خطوات مهمة كثيرة في المنطقة بدأت تبلور، وفق مصادر دبلوماسية، عناوين استراتيجية على خلفية تطورين، أو بالأحرى عاملين لا يمكن تجاهل مفاعيلهما: الأول هو الابتعاد الأميركي عن المنطقة، وحصر السياسة الخارجية للسنة الأولى من عهد الرئيس جو بايدن بالعمل من أجل العودة الى الاتفاق النووي مع إيران. قبل أيام فقط تبلورت إعادة نظر أميركية، تمظهرت في رفض حظر بيع أسلحة أميركية الى المملكة العربية السعودية، بناءً على إصرار حاسم وحازم من الرئيس الأميركي نفسه في وجه الكونغرس الذي كان رافضاً أو متحفظاً عن ذلك، ليضطر الى تغيير مقاربته تحت وطأة استمرار الحوثيين في رفض الحل السلمي، وكذلك استمرار استهداف المملكة بالصواريخ والطائرات المسيرة.
من غير المستبعد أن تكون الإدارة الأميركية قد استدركت خطأً ارتكبته، وفق ما ترى المصادر الدبلوماسية، بناءً على صفقات ضخمة من بيع الأسلحة التي عقدها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع السعودية ودول خليجية أخرى، فيما دفع التركيز على إيران وحدها بالدول الحليفة، بعيداً من الولايات المتحدة، من جهة، كما دفعها، من جهة أخرى، الى السعي الى بلورة استراتيجية جديدة من العلاقات والتوافقات بناءً على المعطيات الجديدة، أكانت تتمثل في الابتعاد الأميركي عن المنطقة فعلاً أو في العودة الى الاتفاق النووي مع إيران التي، كما تقول هذه المصادر، تدفع ثمن توسع التطبيع العربي مع إسرائيل، نتيجة عدوانيتها وتوسيع نفوذها في دول المنطقة، لا سيما في العراق وسوريا ولبنان واليمن. إيران مسؤولة الى حد كبير، بالإضافة الى مسؤولية تركيا أيضاً، عن فتح ملف التطبيع مع إسرائيل على غاربه، فيما تسعى كل منهما بدورها الى علاقات انفتاح مع الدول الخليجية في وجه التحديات التي تواجهها.
العامل الثاني هو أن المفاوضات الغربية مع إيران فرضت وقائع جديدة، على رغم عدم التوصل الى اتفاق على العودة الى العمل بالاتفاق الذي وقع في 2015. باتت الدول الخليجية والعربية إجمالاً أكثر حذراً وأكثر براغماتية في العمل من أجل البحث عن مصالحها المباشرة، لا سيما أن الولايات المتحدة كانت صريحة بإعلانها وجوب أن تهتم الدول الحليفة لها في المنطقة بنفسها بعيداً من الاعتماد عليها. فلا يمكن في هذا السياق تجاهل ديناميتين لا يمكن الجزم بتنافسهما أو عدمه ولا بتكاملهما أيضاً، ولكنهما مؤثرتان على نحو بالغ في حال نجاحهما: الدينامية الأولى بقيادة الإمارات العربية، من زيارة تركيا وسوريا فإيران وتتويجها باستقبال رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت.
هذه الدينامية تبلور دوراً في السعي أو محاولة خلق تفاهمات في المنطقة ستكون لها تداعياتها، فيما لم يحدث جمع هذه التناقضات وقعاً سلبياً، لا في سوريا الساعي نظامها الى اعتراف عربي به، ولا حتى في إيران التي لم تظهر اعتراضها أمام الضيف الإماراتي على التطبيع مع إسرائيل قبل أيام من استقبال الإمارات رئيس الوزراء الإسرائيلي.
وهناك الدينامية السعودية التي أخذت زخماً من اعتراف فرنسي غير مسبوق بنفوذ ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، على نحو يدشن مرحلة تعاط مختلفة معه، ومن جولة في دول مجلس التعاون الخليجي شملت أيضاً الإمارات وقطر، كذلك تحضيراً للقمة التي ترأستها الرياض في 14 الجاري. ولا تغيب عن هذه المعادلة مواصلة اللقاءات السعودية الإيرانية التي في حدها الأدنى تؤمن تواصل الحوار، ولو من دون نتائج فعلية مرتقبة حتى الآن. فبرنامج إيران النووي وكذلك استمرار تغذية إيران أذرعها في المنطقة، لا سيما دعم الحوثيين في اليمن، يلقيان بثقلهما على أي مناقشات أو مباحثات، ولكن الهموم الاقتصادية تطغى أيضاً بقوة، لا سيما لدى كل من إيران وتركيا في الدرجة الأولى.
هل باتت الدول الخليجية تتحرك لاستعادة الدور العربي وفرض نفسها في معادلة المنطقة التي كانت تتنافس عليها إيران وإسرائيل وتركيا في الأعوام الماضية، فيما تغدو الآن محور سعي الدول الثلاث الى علاقات متميزة مع الدول الخليجية لعدم القدرة على تجاوزها، أو في سعي هذه الأخيرة الى استيعاب هذه الدول بدلاً من مواجهتها؟ ثمة ما يشي بذلك في ظل السعي الى الانفتاح على النظام السوري، على رغم ارتكاباته ووجود راعيين له هما روسيا وإيران، وكذلك السعي الى عدم ترك لبنان في أشداق إيران لكي تبتلعه، فيما العراق خطا خطوات صعبة على طريق إعادة استيعابه عربياً، ولا يزال يواجه استعصاء على هذه الطريق، ربما في انتظار تفاهمات إقليمية قد تكون على الطريق.
تتجه هاتان الديناميتان اللتان تتلاقى معهما ديناميات لا تقل أهمية، وإن تكن أصغر حجماً، إذ انضمت مصر الى هذه الديناميات وقطر أيضاً، في اتجاه معالجة أكثر هدوءاً واستيعاباً، وربما إنتاجية، لكل ما يواجه المنطقة، وتخفيف تأثير التوترات الإقليمية. ثمة ما هو قيد التحضير والإعداد، ولم تتبلور نتائجه بعد، ولكن لا الزيارات الدبلوماسية في اتجاهات متعددة يمكن تجاهلها ولا الاجتماعات أيضاً، علماً أنها بعيدة كلياً من حيث المبدأ من التركيز الغربي أساساً على الاتفاق النووي، ولو أنه يقبع في الأفق للديناميات الحاصلة.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/28/2026 10:25:00 PM
من المتوقع أن يصدر قرار التعيين عن جلسة مجلس الوزراء الخميس...
لبنان
4/29/2026 10:32:00 AM
هل ستُهاجم إسرائيل العاصمة بيروت؟
لبنان
4/29/2026 10:51:00 AM
اكتشاف مغارةٍ جديدة والكشف عن طبيعتها ومعالمها في خراج بلدة تاشع أعالي محافظة عكار
نبض