غدت الصحافة المغربيّة توأماً للسلطة منذ تجربة "التناوب التوافقي" السياسيّة عام 1998، ولم يعد هناك ما تخسره، حين طرق اليسار باب السلطة المركزيّة ووضع كلّ فكره النقدي على أعتاب بابها.
أمر كهذا أضحى بمثابة حقيقة أو مسلّمة يقينية يعرفها المثقّف والمجتمع معاً. بل إنّنا نجد بعض الإعلاميين أضحوا أشبه بـ"الدكتاتور الصغير" لا يتوقّفون عن نفي مشاعر الناس وصورهم وآرائهم من أجل الفوز بسبقٍ صحافي. وهذا الأمر بالذات ما عاينّاه لمدّة 5 أيام خلال عملية إنقاذ الطفل ريان الذي توفي أمس السبت، رغم التمكن من انتشاله من داخل البئر في عمق الجبل بإقليم شفشاون، في وقت تخلّت بعض المنابر الإعلامية عن كل مهنيتها في نقل حيثيات الحدث للناس داخل بيوتهم.
أخفق معظم السلطة الرابعة في عملية النقل، لدرجة أنّ المشاهد المغربيّ أصبح يتجاهل تغطيات الصحافة الرسميّة، وبات الناس يوجّهون أنظارهم صوب وسائل التواصل الاجتماعي وقنوات عربيّة، عملت على البث المباشر للحدث وتحرّكات الناس بمحاذاة الجبل.
منذ بداية عملية الحفر لإنقاذ الطفل ريان، استغلّت بعض المنابر الإعلامية المغربيّة الأطفال والنساء من أجل تقديم تصريحات عن الطفل وملامح الحفر لم تنطلق بعد. لا أحد يعرف في تلك المرحلة المتقدّمة من عملية الإنقاذ شيئاً، بمن فيهم المواطنون الذين تطوّعوا لإنجاز العملية. ومع ذلك خرجت مواقع إلكترونية ومنصّات لتقديم جملة آراء مفبركة ومرتبكة وكاذبة، مستغلّة تصريحات سكّان القرية من أجل دغدغة مشاعر الناس وتجييش عواطفهم وحضّهم على معاينة أخبارها وتتبّع تغطياتها الآنية.

إنّ تحوّل القارئ المغربي صوب المنابر العربيّة والأجنبية، يضمر في طيّاته الصورة التي غدا عليها بعض الإعلام المغربي في عيون الناس. لا أحد أصبح يثق بالأخبار الرسميّة المتأخّرة، في لحظة صنع فيها المدوّنون المغاربة الحدث وجعلوا القضية تأخذ منذ اليوم الأوّل طابعاً عربياً، حتّى أضحت في اليوم الثالث قضية دولية استدعت تدخّل رؤساء ونجوم ومشاهير كبار من العالم في الرياضة والسينما والتلفزيون والسياسة. ما فعلته كاميرات هواتف سكّان القرية على تواضعها التقني والبصريّ، لم تقُم به معظم القنوات المغربيّة بكل طاقمها الإعلامي.
لقد كسر المواطن المغربي أفق الإعلام الرسميّ، وجعله يبدو باهتاً وتقليدياً، في ضوء معلومات جديدة تصل إلى الناس في سرعة البرق. ليس لسكّان القرية ما يربطهم بالصحافة، لكنّ حسّهم الإنساني العالي، جعلهم يفطنون ويحسّون بآلام المغاربة في بيوتهم، يترقّبون أيّ خبر جديد حول العملية، ما جعل البعض يخصّصون صفحات وسائل التواصل لوضع فيديوات جديدة وصور حديثة، تؤكّد وتفنّد بعض زلّات وأهوال المنابر الإلكترونية المغربيّة في نقل الحدث.
فقد غدت معلومات سكّان القرية من عين المكان جديرة بالثقة والقراءة مقابل موّاد بصريّة فادحة استغلّت الناس وتاجرت بمشاعرهم، انطلاقاً ممّا قدّموه لها من تصريحات عن الطفل وعائلته.
تنديد بالخروقات الإعلامية
هذا الوضع جعل "المجلس الوطني للصحافة" في المغرب يتدخّل تدخلاً عاجلاً لإصدار بلاغ صحافي رسميّ يتناول هذه الخروقات المشينة التي ارتكبها بعض المنابر الصحافيّة خلال محاولات الإنقاذ، معتبراً أنّ سلوكها يعدّ مخالفة "لميثاق أخلاقيات مهنة الصحافة، والتي ارتُكبت من طرف بعض الصحف الإلكترونية، في تجاهل تام للمبادئ الإنسانية التي يتضمّنها الميثاق المذكور، والتي من المفترض أن تلتزم بها المقالات الصحافية والصحافيون المهنيون، خصوصاً في ظلّ أزمات وفواجع، لا يمكن أن تتحول بأي حال من الأحوال إلى مجال للربح المادي والإثارة الرخيصة".
وفي وقت خرج بيان المجلس، ثمّ تلته تصريحات رئيسه يونس مجاهد لتثمين وضرورة الالتزام بميثاق أخلاقيات الصحافة، وأيضاً لتوجيه نقد مبطّن لمثل هذه الممارسات، كانت بعض المنابر الإلكترونية تسافر صوب مدينة شفشاون من أجل إخضاع سكّان القبيلة لجبروت آلاتها الإعلامية، وخلق نوع من الإثارة البائسة من أجل تحريك مشاعرهم داخل منازلهم وفضاءات عملهم. فقد حدّد "المجلس الوطني للصحافة" في بيانه العديد من الخروقات، ووضّح معالمها تدريجياً وبالتفصيل عبر وضع نماذج لها، وتتعلّق في مجملها بطرق ووضعيات تصوير الطفل واستجواب الأطفال القاصرين والترويج لمعلومات غير صحيحة لأغراض تجارية محضة.
لكنْ إلى جانب الصحافيين الأفذاذ الذين كانوا بالأمس في المكان ونقلوا الأخبار للعالم، وما عاشوه من ضعف نفسيّ ومعاناة أجسادهم وتعبهم وجوعهم، لم يتأخّر المغاربة والمدوّنون عن توجيه النقد اللاذع لهذه المنابر الإعلامية التسويقية، التي تاجرت بعملية إنقاذ ريان، مثيرين الرعب في قلوب المغاربة بهدف حضّهم على مشاهدة أخبارها وفيديواتها، من دون أيّ جديد أو مهنية.
لكن في وقت انتظر العالم إنقاذ الطفل ريان وإخراجه من عمق البئر وسط الجبل، سجّل القارئ أواصر الصداقة التي نُسجت في خفّة بين الناس وهواجس التعاون المُتبدّية على وجوههم وتفكيرهم وسلوكهم، من خلال مشاركة الصّوَر والفيديوات والدعاء والصلاة والتوجّه إلى مكان الحدث.
والأكثر من ذلك، لم تبقَ يوميّات الحدث مرتبطة بالمغاربة وعائلاتهم، بل تشعّب الأمر أكثر حتّى أضحى ريان قضية دولية في نظر الصحافة العالمية، تستدعي التدخّل ومناقشة الأفكار والسبل التي ينبغي من خلالها إخراج الطفل بأقلّ الأضرار الممكنة، رغم أنّ مهمّة الإنقاذ البطولية الشعبية لم تنجح في إخراج الطفل ريان حياً إلى والديه وأصدقائه في كل مدن العالم.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي
4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي
4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا
4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.
نبض