16-04-2022 | 07:10

"بيا ولا بيك" لمراد الخودي... دراما مفتعلة تنأى عن الواقع المغربي

تطالعنا مسلسلات مراد الخودي وكأنها تسبح في خطابات سردية متعددة، لأن المشاهد يضيع في دوامة الخطابات الحكائية، ما يجعله غير قادر على فهم موضوع المسلسل والاستمتاع بصريا بما ينتجه من قصص وصور ومشاهد.
"بيا ولا بيك" لمراد الخودي... دراما مفتعلة تنأى عن الواقع المغربي
Smaller Bigger
تعاني الأعمال التلفزيونية الأخيرة للمخرج المغربي مراد الخودي، ارتباكاً واضحاً، لا لجهة اختيار الثيمات الدرامية هذه المرة، بل على مستوى التخييل البصري. ذلك أنّ التأثير البيّن للدراما التركية على مستوى السياحة البصرية، واختيار فضاءات التصوير وأكسسوارات بعض المشاهد وأنماط صُوَرها الفنية، يجعل المسلسل هشاً وغير مؤثر في يوميات المشاهد المغربي ومشاغله خلال شهر رمضان.
 
الارتباك حاضر بقوة في مسلسلات سابقة له كـ"ولاد المرسى"(2021)، "قضية العمر" (2020)، فهي تفتقر دوماً إلى أبسط العناصر الفنية التي تستند إليها قوة الدراما وجمالياتها، والمتمثلة أساساً في اختيار ثيمة ناضجة ذات علاقة سوسيولوجية وثيقة بما يشهده الواقع المغربي من تحولات.
 
وإذا كانت مسلسلات الخودي، تفتقر دوماً إلى بعض المؤهلات الفنية، رغم اجتهاداته الدائمة على مستوى جماليات الصورة، فإن غياب مفهوم الحكاية الرئيسية، يجعل هذه الصور الدرامية يختفي وهجها، أمام غوغائية الخطاب البصري وعدم قدرته على التقاط تفاصيل صغيرة من حياة الناس والقبض عليها داخل صورة واقعية/ متخيلة.
 
في مسلسله الجديد "بيا ولا بيك" (2022) الذي يُعرض هذه الأيام، تتخفف الصور من هذا الارتباك التقني، وتسقط في سلسلة من الخطابات التنميطية الباردة، حيث تتحول كتابة الحوارات إلى عملية ميكانيكية لا تحتاج إلى أي تأمل أو تأويل أو تفكير في سوسيولوجية الشخصية ومدى تماهيها مع الحوار. فلا غرابة أن نعاين بعض المشاهد الدرامية، وقد تم العمل عليها من ناحية الأداء بطريقة تلقائية، من دون التفكير في جوهر الشخصية ومسار المشهد وسياقاته الفنية والجمالية.
 
والحقيقة أن هذا الاستسهال على مستوى التأليف، يجعل الدراما الرمضانية في المغرب لا تتطور ولا تحقق أي متعة فنية للمتلقي، فينفضّ عنها صوب مسلسلات وسيتكومات وبرامج وأفلام في بعض القنوات الأجنبية. إن هذا الاستسهال لا تتحكم فيه نوازع ذاتية فقط، بل مؤسساتية في أحيان كثيرة. ذلك أن التلفزيون الرسمي في المغرب، لا يمتلك مؤهلات فكرية تساعده على مشروع فني، يجعله يستوعب ما معنى أن ينتج عملاً درامياً اليوم؟ وما الطرق والوسائل التي ينبغي العمل عليها من أجل التأثير في المشاهد المغربي؟ مثل هذه الأسئلة غير موجودة، ما دام هذا الجهاز البصري ينظر إلى الدراما باعتبارها عملاً فنياً/فرجوياً/ترفيهياً/استهلاكياً. وبالتالي، نجده يتعامل مع الأعمال الدرامية بحبّ مفرط وبنوع من التثمين والاعتراف عن طريق عرضها ودعمها، من دون أي تمحيص أو نقد أو مساءلة.
 
المخرج الخودي
 
على هذا الأساس، تطالعنا مسلسلات مراد الخودي وكأنها تسبح في خطابات سردية متعددة، لأن المشاهد يضيع في دوامة الخطابات الحكائية، ما يجعله غير قادر على فهم موضوع المسلسل والاستمتاع بصرياً بما ينتجه من قصص وصور ومشاهد. هذا الارتباك الواضح على مستوى التأليف يخلق نشازاً بصرياً بين مفهومي النص والصورة، لأنهما لا يمشيان وفق خط سردي واحد ينحتان من خلاله فكراً وإحساساً ومتعة للمتلقي، بقدر ما ينفصلان ويبدوان ندّين لبعضهما بعضاً، وكأنهما لا يرسوان عند نقطة بصرية واحدة تستقر عندها العين. بهذه الطريقة يتأثر مفهوم الخطاب البصري للعمل الدرامي ويغدو ضعيفاً، نظراً إلى افتقاره إلى وحدة عضوية يتواشج فيها النص مع الصورة ويكونان معاً خطاباً درامياً يهجس بالإبداع والنضج والابتكار.
 
لكن، من الذي يتحكم في هذه الهشاشة، المخرج أم المؤلف؟ إذا سلمنا بأنه لا وجود لصورة فنية، مهما كان نضجها بمعزل عن فرادة نص أدبي، فسنجد أن المؤلف يتحمل مسؤولية هذا النشاز البصري، لأن المخرج، على الرغم من سلطته الجمالية، بوصفه صاحب القرار الأخير، فإنه يبدو عاجزاً في هذه الحالة، بحكم أنه يجد نفسه مضطراً إلى الدفع بالصورة صوب حدودها القصوى من أجل الاقتراب إلى الموضوع وخلق طباق بصري مع النص، رغم أنه يظل مبهماً وسطحياً ومفتعلاً. بهذه الطريقة يكون المخرج مجبراً تقنياً على اتباع حركية النص الأدبي ومسارات تخيلاته الدرامية ومدى تفاعل أجساد الشخصيات الرئيسية والثانوية منها مع مفهوم الحكاية داخل المسلسل.
 
في مسلسل "بيا ولا بيك" الذي يروي حكاية عائلة بورجوازية تتعرض ثروتها للحجر، بعدما قررت الشروع في بداية حياتها من جديد، بعيداً من حياة الترف، يسير الخودي على منوال مسلسلاته السابقة، فهو لا ينظر إلى الاجتماع المغربي، إلا من زاوية كونه مجتمعاً بورجوازياً يمتلك من الوسائل والقدرات، ما يجعل الدراما بالنسبة إليه مجرد بنية فوقية وفسحة للتجريب "الثيماتيكي"، ولم يفكر يوماً بأن عدم دقة موضوعاته وابتعادها الكلي عمّا يعيشه الفرد المغربي من أهوال وتصدعات، يجعلان مسلسلاته هزيلة ولا تحظى بأي اهتمام من المشاهد، ما دام يشعره المخرج بأنه غير مهتم به وبمشكلاته وإحساسه وحاجياته وذائقته. ولنا في مسلسلات الثمانينات والتسعينات النموذج الأجمل لتعلق المغاربة بهذه الدراما، إذ كان من المستحيل التخلي عن الواقع وما كان يعيشه آنذاك من لحظات سياسية واجتماعية مفصلية في حياة الفرد.
 
ما فعله مراد الخودي في "بيا ولا بيك" أنه تجاوز قاع المجتمع ليسلط عدسته على عوالم لا تمتّ إلى الواقع المغربي بصلة. هذا الافتتان بدراما الآخر، يبدو واضحاً في اشتغالات المخرج عن طريق بنية الصور المألوفة وخلفياتها داخل المسلسلات التركية والهندية، لكن بنكهة مغربية مكررة وبميسم جمالي سطحي، لا يراعي فيه المنطلقات الفنية ولا السياقات الجمالية، التي أفرزت تلك الصور داخل مشهد وآخر.
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.