرمه بهذا من كل حقوقه المادية والمعنوية.
ومع أنّ قانون الأسرة المغربي يعتمد الفحص الجيني لإثبات النّسَب، إلاّ أنّه يحصره فقط في القضايا والحالات المتعلقة بالأطفال الذين يولدون من "علاقة شرعية" سواء زواج أو خطوبة، ويستثني الأطفال المولودين من "علاقات غير شرعية".
نضال حقوقي طويل
ومنذ سنوات عدّة، ترفع الحركة الحقوقية في المغرب مطلب تغيير هذه التشريعات "المتجاوزة"، ومباشرة إصلاحات تشريعية فعلية من شأنها إنصاف النساء اللواتي يجدن أنفسهن في قلب مكابدة ظلم المجتمع والقانون، ولا سيّما أنّ المجتمع المغربي بات يواجه واقع ارتفاع عدد الأطفال المولودين خارج مؤسسة الزواج، بإقرار رسمي من السلطات المغربية.
ووفق بيانات المنظمة الحقوقية "إنصاف"، شهدت السنوات العشر الأخيرة ارتفاعاً متزايداً في الولادات في المغرب من خارج مؤسسة الزواج، قُدّرت بأكثر من 3 آلاف طفل سنوياً، يتمّ التخلّي عنهم، ليس فقط من طرف الآباء لكن أيضاً بات الوضع مُقلقاً عقب تسجيل ارتفاع في تخلّي الأمهات العازبات عن أبنائهن، حيث يصل العدد إلى 70 طفلاً يومياً، مقابل 24 خلال الفترة بين سنتي 2003 و2009.
وعزا المصدر الحقوقي نفسه معضلة تخلّي الأمهات العازبات عن فلذات أكبادهن للعراقيل القانونية والضغوط الاقتصادية والاجتماعية والنفسية التي يواجهنها، وتجعلهن يعشن في ظروف اجتماعية وأوضاع مأساوية، إضافة إلى الحرمان العاطفي. ويمكن اعتبار كل ذلك "مؤشراً دالاً عن فجوات حقوق الإنسان في التشريعات المتعلقة بهذه الفئة وعلى انتهاك حقوقها".
مؤشر مقلق و"مشرّع ذكوري"!
وفي هذا الإطار، تقول الناشطة الحقوقية في جمعية "نزاهة وإنصاف" المتخصّصة في مساعدة الأمهات العازبات حنان العباسي، إنّ الواقع الجديد اليوم يستدعي إعادة فتح النقاش بشأن وضعية هذه الفئة من المجتمع، والتي تتحمّل وحدها ومن دون وجه حق مسؤولية علاقة جنسية تمّت بين شخصين لمجرد أنّها امرأة وأنّ بطبيعتها تحبل وتنجب الأولاد.
واعتبرت العباسي في تصريح لـ"النهار العربي" أنّ ارتفاع أعداد الأطفال المولودين خارج مؤسسة الزواج، مؤشر مقلق يستدعي دقّ ناقوس الخطر من طرف الحكومة، وكذلك المشرّع المغربي الذي لا يزال "ذكورياً مع الأسف الشديد، ولا يوفّر أدنى شروط الحماية القانونية للنساء".
وترى الحقوقية المغربية أنّه إلى جانب التغييرات التي يجب أن يسير بها المشرّع المغربي، وجب أيضاً تشريع الإجهاض ورفع تجريمه، لتمكين النساء الرافضات لاستمرار الحمل من الخلاص، من دون أن نفقد أمهات يلجأن إلى الإجهاض السرّي عن طريق عمليات مشبوهة أو الإجهاض عن طريق الأعشاب أو أدوية السوق السوداء. كما سيمكّن المغرب أيضاً من تقليص ظاهرة العثور على المولودين الجدد في الشوارع والأزقة، والتخفيف من ظهور المآسي في المجتمع.
وأضافت العباسي: "نكاد فعلاً لا نصدّق كيف يُعقل في القرن الحادي والعشرين أن تلغي المحكمة الأدلة العلمية المتمثلة في الفحوص الجينية التي أثبتت نَسَب البنت لأبيها البيولوجي، وتعتمد على نصوص وأحاديث نبوية عمرها قروناً من الزمن، ضاربة بعرض الحائط مصلحة الطفل".
وعود حكومية
وكانت الحكومة المغربية قد أعلنت نهاية السنة الماضية عن قرب إطلاق مشروع لإثبات النّسَب للأطفال المولودين خارج إطار الزواج، باعتماد التحليل الجيني، شريطة فتح نقاش مجتمعي والحصول على فتوى دينية من المجلس العلمي الأعلى واجتهادات الفقهاء في الموضوع، وفق وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي، الذي وعد أيضاً بأن تقدّم الحكومة مشروع القانون الجنائي الجديد قريباً، ويتضمن إجراءات جديدة بشأن الأطفال المولودين خارج الزواج، ولإثبات بنوة الطفل المولود وإلزام والده بالنفقة إلى حين بلوغه 21 سنة.
ولم تُصدر الحكومة المغربية، حتى الآن أي قرار في هذا الخصوص، الأمر الذي يُجهض محاولات الوصول إلى حل في الأسابيع المقبلة، وهو ما تعتبره الأوساط الحقوقية مجرد تسويف وتأجيل للمشكلة، من شأنه تأزيم الأوضاع أكثر، لاسيما وأنّ ردهات المحاكم المغربية تضمّ عشرات الملفات من هذا النوع.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
العالم العربي
5/16/2026 11:00:00 PM
ماذا جرى قُرب بيت شيمش في القدس؟
الولايات المتحدة
5/17/2026 12:57:00 PM
مستشار المرشد الإيراني: تهديدات ترامب التي تؤججها تل أبيب تُمثّل فخاً استراتيجياً
لبنان
5/17/2026 9:48:00 AM
غارات إسرائيلية متواصلة على قرى جنوب لبنان والبقاع الغربي
لبنان
5/18/2026 12:00:00 AM
تحدثت معلومات ديبلوماسية عن أنّ لبنان تبلّغ عبر سفارته في واشنطن طرحاً يرتبط بمساعٍٍ لتحقيق وقف تام وشامل لإطلاق النار خلال 24 إلى 48 ساعة من منتصف ليل السبت - الأحد بين "حزب الله" وإسرائيل...
نبض