14-02-2021 | 10:30

السّلطة التنفيذيّة الجديدة في ليبيا تحت الاختبار... والامتحان في الانتخابات

وافق الليبيون على مضض وتفاءلوا بحذر بعد اعلان ملتقى الحوار والمصالحة في جنيف تركيبة السلطة التنفيذية الموحدة والانتقالية.
السّلطة التنفيذيّة الجديدة في ليبيا تحت الاختبار... والامتحان في الانتخابات
Smaller Bigger
 
وافق الليبيون على مضض وتفاءلوا بحذر بعد إعلان ملتقى الحوار والمصالحة في جنيف تركيبة السلطة التنفيذية الموحدة والانتقالية. 
 
أملت الواقعية السياسية والتسليم بالأمر الواقع على الجميع، مباركين ومعترضين، القبول والترحيب بالسلطة الجديدة عملاً بمقولة وجودها أحسن من الفراغ. والتسامح إزاء تركيبة السلطة مرده الى كونها سلطة انتقالية لشهور، مهمتها الأساسية الإعداد والتمهيد للانتخابات الرئاسية والنيابية في 24 كانون الأول (ديسمبر) المقبل. 
 
لعل صعود الدخان الأبيض بعد أربعة شهور من انطلاق التسوية السياسية مخرجاً وحيداً واكيداً من أزمات ليبيا وحروبها، مؤشر إيجابي الى تنفيذ خريطة الطريق التي تقدمت أشواطاً على الصعيدين العسكري والسياسي خلال التفاهمات والاجتماعات التي عُقدت بين الأطراف والأطياف الليبية، برعاية مندوبة الأمم المتحدة بالإنابة ستيفاني وليامز في أكثر من مدينة وبلد. 
 
وبرغم التحفظات والاعتراضات لدى بعض الفئات، يؤمل أن تسير ليبيا في طريق التهدئة والتعقل، ويتعالى الليبيون على الجراح في سبيل إعادة قيام الدولة واسترجاع السيادة الوطنية، خصوصاً أن علامات التّعب والسأم تعمّ في مختلف الأطراف، حيث قاسى الجميع من الفوضى والفلتان والحروب والتشرذم على مدى عشر سنوات عجاف. 
 
 والتوافق الليبي عكس التوافق الأميركي والأوروبي الذي كرّسته المبادرة الأميركية في عهد ترامب وتبّنته إدارة بايدن مشفوعاً بتأييد فرنسي بريطاني وألماني فعل فعله من خلال بعثة الأمم المتحدة التي أشرفت على المخارج. في التوازي فتح باب المصلحة الخليجية بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر وقطر الباب لمساعدة الليبيين طيلة الأشهر المنصرمة على اعتماد الحلول السياسية التي تستطيع توحيد المناطق وتنقية القلوب وإعادة الأمن والسلام والازدهار. 
 
 وبرغم التحفظات والحساسيات والامتعاض لدى بعضهم من النتائج التي أدت الى انتخاب السفير محمد المنفي (شرق ليبيا) لرئاسة المجلس الرئاسي ونائبيه موسى الكوني (فزان) وعبد الله اللافي (الزاوية) والمهندس عبد الحميد دبيبة (مصراتة) رئيساً للوزراء، أملت الواقعية السياسية على الأطراف العسكرية والسياسية والقبلية والجهوية إعطاء فرصة للسلطة الجديدة ومراقبة مسيرتها المرحلية حتى إجراء الانتخابات العامة والاحتكام الى صناديق الاقتراع التي تقرر رغبات الشعب الليبي وتطلعاته. 
 
والانتقادات التي وجهت للسلطة الجديدة ركزت على أنها إخوانية الهوى وتركية الارتباطات. وهناك فعلاً خوف حقيقي من أن تقع السلطة تحت تأثير الإخوان المسلمين وتوجهاتهم من المقيمين في طرابلس أو المنفيين في اسطنبول. وهناك تضارب مصالح، سياسية واقتصادية، بين ليبيا وتركيا. أطماع أردوغان وطموحاته في اقتناص موقع استراتيجي ونفطي في شرق المتوسط تثير مخاوف الليبيين والأوروبيين والأميركيين. والصورة غير واضحة في هذه المرحلة كيف تتصرف ليبيا مع تركيا بشأن المرتزقة والقواعد والقوات التركية والاتفاقات التي وقعت مع حكومة الوفاق. 
 
وبما أن لا دخان بلا نار، يتهم رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي الذي شغل سابقاً منصب سفير ليبيا في أثينا، بأن اليونان اضطرت للاستغناء عن خدماته بعد بروز التوتر بين اليونان وتركيا وطلبت منه مغادرة البلاد. كما يتردد أن رئيس الوزراء رجل الأعمال عبد الحميد دبيبة، هو قريب الملياردير علي دبيبة المقرب من الإخوان ومن أعز أصدقاء أردوغان. كما أن رئيس الوزراء نفسه يمثل عدداً من الشركات التركية الكبرى في مصراته والغرب، ومتّهم بتمويل الإرهاب وصاحب ثروة كبرى يوظفها لخدمة نشاطه السياسي ورؤيته في تيار "ليبيا المستقبل" الذي أنشأه كمنصة بديلة من القيادات التقليدية.
 
 ويرجع معارضو الإخوان وسيطرتهم على السلطة الجديدة الى تأليف قائمة المندوبين والمعايير التي اعتمدتها ستيفاني وليامز في آلية اختيار المندوبين في ملتقى الحوار والمصالحة في جنيف. وتُتهم وليامز بممارساتها الاستنسابية وتغييب تمثيل الطيف الوطني الشامل، إذ استبعدت شخصيات وطنية مهمة لها وزنها التمثيلي والجهوي والمناطقي والمهني من قائمة المندوبين الـ75، وركزت، لأسباب غير معروفة، على دعوة شخصيات محسوبة على الإخوان من طرابلس ومدن الغرب!!!
 
 وأثير هذا الموضوع في اجتماع الملتقى الأول في جنيف، وندد المعترضون بالإجحاف  المعتمد بحق الشخصيات الوطنية التي لم تدع الى طاولة الحوار والمصالحة. لم تأخذ وليامز بهذه الملاحظات بل أبقت على قائمة المندوبين الأصلية والمهيمن عليها اللون الإخواني وجماعة غرب ليبيا. وهذه الخلفية لا تترك شكاً بالمفاجأة في النتائج على الشكل المعلن، إذ نجحت القائمة الثانية في الدورة الثانية بالحصول على 39 صوتاً مقابل 34 للقائمة الأولى التي كان يترأسها عقيلة صالح وفتحي باشاغا.
 
وإزاء برقيات التهنئة والترحيب بالسلطة الجديدة دولياً وعربياً وليبياً، جرى التسليم والقبول بمخرجات ملتقى جنيف، لتقع المسؤولية من الآن وصاعداً على عاتق فريق العمل الحكومي للانتقال بليبيا من أجواء الصدام والاختلاف الى رحاب الوئام والمصالحة. وهي مهمة غير سهلة ومزروعة بالأشواك والعراقيل والعقد. 
 
 وينكبّ رئيس الوزراء عبد الحميد دبيبة على تشكيل الحكومة قبل 21 الجاري، وسيراعي التوازنات المناطقية والتوجهات السياسية والمكوّنات القبلية ليتقدم في 26 آذار (مارس) القادم من البرلمان لنيل الثقة وبدء ممارسة مهماته رسمياً. 
 
 وستكون جلسة الثقة محطة وامتحاناً لمعرفة الى أين تسير الأمور. رئيس البرلمان الشرعي والمنتخب عقيلة صالح أبدى تجاوباً واستعداداً لاستقبال النواب في برقة ومنح الثقة للحكومة الجديدة، فيما أبدى دبيبة استعداده للحوار وسماع رأي الآخرين على مختلف فئاتهم. وهذه مؤشرات إيجابية مطمئنة لاعتماد المرونة والابتعاد عن التصلب لتبادل التنازلات وتحقيق المصالحة تثبيتاً للسلم الأهلي والوحدة الوطنية. 
 
 وفي هذا السياق يبرز موقف لافت لقائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر الذي رحّب بالسلطة الجديدة وأبدى استعداداً للتعاون. فليبيا بحاجة الى جميع أبنائها ولمّ الشمل وتوحيد المؤسسات العسكرية والسياسية. واللجنة العسكرية المعروفة 5+5 التي تضم عسكريين من شرق ليبيا وغربها تتقدم أشواطاً في مساعيها لفتح الطريق الساحلي بين الشرق والغرب تأميناً لتنقل الناس والبضائع. وبعد انتداب الأمم المتحدة مراقبين دوليين تعمل اللجنة على إزالة الحواجز ونزع الألغام وتفكيك الدشم وإطلاق سراح المخطوفين والمعتقلين. 
 
 قائمة المطالب من حكومة دبيبة ربما تفوق قدراتها. فهي ورثت تركة ثقيلة لا تعود الى السنوات العشر الأخيرة، بل الى خمسين سنة. والوقت عامل مهم وقصير للقيام بالمهام المطلوبة والعديدة في قائمة طويلة، تبدأ بإخراج المرتزقة وكل القوات الأجنبية، واسترداد القواعد العسكرية الأجنبية، ووضع ميزانية للدولة، وإجراء استفتاء على الدستور الجديد الذي تتولى اللجان المجتمعة في الغردقة صوغه، وتوحيد المؤسسات البرلمانية والمالية والعسكرية. 
 
الموضوع الملح هو إخراج المرتزقة. عندء بدء تنفيذ خريطة الطريق اتفق على خروج المرتزقة والقوات الأجنبية خلال تسعين يوماً. انقضت المدة ولم يخرج مرتزقة تركيا ولا المرتزقة الروس التابعون لشركة واغنر في بنغازي. الواقع أن تركيا تستبدل الفرق وتقوم بتجنيد مرتزقة جدد في شمال سوريا لإرسالهم الى ليبيا، بينما يتوجه عدد من المرتزقة القدامى من الدفعات الأولى الى إيطاليا وأوروبا.
 
وموضوع المرتزقة يثير خلافات ويخضع لتفسيرات مختلفة بين شرق ليبيا وغربها. طرابلس تعتبرهم قوات شرعية أتت بموجب اتفاق مع حكومة الوفاق، بينما القوات الروسية التابعة لشركة واغنر قوات غير شرعية. هذا إشكال وعلى حكومة دبيبة حله. 
وهناك مخاوف من مسألة تفكيك الميليشيات ونزع سلاحها. وهي القوى المسيطرة على الأرض في طرابلس وغرب ليبيا. وكل تشكيل مسلح له مناطق نفوذ ويصعب عليه التنازل للدولة طوعاً. والاختيار جدي وصعب في الوقت عينه لأن الميليشيات استفادت من سنوات الفوضى وسرقة أموال الشعب وأفرغت احتياطات الدولة سعياً للإمساك بالسلطة. معالجة الموضوع دقيقة وتتطلب شجاعة ورؤية. والحل إما بتأهيل الميليشيات لإدخالها في أجهزة الدولة الأمنية أو تسريحها وإقفال مكاتبها وتنظيماتها. 
 
ليبيا الآن أمام فرصة يجب ألا تضيع، بوجود إرادة دولية تختلف عن السابق يجب استغلالها. الأشهر العشرة المقبلة ستبين سير الحكومة الجديدة. هل تتبنى سياسة معتدلة منفتحة على كل الأطياف والأحزاب والجهات كما وعد دبيبة، أم أنها سترتمي في أحضان تركيا وتعمل بإرادة الإخوان المقيمين والمنفيين؟ الحكومة الجديدة، بل السلطة الجديدة، امام امتحان صعب ولديها أوراق مهمة. الليبيون يريدون توحيد المؤسسات وتوحيد الجيش والبرلمان وتفكيك الميليشيات ونزع سلاحها ومغادرة المرتزقة... كل هذه المطالب المحقة تتطلب وقتاً وحزماً وإرادة سياسية قوية وشجاعة وسرعة تنفيذ.
 
مع ذلك يعتري الليبيين خوف وشعور بعدم الاطمئنان. لا تزال المفاجأة بالنتائج والأشخاص تثير جدلاً وطنياً وموضوع تداول وتساؤل. السلطة الجديدة تحتاج الى توضيح اهتماماتها وبرنامجها لتنعم بتأييد المواطنين الذين يتمنون أن يكون هناك انتقال سلس للسلطة ورؤية المؤسسات موحدة والانتهاء من وجود حكومتين وبرلمانين وجيشين وإدارتين. قرار مجلس الأمن 2295 يؤسس ويطالب بمزيد من الهدوء والتعقل لعودة الأمور الى طبيعتها.
 
الجميع ينتظر الحكومة الموحدة، فهل سيكون لديها أنياب لوقف الفوضى وإعادة فرض القانون في بلد عاش سنوات فلتاناً وعبثاً؟ هل ستتمكن من حل الميليشيات ونزع السلاح والمساءلة عن الانتهاكات التي جرت في كل أنحاء ليبيا. مهمة شاقة وصعبة لكنها غير مستحيلة إذا توفرت الإرادة والشجاعة والحزم!!! 
   مع التمنيات بالتوفيق تبقى الانتخابات بيت القصيد والأمل والرجاء لإحداث نقلة نوعية لعودة الاستقرار والأمن أو الاستمرار في الحروب. وبانتظار نتائج الانتخابات يبقى مصير السلطة والحكومة متأرجحاً بين النجاح أو الفشل. 

الأكثر قراءة

الخليج العربي 5/29/2026 12:33:00 AM
شهد الحفل حضور عدد من كبار الشخصيات الإسلامية، وضيوف خادم الحرمين الشريفين، إضافة إلى رؤساء الوفود وممثلي مكاتب شؤون الحجاج.
لبنان 5/28/2026 5:35:00 PM
يسبق يوم العيد عشر ليال، تسمى عند الموحدين الدروز ليالي العشر، يقوم فيها المشايخ والشيخات بالتوجه نحو المجالس الدينية والمقامات وأداء الصلاة كل ليلة. وكثيرون لا يعرفون أن الموحدين الدروز يصومون خلال هذه الفترة.
فن ومشاهير 5/27/2026 4:12:00 PM
وشهدت الأشهر الماضية تداول أنباء متكرّرة عن زواجهما، إلا أنّ الإعلان الرسمي عن ارتباطهما تأجّل حتى الآن.
موضة وجمال 5/26/2026 11:06:00 AM
أتت هذه الإطلالة اللافتة للأميرة رجوة في أول مشاركة لها في احتفال عيد الاستقلال السنوي بعد ولادة الأميرة إيمان.