ليس مهما كيف يدخل مصطفى الكاظمي الى البيت الابيض، وانما بماذا سيعود الى بغداد.
هذا هو الامتحان الحقيقي لتقييم زيارته ولقائه بالرئيس الاميركي دونالد ترامب، اذ ان نتائجها ستتجلى على الارض العراقية، وليس في أوراق الملفات الكثيرة التي حملها في حقيبته الى المكتب البيضاوي.
ومع ذلك فان الكتاب يقرأ من عنوانه. اصرار الادارة الاميركية على النظر الى "عراق الكاظمي" من منظور التهديد الايراني وحده، ظالم للعراقيين، ولتطلعات الكاظمي نفسه لتغيير صورة العراق وأولوياته.
وبمعنى أكثر وضوحا، فان مضي ترامب، في تحديد سياساته واهتماماته الاقليمية، بالتركيز على مدى ارتباط هذه الملفات بالشأن الايراني، يقود الى نتائج مشابهه للخذلان الجماعي له في مجلس الامن الدولي قبل ايام عندما حاول تمديد حظر السلاح على طهران، وتركه الجميع وحيدا، حتى حلفاؤه، باستثناء الدومينيكان.
وقد ذهب الكاظمي الى البيت الابيض وقد تأبط كل أوراقه الرابحة. اطلق موعدا لاجراء انتخابات مبكرة، أطاح برؤوس أمنية لتقصيرها أو مسؤوليتها عن العنف ضد المتظاهرين، جرب وضع اليد على معابر حدودية متفلتة (بعضها مع ايران)، أجرى تغييرات كبيرة في قيادات الاجهزة الأمنية والعسكرية، وتعهد بحماية المنشآت الاميركية في العراق وفق مقررات جولة الحوار الاستراتيجي التي جرت في حزيران/يونيو الماضي.
هذا كثير بالنسبة الى رجل لا يملك حزبا سياسيا يسانده، ولم يمض سوى 3 شهور في رئاسة الحكومة في العراق. ومع ذلك، فان عيون ترامب وبومبيو وآذانهما، ستهتم بملف آخر: ماذا فعلت يا الكاظمي لتقليم أظافر ايران داخل العراق؟
ولن تكون لدى رئيس الحكومة العراقية أجوبة شافية لهما، ليس لأنه لم يحاول، وانما لانه يدرك عمق هذا الملف وتعقيداته، وان دفعه دفعا من جانب الاميركيين، أو غيرهم، للاشتباك المباشر مع الايرانيين، يعكس قصر نظر جديدا من جانب واشنطن، فهو يدرك انه لا يمكنه ان يكون "صدام حسين الثاني"، وهو أساسا ليس خيار المواطنين العراقيين الذي لم يعرفوا سنوات هانئة ، أقله منذ خمسين سنة.
اذا، لا يمكن للكاظمي المقامرة من أجل ان تسجل نهايته السريعة لتجربته القصيرة في الحكم. وهو في الوقت نفسه، لا يريد من يجره الى خيارات تأخذ العراقيين للمرة الألف الى ... "معركة الجمل".
لا بل ان بامكان الكاظمي ان يذكر ترامب بأنه حقيقة جرب. فقبل أن يأتيه الى واشنطن، بمقدوره ان يقول له انه بدأ بمعاجلة هذا الملف الملتهب، عندما اعتقلت قوة من جهاز مكافحة الارهاب بقيادة رجل تقدرونه اسمه عبدالوهاب الساعدي، خلية تابعة لكتائب حزب الله، كانت تخطط لشن هجوم بالصواريخ على المنطقة الخضراء حيث مقر السفارة الاميركية.
لكن الحادثة كلها، جرت معالجتها على الطريقة العراقية المتعارف عليها بألا يموت الذئب ولا يفنى الغنم.
ولهذا فان الكاظمي سيشعر بالمرارة اذا اختصر الأميركيون زيارته بالتركيز على "التهمة الايرانية"، وربط أي معالجة أميركية للملفات العراقية المتراكمة، والملحة، بمدى قدرة بغداد على نفي هذه "التهمة" عنها، عوضا عن تطلع ترامب الى الكاظمي كرئيس لحكومة ورثت عقودا من الظلم ثم الغزو ثم التناحر ثم الارهاب والفساد، وانه لا يملك عصا سحرية ليقول كن فيكون.
وهو في نهاية الأمر، أسير الكثير من هذا الارث والتاريخ، مثلما هو أسير الجغرافيا التي لها ألغامها وأوجاعها وخصوماتها.. ومستنقعاتها، تماما كالتي وقع فيها من قبل سلف ترامب، جورج بوش، وأفضت الى عراق أكثر تشرذما وألما.
هل سيتنبه ترامب الى كل هذه الخلفية في مشهد دخول الكاظمي اليه في البيت الابيض؟ غالب الظن أنه لن يفعل، وللأسف، سيكون همه الشاغل احتساب مكسب الزيارة هذه في صناديق الانتخابات بعد أسابيع قليلة.
هذه هي الرسالة الموجعة والحقيقية في زيارة الكاظمي.، والتي بالمناسبة، بامكان ايران قراءتها ... بتفهم.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
مجتمع
5/15/2026 11:54:00 AM
فيديو يظهر إشكالاً في الناعمة يتطور لتضارب ودهس، مما يؤدي لمقتل امرأة وإصابة آخرين.
نبض