عادل داوود... الوحوش الصديقة والرسّام الصغير
صغيراً، لم يكن يعرف ما هو الرسم، ولكنّه يذكر جيداً أنّه مذ كان في المرحلة الابتدائيّة في المدرسة، كان يرسم. "أنا ما كنت أعرف شو هوي الرسم. كنت بس بعرف إنّو بالنسبة إلي كان مثل السحر، أو مثل اللعبة اللي بلعب فيها، وبعمل من دائرة: بورتريه".
صغيراً، لم يكن يعرف ما هو الرسم، ولكنّه يذكر جيداً أنّه مذ كان في المرحلة الابتدائيّة في المدرسة، كان يرسم. "أنا ما كنت أعرف شو هوي الرسم. كنت بس بعرف إنّو بالنسبة إلي كان مثل السحر، أو مثل اللعبة اللي بلعب فيها، وبعمل من دائرة: بورتريه".
عندما رسمت "الآنسة" (المعلّمة)، ذات يوم دائرة، "وعملت كم خط" شعر الفنان التشكيلي السوري عادل داوود (1980) بما يُشبه الافتتان. فكيف يتحوّل هذا الشكل الأولي لبورتريه "ع شوي حيحكي- كانت بالبداية متل اللعبة إلي".
ابتداءً من الصف الرابع تحديداً أو الثالث، راح الرفاق في الصف ينادونه "الرسّام"، "رسّام الصف"، "رسّام المدرسة". وهو كان يُقلّد "الآنسة"، ويمضي أوقاته في البحث عن أي شيء يستطيع أن يرسم عليه ليتمكن من اللهو، إذ إن الألوان والأشكال كانت لعبته الحقيقيّة، "لعبة الطفولة اللي شوي شوي صارت تكبر، وتنضج وتتطوّر". وسُرعان ما "اعتقلته" أرجوحة لوحة الألوان، ومادة الرسم غلبت كل المواد الأخرى في المدرسة. ومن أجلها تخلى عن الدروس الأكاديميّة الجافة، واستبدلها بالخطوط وأيضاً بالكتابة. من أجلها هجر كل شيء وبنى مرسمه الصغير المصنوع من خشب. هُناك، في محافظة الحسكة القائمة شمال شرق سوريا، حيث وُلد ونسج ذكرياته الأولى في المنطقة بغالبيتها الكرديّة.
اليوم، يُعدّ عادل داوود في أوروبا أحد أبرز الفنانين الذين حوّلوا الهجرة والغربة ملحمة بطوليّة تقطن في ثنياتها وحوش صديقة تخرج من روح هذا الفنان الذي يُقال إنه لا يستطيع العيش خارج دفتي الكانفا، ولا يعير تفاصيل الحياة أهميّة كبرى، هو الذي يتعامل مع "تفاصيل الكانفا" بدقّة تُجاور الهوس.
لكن الرحلة إلى النجاح كانت طويلة ومُضنية. والوحوش الصديقة رافقته في كل المراحل، وغالباً ما زارت لوحاته التي تتربّص خلفها هُتافات الحرب ونسيم الهجرة الذي يوصلنا إلى الأمان.
... وذات يوم، ترك المدرسة "العادية" بموادّها الجافة التي لا توقظ بالضرورة الروح الجائعة، واستبدلها بالتركيز المُطلق على الرسم الواقعي والأكاديمي في إحدى المدارس الخاصة التي كانت "مهمّة كتير بهيداك الوقت". ورفاق الدراسة كانوا أكبر منه بكثير، و"كانوا يقولولي: الرسّام الصغير".
اليوم، يقطن عادل داوود فيينا الراقية، حيث يُعدّ "قصّة كبيرة"، فتُلقى التحيّة لأعماله التي تمتزج فيها الوسائط الفنيّة وتُسيّجها رقصة الحرب الدامية ويسكنها طيف الهجرة.

لكن الرحلة إلى الأمان والاستقرار كانت طويلة محفوفة بصمت الوحوش الصديقة التي غالباً ما تزور لوحاته، وتروي بعض فصول من الرفات البشريّ وهي بكل تأكيد رد فعل مُباشر للحرب التي اندلعت ذات يوم وبدّلت كل المقاييس. وعندما شعر بأنه في الحسكة سيُطلق عليه لقب "فنان" في وقت هو ما زال يُريد أن يتعلّم ويتطوّر، قرّر العودة إلى الدراسة، "ما لازم دغري العالم يقولولي إنك إنت فنان". فإذا به يحلم بالانتقال إلى "مكان صعب"، لن يُلقّبه فيه الناس بالفنان على الفور، هو الذي لم ينهِ بعد الدراسة والتطوّر. فكانت "الشام"، حيث درس "من الصفر" على الرغم من كونه كان قد أطفأ 24 شمعة. وفي المدينة التي تعقص شعرها بدلال العاشقة الجريحة، بدأت هجرته الأولى. وكانت الدراسة في كلية الفنون الجميلة – دمشق، وكان "أول إحساس بالغربة الحقيقيّة" على اعتبار أن الثقافات مُختلفة بعض الشيء بين المنطقة الشماليّة ومنطقة الداخل. وحقق عادل داوود "حلم الشام" من خلال الدراسة الأكاديميّة، حيث وظّف بحسب ما يروي لي خلال حديث طويل من فيينا كل ما تعلّمه ليرسم الحسكة بمساحاتها الكبيرة وأرضها الزراعيّة ومجموعة ألوانها الواسعة.
واندلعت الحرب ذات يوم تبدّلت فيه المقاييس وغالباً ما كان عادل يمكث في المنزل لأيام طويلة من جراء القصف المتواصل، و"شعرت إنو، لا، هيدي حرب حقيقيّة". وتبدّلت لوحة الألوان الخاصة به، بفعل استيقاظه يومياً على أصوات الانفجارات والقصف. واستقرّت على اللون الرمادي. وبعد فترة انتقاليّة أمضاها في العاصمة اللبنانيّة، انتقل إلى فيينا حيث تفتّحت عشرات الفصول من كتاب حياته. ولكن بيروت كانت أشبه بالسحر بالنسبة لهذا الفنان. التناقضات في العاصمة أربكته، "حتى الطقس كان يخضع لتقلّبات أثّرت على نفسيتي. فجأة بصير في مطر. فجأة بصير في شمس. فجأة بصير كل شي".
"هادا الجمال حقيقة ما لقيتو في فيينا"، إذ إن عادل يُحب التغيير المفاجئ. تسحره الأشياء التي تتبدّل تبدّلاً مفاجئاً.
ووصلت الفيزا إلى النمسا، حيث العراقة والمتاحف. وبدأت هجرة اللجوء. والرحلة إلى النجاح الذي يحضنه حالياً ويُهدهد انكساره، كانت طويلة. كان على عادل داوود بدايةً أن يعيش في مأوى يعيش فيه كل من يرى في الشارع منزله الوحيد. مأوى تابع لجمعيّة خيريّة ذائعة الصيت. وخلال 9 أشهر أمضى عادل يوميّاته في غرفة صغيرة تقاسمها مع 9 أشخاص. وكان يرسم طوال الوقت. "كان عم يطلعلي أشياء غريبة جداً باللوحة. ما كان في عندي مكان فكنت عم بشتغل على أوراق زغيرة كتير". في الغرفة الصغيرة التي تقاسمها مع 9 أشخاص غالباً ما عبّروا عن صراخهم الداخلي بالصمت، "كنت حاول ما أوقف عن الرسم لأنو ما بدي وقف عمليّة التفريغ، وإلا راح اكتئب. لأنو الوضع كان كتير سيّئ". راح عادل داوود يرسم بلا توقف خوفاً من أن يمرض أو أن تتدهور حالته النفسيّة بفعل الضغوط التي عاشها دقيقة فأخرى.
خلال سنة ونصف السنة لم يفهم لغة البرد القارس في أوروبا، وجرت العادة أن يرسم الأشخاص الذين تقاسم وإياهم لحظات الاستسلام المُسيّجة بالصمت في الغرفة الصغيرة. "تأثرتُ كثيراً بهذا الصمت. صرت أرسم أشياء أسطوريّة. في الفترات الأولى في سوريا، كانت رسومي (ألواناً) وعبارة عن جماليّات".
في الغرفة الصغيرة تحوّلت الرسوم إلى وحوش.
"الوحش في داخلي راح يكبر. أشعر كأن الوحوش هي التي كانت ترسمني. لم أملك الألوان في تلك الفترة. رسمتُ بالأسود والأبيض". وذات يوم، صادف إعلاناً يبحث فيه أحد المتاحف العريقة عن فنانين جدد يُطلقهم من خلال مُسابقة قدّم عليها "فوق الـ700 فنان بمن فيهم أنا". في التصفية الأولى، وصل العدد إلى 50 فنّاناً، وبعدها 20، بمن فيهم عادل.
وهو "على تخت اللجوء"، ذات يوم، وصله اتصال: "وافقنا عليك". وانتقل من السرير الذي حوّله طوال أشهر طويلة إلى مرسم تقطنه الوحوش الصديقة، إلى المتحف حيث شارك في معرض مهم، ووقّع بعدها عقدين مع أكثر من غاليري.
ومنذئذٍ وهو يُعالج الفقدان في الأعمال التي يُصفّق لها الغرب وينحني احتراماً للوحوش التي تسكنها. ولكنه يُعالج كل الموضوعات بأسلوب غير مُباشر.
"سوريا علّمتني إني ما إحكي عن الحرب السوريّة فقط، بل إحكي عن كل شيء إلو علاقة بالقتل. كل شيء إلو علاقة بالإنسانيّة. سوريا علّمتني كيف إشتغل على موضوع يُلامس كل البشريّة".
والهجرة تُرافقه إلى جانب الوحوش الصديقة، ولكن بأسلوب غير مُباشر.
"اللوحة ما لازم تكون بشكلها المُباشر. لازم توجّه رسالة بشكل غير مُباشر، على اعتبار أن الفن لم يكن يوماً المُحرّض على القتل".
في فيينا، وقّع عقوداً في غاية الأهميّة. فيينا قدمت له الراحة، فكانت فرصة ليتمعّن بالذاكرة. وهو يتحاور بنحو متواصل مع العمل، ومع المفردات التي يرسمها. يُضيف إلى كل الأعمال الأسلوب التعبيري الذي يُميّزه. لا يغور في السياسة. وفي الوقت عينه يُدرك تماماً أن من المستحيل أن ينسلخ عن مُجتمعه. عادل داوود لم ينسلخ عن ذاكرته، "ذاكرتي هي دائماً المُحرّض للأمل. والمرسم (المحترف) هو المكان المقدّس بالنسبة لي. وفيه أفرّغ كل شحناتي وكل عواطفي".
لم ينس الحرب على الرغم من كونه مُستقرّاً في بلد قدّم له الأمان، وفيه المتاحف وعشرات الفنانين الكبار "اللي كانوا يعطوني طاقة كبيرة كتير". وهو يوظّف كل العواطف بأسلوب له علاقة بالتعبيريّة ليروي قصصاً انفعاليّة عن أصوات الحرب ونسيم الهجرة، والوحوش الصديقة التي أمسكت بيده في الغرفة الصغيرة في المأوى الذي حضن انكساره قبل أن ينتقل إلى الشهرة والنجاح، وهذا الصمت الثقيل الذي كان يتحاور من خلاله مع الأشخاص الـ9 الذين تقاسم معهم الأيام والأنفاس.
وأين المشكلة إذا كاد عادل ونُزلاء الغرفة الصغيرة يصلون إلى مرحلة الجنون لولا تدخل شياطينهم الداخليّة الصديقة التي سمحت لكل واحد منهم على طريقته بأن "يُفرّغ" ويُعالج نفسه بسكون تربّص خلفه كل خوف الكون؟
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
العالم العربي
4/27/2026 9:12:00 PM
يمثل علي الزيدي نموذجاً لقيادة تجمع بين الخبرة العملية والرؤية المستقبلية في العراق.
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
ثقافة
4/26/2026 7:28:00 PM
"سوبر ماريو غالاكسي" أول فيلم في 2026 يحقق هذا الرقم.
لبنان
4/28/2026 10:25:00 PM
من المتوقع أن يصدر قرار التعيين عن جلسة مجلس الوزراء الخميس...
نبض