رأس السّنة الأمازيغيّة في الجزائر... تقاليد "يناير" تتحدى التّحريم
بعيداً من الجدل الذي يثار كل عام بشأن التقويم الأمازيغي الموافق لـ12 من شهر كانون الثاني (يناير)، إذ هناك من يعتبره تقويماً فلاحياً يجسد عمق علاقة الإنسان الأمازيغي بالأرض، أو تقويماً قومياً يبدأ من حكم الملك الأمازيغي شيشناق في مصر قبل نحو 2972 سنة، يبقى هذا الحدث في نظر الكثيرين مرتبطاً بالطبيعة ارتباطاً وثيقاً.
بعيداً من الجدل الذي يثار كل عام بشأن التقويم الأمازيغي الموافق لـ12 من شهر كانون الثاني (يناير)، إذ هناك من يعتبره تقويماً فلاحياً يجسد عمق علاقة الإنسان الأمازيغي بالأرض، أو تقويماً قومياً يبدأ من حكم الملك الأمازيغي شيشناق في مصر قبل نحو 2972 سنة، يبقى هذا الحدث في نظر الكثيرين مرتبطاً بالطبيعة ارتباطاً وثيقاً.
ولا يقتصر الاحتفال في الجزائر على المناطق الأمازيغية فقط، بل يشمل أيضاً مناطق شرق البلاد والمناطق الصحراوية، وهنا يحدثنا الدكتور في علم الاجتماع أحمد نجاح، من جامعة السوربون، عن طقس كان يحتفل به أبناء مدينة الوادي أو مدينة وادي سوف الملقبة بألف قبة وقبة، إذ كانوا يكسرون القدر القديم ويقتنون آخر جديداً يطهون فيه "دشيش القمح" باللحم، ويتم توزيعه على الجيران للدعاء بشتاء دافئ في تقليد شبيه بـ"الوزيعة" أو "ثيمشرط" بالأمازيغية، والتي تندرج في إطار التكافل الاجتماعي.

طقوس متعدّدة
تنقلنا والدتي الحاجة روزة إلى عادات وتقاليد أخرى لا تزال العائلات متشبثة بها في مسقط رأسها في ذراع الميزان (إحدى البلدات التابعة لمحافظة "تيزي وزو"). وتقول: "كانت جدتي ووالدتي في طفولتي تحضران لنا لمناسبة حلول رأس السنة الأمازيغية طبق الكسكس بلحم الديك الرومي أو المعروف بأيازيط باللهجة القبائلية بالمرق الأحمر، ويشتمل على أنواع من الخضروات على غرار الجزر والكوسا والخرشوف، تيمناً بحلول سنة فلاحية أمازيغية مزدهرة، سائلين الله أن يكون عام أمطار وخيرات أخرى على الفلاحة".
وتواصل: "بعد تناول وجبة عشاء ليلة حلول السنة الجديدة، تعد لنا جدتي ووالدتي في صبيحة رأس السنة الأمازيغية 2972، السفنج أو الخفاف والبغرير ذا الشكل الدائري المعد بالسميد والماء، ويُترك لساعات حتى يختمر ثم يُطهى فوق مقلاة".

ومن الذكريات الجميلة التي لا تزال تنبض في روح والدتي، ما كانت تقوم به جدتي بمعاونة جدي، إذ "تأخذ الأطفال الصغار الذين تراوح أعمارهم بين عام وعامين، وتضعهم وسط قصعة مصنوعة من الطين وتنثر فوق رأس الطفل الصغير التراز أو الدراز، وهو خليط من الحلوى والفواكه الجافة والمكسرات حتى يكون العام فأل خير عليه وتكون أيامه حلوة، لتوزع تلك الحلويات في نهاية المطاف على الصغار والكبار".
اختلاف الطقوس
وتختلف الطقوس التي ذكرتها والدتي عن الأخرى المعتمدة وسط الجزائر العاصمة، غير أنها تشترك تقريباً في طبق الكسكس، وتخبرنا الخالة فاطمة التي صادفتها في السوق الشعبي في درقانة (الضاحية الشرقية للعاصمة الجزائرية) أنها "تعد ليلة حلول رأس السنة الأمازيغية طبق الكسكس بالدجاج والمرق الأبيض المنكّه بالقرفة".
وفي الصبيحة، تحكي الخالة أن "النسوة في القديم كن يحضرن التبيخة أو الطبيخة، وهو طبق جزائري يحضر بكثرة في فصل الشتاء، من مكوناته الأساسية الفول الأخضر والبازلاء (في المشرق) أو الجلبانة (في المغرب العربي) وعشبة القرنينة (من النباتات الأكثر انتشاراً في المناطق الساحلية والداخلية للجزائر، تستهلك بكثرة في فصل الربيع)، ابتهاجاً بحلول سنة فلاحية خضراء وهي الأمنية المشتركة المحفورة في وجدان الجزائريين الذين يحيون رأس العام العربي".

إضافة إلى هذه الأطباق، تتابع الخالة: "كانت الجدات أيضاً يحضرن في صبيحة هذا اليوم طبق السردين، والهدف من ذلك أن يعم الخير والرزق الحلال الطيب".
تختلف الطقوس التي ذكرتها والدتي والخالة فاطمة عن تلك المعتمدة في منطقتي شرشال وتيبازة، وتقول حميدة لـ"النهار العربي" إن "والدتها كانت تعد طبق الكويرات"، ويتشكل من باقة متنوعة من الأعشاب العطرية (النابطة والبسباس والزعيترة وبيبراس والفليو...) ويحضر عن طريق تقطيع هذه الأعشاب رقيقة، يضاف إليها الثوم والبصل وبعض التوابل، قبل أن تجمع في شكل كويرات صغيرة بواسطة السميد كمادة أساسية.
وبحسب حميدة، فإن هذا الطقس يتقاسم المغزى نفسه مع الطقوس السالفة الذكر، إذ تؤكد أن هذه "العادات تبرز بوضوح مدى تعلق الأمازيغ القاطنين في تيبازة وشنوة والبلج وبعض مناطق شرشال، وعلى طول الشريط الساحلي انطلاقاً من سيدي غيلاس وصولاً إلى الداموس، بالأرض والزراعة".
سجال لا يتوقّف
وبعيداً من هذه الاحتفالات التي انطلقت منذ أسبوع تقريباً في العديد من المدن، يدفع البعض نحو تحريم الاحتفال بمبرر أنه بدعة دينية ترتبط بالأوثان، وهي الفتوى التي تشعل كل عام سجالاً لا يتوقف، وصراعاً لا ينتهي إلا بانتهاء الاحتفالات عبر ربوع الوطن.
وتداول بعض مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي صورة حذروا فيها من الاحتفال بهذه المناسبة ورد فيها: "انتهينا من خرافة رأس السنة الميلادية، ونعود إلى خرافة 12 كانون الثاني، وهو عيد وثني لا يمثل المسلمين".
وهو الموقف الذي عارضه المحتفلون بهذه المناسبة، وورد في تدوينة للناشط محمد بن بالي أن "رأس السنة الأمازيغية ليس مرتبطاً بحدث ديني كما هو الشأن في السنة الميلادية والسنة الهجرية، بل هو مرتبط بالطبيعة ارتباطاً وثيقاً. رأس السنة الأمازيغية هو إعلان عن انتهاء مؤونة سنة فلاحية مضت والشروع في التحضير لسنة فلاحية جديدة، لذا فكل الطقوس الدينية المرتبطة به تبقى مجرد خرافات وأساطير غذّاها الجهل ونمّاها التعصب، وأفضل ما تُحيا به هذه الليلة هو تحضير المأكولات التقليدية التي توارثها أبناء منطقة القبائل أباً عن جد، بعيداً من اللهو واللغو والصخب واللغب، أو سهرات الرقص والغناء إلى درجة المجون أو إقحام عادات وتقاليد غربية تتنافى مع مبادئ الإسلام السمحة التي آمنت بها قبائل الشمال الأفريقي والتزمت بها التزاماً صارماً".
وكتب الناشط نور الصباح عكنوش: "كلام حلال، يناير أو ينار كما تقول الوالدة، هو تقليد فلاحي وعيد اجتماعي وتراث أصيل يحتفل به الأجداد من زمان في أعلى الجبل وسط الدوار، لمدة أسبوع بالدجاج والشرشم وبوخبوز في جو احتفالي تفاؤلي بالموسم الزراعي وبالخير والرزق والعافية، باقي التفاصيل لا تهمني!".
وانتقد الناشط محمد نور الدين جباب من يحرم الاحتفال بالمناسبة ويراها بدعة دينية ترتبط بالأوثان، وقال: "يناير أعرفه عندما كان ثقافة شعبية وتراثاً وطنياً جامعاً، قبل انتهازية السياسيين وثرثرة المثقفين وشغب رجال الدين".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
الخليج العربي
5/6/2026 10:20:00 AM
50 عاماً على توحيد القوات المسلحة الإماراتية… قرار الشيخ زايد الذي أسّس لحماية الاتحاد وأثبت فعاليته
قرار توحيد القوات المسلحة عام 1976 أثبت خلال الاعتداءات الإيرانية الأخيرة قدرته على حماية الاتحاد عبر منظومة موحّدة تمتصّ الهجمات وتمنع انتقالها إلى الداخل.
الخليج العربي
5/6/2026 3:44:00 PM
استمع من القائمين على المنصّات إلى شرح حول أبرز المبادرات والمشاريع الجديدة التي أعلنت خلال الفعاليات
المشرق-العربي
5/6/2026 3:04:00 PM
تؤكد مصادر عراقية مطلعة، لـ"النهار"، أن خطوة الفصائل تأتي في إطار سعيها إلى تثبيت حضورها داخل العمل السياسي، وتهيئة نفسها لدخول حكومة علي الزيدي.
المشرق-العربي
5/6/2026 12:06:00 PM
في المقابل، لا تزال جهود الوسطاء مستمرّة...
نبض