10-04-2022 | 23:13

"التّي را التّي"...صُوَر واقعيّة عن كوميديا مغربيّة هشّة

يحتل الممثل الكوميدي المغربيّ حسن الفذ، مكانة كبيرة داخل المجتمع المغربيّ، فقد قادته أعماله التلفزيونيّة في السنوات الأخيرة والمُرتكزة الى شخصية "كبّور" الى أنْ يغدو الوجه الكوميدي الأوّل من دون منازعٍ.
"التّي را التّي"...صُوَر واقعيّة عن كوميديا مغربيّة هشّة
Smaller Bigger
يحتل الممثل الكوميدي المغربيّ حسن الفذ، مكانة كبيرة داخل المجتمع المغربيّ، فقد قادته أعماله التلفزيونية في السنوات الأخيرة، والمرتكزة إلى شخصية "كبّور" الى أن يغدو الوجه الكوميدي الأول من دون منازع. ذلك أنّ قدراته كممثّل لا تتجاوز أحياناً الشخصية الشعبية التي عمل على تكثيفها، بما تحمله من دلالات رمزيّة داخل المخيال الشعبي المغربي.
 
وإن كان حسن الفذ ممثلاً أصيلاً داخل المشهد الفنّي المغربي، وله باع طويل داخل مجال الكوميديا، حيث يُعدّ من أبرز الممثلين الذين يمتلكون بصمتهم الخاصة، سواء داخل فضاءات المسارح أم السيتكومات أم مهرجانات الضحك، أم حتى الأفلام التلفزيونية، غير أن شخصية "كبّور" حققت للفذ، ليس فقط ما لم يكن يحلم به يوماً، بل ما لن يحلم به أي ممثل كوميدي مغربي، لأن التأثير الهستيري الذي تركته الشخصية في نفوس المغاربة يتجاوز حدود المنطق. إذ تظل حلقات حسن الفذ التلفزيونية، التي لا تتجاوز دقيقتين أو ثلاثاً كأبعد تقدير، تتنزّل منزلة رفيعة في وجدان المشاهد بعد رمضان، وتجعله مشغولاً بإعادة مشاهدة مضامين الـ30 حلقة طيلة السنة.
 
وهذا الأمر غير مألوف داخل التلفزيون العمومي، حيث الأفلام والمسلسلات والسيتكومات والسهرات أشبه بجرعات صغيرة تُستهلك وتُستنفد مادّتها، وسرعان ما يلفها النسيان. فحالة الفذ، تكاد تكون خاصة وتنطوي على أبعاد نفسية، بقدر ما تحقق رواجاً تجارياً للمحطة التلفزيونية التي تعرض العمل خلال شهر رمضان، إذ تكرّس الفنان باعتباره صانع البهجة والترفيه والاستهلاك، لأننا نجد أنفسنا أمام حالة مختلفة، حيث تتحوّل الشخصية وكأنها تُعبّر عن اللاوعي الجمعي وتنتقده وتعيد تعرية سلوكاته وأعطابه تجاه بعض الحالات اليومية العادية التي لا تحتاج إلى كل هذا التعقيد. رغم أن الفذ برع في أداء هذه الشخصية الشعبية ووسّع آفاقها الفنية داخل كل موسم على مستوى بعض الممثلين وتغيير الفضاءات الخاصة.
 
 
لا جديد يقدمه حسن الفذ في "التي را التي"(2022)، إذ رغم الوجوه الفنية الجديدة، فإن المشاهد لا يسجل أي إعجاب جديد، يجعله يقبل على مشاهدة السلسلة، باعتبارها عملاً تلفزيونياً جديداً. فمعظم النكات تبدو مألوفة، تتراجع سلطتها ويخفت وهجها أمام المشاهد من فرط غياب المادة أو استسهالها باسم الكوميديا. لكن من فرط إعجاب المغاربة بالمواسم الأولى من السلسلة، نعثر على هذه الحلقات وقد تحولت إلى كليبات قصيرة مُحمّلة على هواتف الناس، وتُمرّر من مشاهد إلى آخر، من دون أيّ عناء أو تشنج. والأكثر من ذلك، يتم نسخ بعض المشاهد وتحويلها إلى صورٍ فوتوغرافية كوميدية كنوعٍ من الرد الساخر على السياسيين.
 
 
 
 
كما أن شخصية "كبّور" خرجت إلى الشارع والفضاءات العمومية، وأضحت نكتها  متداولة بين الناس، بل أضحى لها خطاب كوميدي نوعي ومؤثّر وتسهل معرفته داخل ركام الأعمال الكوميدية المبتذلة، لأن حسن الفذ يمتلك حقيقة من الوعي، ما جعله يحدس بالتحولات التي طالت الاجتماع المغربي ويفطن في الوقت نفسه إلى أهمية هذه الشخصية البدوية الشعبية الحائرة في نمط عيشها بين البادية والمدينة، لكن وفق أسلوب كوميدي جدّ متقشّف على مستوى المونولوغ، ينقل لنا من خلاله يوميات شخصية "كبّور" المزاجية وعلاقته المعقّدة مع زوجته (مونية لمكيمل) ومن دون سبب واضح. 
 
في الـ3 سنوات الأخيرة، غدا حسن الفذ الوجه الأبرز للترفيه في المغرب، بحيث لا نعثر على أي سيتكوم مغربي ينازعه التأثير في ذائقة المشاهد المغربي. إذ وجد التلفزيون العمومي في هذه السلسلة صناعة تجارية قائمة بذاتها. فكلّما اقترب شهر رمضان، يباغتنا هذا الوسيط البصري بـ"بوستر" سلسلة حسن الفذ، وكأنّه يخبرنا بأن موعد الترفيه قد اقترب، في الوقت الذي نعثر فيه على مئات من الممثلين العاطلين من العمل ولا يحصلون على أي عقد عمل صغير داخل أي مسلسل أو فيلم أو سيتكوم. مقابل نسب مشاهدات عالية تتلقّاها السلسلة، لدرجة أنّ التلفزيون الرسمي عمل على نقل الشخصية إلى مجال الإشهار، وأضحى "كبّور" ربما الشخصية الأشهر في تاريخ التلفزيون المغربي. لكنْ، ما الذي يُقدّم حسن الفذ إلى المشاهد المغربي؟ حتى تعمل الوسائط البصرية على تكريسه ممثلاً (وهو كذلك) وصانعاً للترفيه والاستهلاك في المغرب؟ 
 
الحقيقة أن طرح سؤال كهذا، يكتسب أهميته ليس بتوجيهه إلى السلسلة عينها، بل إلى جهات الإنتاج التي تتعمّد كل سنة إعادة تدوير شخصية "كبّور" وضخ نكت جديدة في شرايينها، وتقديمها على أساس أنّها عمل تلفزيوني جديد. ففي السلسلة نفسها التي اختار لها المخرج هذه المرة "التي را التي" (2022)، يتبدى للمشاهد جيداً أن السلسلة، لم تعد تمتلك من الخصوصيات الفنية والمؤهّلات الجمالية، ما يجعل المشاهد متشوّقاً إلى مشاهدتها، لأنها أضحت مبتذلة من فرط تكرارها وغدت مجرّد تنميط فنّي، يتعمّد المخرج بين الحلقة والأخرى إغراقنا بسيل من الإكسسوارات البصرية وبجماليات الصورة وبوضعيات التصوير وبالوجوه الجديدة، مع أنّ الجوهر نفسه لا يتغيّر.
 
هذا الأمر، قاد الكثير من الناس إلى التعبير بطلاقة عن رأيهم في السلسلة، بعد أن تعوّدوا مشاهدتها على مدار سنوات داخل بيوتهم. لكنّ السلسلة الجديد بدت صورها أكثر تصدّعاً وهشاشة من كل الأجزاء الأخرى القديمة/ الحديثة.

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.