13-05-2023 | 06:05

"ما يسواش فرنك"... عملات تونسية صغيرة تختفي رغم بقائها رسمياً

في بعض مناطق الشمال الغربي في تونس، تزوّج بعض العائلات أبناءها وفق تقليدٍ يُسمّى "سيدي البشير"، ويقضي بأن يقدّم الزوج لزوجته مهراً تبلغ قيمته "69 فرنكاً لا غير". لكنّ هذا التقليد يواجه مشكلة طريفة الآن: الفرنكات لم تعد متوافرة أو مستخدمة.
"ما يسواش فرنك"... عملات تونسية صغيرة تختفي رغم بقائها رسمياً
Smaller Bigger
 
 
في بعض مناطق الشمال الغربي في تونس، تزوّج بعض العائلات أبناءها وفق تقليدٍ يُسمّى "سيدي البشير"، ويقضي بأن يقدّم الزوج لزوجته مهراً تبلغ قيمته "69 فرنكاً لا غير". لكنّ هذا التقليد يواجه مشكلة طريفة الآن: الفرنكات لم تعد متوافرة أو مستخدمة.
 
وبحسب الروايات فإنّ هذه العادة تُنسب إلى وليّ صالح اسمه "سيدي البشير" أراد تخفيف أعباء الزواج عن الخطيب، فأقرّ هذا المهر عوضاً عن شراء المصوغ، على أن يقدم مصحوباً بخروف أو بقرة (بحسب مقدرة العريس) لإعداد وليمة العرس، ولا تقبل العروس بهدايا أخرى إلّا بعد عقد القران. 
 
 
"الدورو" و"الفرنك" في تونس من أشهر القطع النقديّة الصغيرة، لكنهما اختفتا من أسواق تونس ومعاملات البيع والشراء في السّنوات الأخيرة. وبات الحديث عنهما يأتي في سياق "العملات النادرة"، في وقت يقول المصرف المركزي التونسي إنه لا يزال يعتمدهما.
 
و"الفرنك" يعني المليم، والكلمة مأخوذة من اللغة الفرنسية، أمّا "الدورو" فتبلغ قيمته 5 مليمات، والمليم هو أصغر وحدة نقدية معدنية في تونس.
 
العملة الرسمية لتونس هي الدينار وقد تم اعتمادها منذ عام 1958 أي بعد الاستقلال. وعوّض الدينار الفرنك التونسي الذي بدأ العمل به منذ عام 1891 عوضاً عن الريال التونسي، وينقسم الدينار إلى ألف مليم ويصدره البنك المركزي.
 
ومن بين القطع النقدية الصغيرة التي لم يعد يستعملها التونسيون، نجد "10 مليمات" و"20 مليماً" وبدرجة أقل "50 مليماً".
 
وتتكون القطع النقدية المعدنية في تونس من 1 مليم (محليّاً يسمى الفرنك) و2 مليم و5 مليمات (محليّاً يسمى دورو) و10 مليمات و20 مليماً و50 مليماً و100 مليم و500 مليم ثمّ الدينار، وفي 2013 أصدر البنك المركزي التونسي قطعتين معدنيتين جديدتين من فئتي 200 مليم ودينارين.
 
أكثر من معنى
ورغم قيمتهما المادية الضئيلة جداً، فإنّ "الفرنك" و"الدورو" تحوّلا إلى كلمات لها معان كثيرة ودلالات عديدة يستعملها التونسيون في خطابهم اليومي، للإشارة إلى وضعياتهم المالية أو لتوصيف شخص ما. كأن يقول أحدهم أن فلاناً "ما يسواش فرنك" (أو "دورو") أي أن هذا الشخص لا تتجاوز قيمته 5 مليمات في رغبة لازدرائه وتبخيسه، أو "شنوة يحسايب روحو فرنك وأربعة" أي ماذا يعتقد أنه يضاهي، أو لوصف بضاعة رديئة الجودة بالقول "سلعة بودرو" ، أو "ما نكسبش دورو" أو "فرنك لا، دورو لا" أي لا أمتلك حتّى 5 مليمات في إشارة إلى الإفلاس والفقر.
 
ولئن كان معلوماً لعموم التونسيين أن أصل كلمة "الفرنك" مأخوذ من اللغة الفرنسية، فإنّ الروايات الشعبية بشأن تسمية "الدورو" تختلف، وتقول بعض الروايات إنّ الكلمة مأخوذة من الكلمة الإسبانية "duro" وتعني الشيء الصّلب، بينما ترجّح روايات أخرى أن تكون لها علاقة بالاستعمار الفرنسي. فقد كان الوشاة من التونسيين يتسلّمون من الضابط الفرنسي بعد نقل المعلومات له " 5 فرنك" ويطلب منهم بعدها أن "يدورو" (ينصرفوا لحال سبيلهم)، ومن هنا جاءت التسمية التي تحمل في طياتها الكثير من الاحتقار وترمز إلى خيانة الوطن.
 
"الفرنك" و"الدورو" ارتبطا في مخيال عموم التونسيين بالفقر والإفلاس والتبخيس، مع ذلك لهما قيمة معنوية وجمالية كبيرة، حيث نجد الكثير من التونسيين يستعملونهما كتمائم لجلب الحظ، والبعض يختار أن يضع إحدى القطعتين النادرتين في محفظة نقوده تبرّكاً بها وأملاً في جلب الرزق الوفير.
 
وتحوّلت القطع النقدية الصغيرة في السنوات الأخيرة إلى قطعة يستعملها حرفيو المصوغات والإكسسوارات لتصميم موديلات جديدة تلقى إقبالاً كبيراً من الزبائن، مثلما أكّد ذلك أحمد، وهو مصمّم إكسسوارات، موضحاً لـ"النهار العربي" أنّ العملة التونسيّة، وبخاصّة القطع النقدية التي لا تعتبر ذات قيمة كبيرة، أصبحت محطّ اهتمام المبدعين في عالم صرعات الموضة.
 
واستعمال القطع النقدية لتصميم المصوغات والإكسسوارات في تونس شائع، ومن أشهر القطع التي كانت النسوة يقبلن عليها سابقاً ويتفاخرن بامتلاكها تلك التي تصنع من الليرة.
 
وقبل أعوام أثار إعلان بيع "الدورو" التونسي على موقع تجاري عالمي مقابل 29 يورو، لاستخدامه أزراراً لأكمام ملابس، ضجّة واسعة تدخّل على إثرها المصرف المركزي التونسي، مؤكداً أنّ هذه القطعة النقدية لا تزال متداولة ويجرّم بيعها.
 

98 في المئة أوراق نقدية
وبحسب أحدث البيانات الصادرة عن البنك المركزي التونسي، فإنّ الأموال المتداولة في تونس لغاية 31 كانون الأول (ديسمبر) 2021 بلغت قيمتها 17.2 مليار دينار (1دولار يساوي 3 د. تونسي) 92 في المئة منها أوراق نقدية و2 في المئة هي عبارة عن قطع نقدية من الفئات الصغيرة.
 
ويقول الخبير الاقتصادي خالد النوري لـ"النهار العربي" إنّ الاقتصاد التونسي يقوم بالأساس على "الكاش"، إذ إن 85 في المئة من المعاملات الاقتصادية تتم باعتماد الدفع النقدي وهو ما يفسّر جسامة الاقتصاد الموازي وتهريب الأموال في تونس.
ويلفت إلى أنه منذ ثلاث سنوات انطلقت وزارة المالية في خطّة للتركيز على ترشيد التداول النقدي للأموال والتشجيع على التوجه نحو اعتماد المعاملات الرقمية، لكن  فعالية هذه الخطة ظلّت محدودة.
 
وفي عام 2021 أصدر المصرف المركزي التونسي أوراقاً نقدية بقيمة 3300 مليون دينار، ما يساوي 210 ملايين ورقة نقدية من كل الفئات المسجلة، و34 مليون قطعة نقدية من الفئات الصغيرة قيمتها 12 مليون دينار وجلّها من فئة 500 مليم و1 دينار و2 دينار و5 دنانير. 
 
وتقول مصادر لـ"النهار العربي"، إنّ من بين أسباب تراجع عدد القطع النقدية غلاء المواد الأولية المستعملة في إصدارها، لكنها تؤكد أنّ القطع النقدية الصغيرة اختفت أيضاً في أغلب دول العالم وأنّ الظاهرة ليست تونسية فقط.
 

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/3/2026 6:20:00 AM
"النهار" تلقي الضوء على تفاصيل المشروعات السورية الخمسة لربط الخليج بالبحر المتوسط وأوروبا، وأهميتها والتكلفة الاستثمارية لها، والتحديات التي تواجه هذه المشروعات، والعائد الاقتصادي لهذه المشروعات سواء على الاقتصاد السوري أو على اقتصادات الخليج
ايران 4/3/2026 3:13:00 PM
وكانت إيران قد أعلنت، في وقت سابق من اليوم الجمعة، أنها أسقطت طائرة من نوع إف-35 أميركية الصنع فوق أجوائها، وأشارت إلى أن مصير الطيار "ما زال مجهولاً".
اسرائيليات 4/2/2026 6:02:00 PM
ظاهرة لافتة في تل أبيب تمثّلت في تحليق كثيف لأسراب الغربان، بالتزامن مع استمرار الحرب والهجمات الصاروخية
اسرائيليات 4/3/2026 9:21:00 AM
الجيش الإسرائيلي: مخطط لإطلاق صاروخ مضاد للدروع نحو أراضي دولة إسرائيل