شهدت العلاقات الخليجية - اللبنانية في الساعات الأخيرة تطوراً ملموساً تمثّل بعودة سفراء خليجيين تقدّمهم سفيرا السعودية والكويت إلى بيروت، وذلك بعد أكثر من خمسة أشهر على استدعائهم، على خلفية تصريحات وزير الإعلام اللبناني السابق جورج قرداحي حول الحرب اليمنية.
وتأتي الخطوة الخليجية نتيجة لنشاط دبلوماسي فرنسي وكويتي خلال الفترة الماضية، وانعكاساً لنتائج القمة التي عقدها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، من جهة، والمبادرة الكويتية التي تمثّلت بزيارة وزير الخارجية الكويتي الشيخ أحمد ناصر المحمد الصباح قبل أسابيع لبيروت، من جهة أخرى.
وتهدف الدول الخليجية من خلال "العودة إلى لبنان" إلى تعزيز موقع خصوم "حزب الله" في الداخل، ودفع المتحالفين معه إلى ممارسة ضغوط عليه أو تحييد أنفسهم على أعتاب الانتخابات.
وكانت رئاسة الجمهورية اللبنانية وصفت زيارة وزير الخارجية الكويتي بأنها "مبادرة إعادة بناء الثقة". فعلى ماذا يعول الجانب الخليجي بهذه العودة؟
فرنسا الضامن الدولي
منذ اشتعال الأزمة بين لبنان والسعودية برزت فرنسا كأبرز وسيط دولي بين الأطراف اللبنانية والدول الخليجية، مدعّمة بالتفويض الخليجي وتجاوب الدول الخليجية مع مبادراتها بشكل عام، ومستفيدة في الوقت ذاته من ثقلها في لبنان، كونها نجحت في الحفاظ على علاقات جيدة مع كل الأطراف اللبنانية بمن فيها "حزب الله". هذه العوامل رفعت من أسهم باريس وقدرتها على تفعيل دور الضامن في هذا الملف.
وتمخضّت زيارة ماكرون للمملكة نهاية العام الماضي، عن اتفاق سعودي - فرنسي على مساعدة لبنان، شرط ألا تصل هذه المساعدات إلى خصوم الرياض في لبنان أي "حزب الله".
ليس من الصعب التنبؤ بأن يعقب التطبيع الخليجي وصول مساعدات خليجية - فرنسية إلى لبنان، وذلك كخطوة أولى لعودة العلاقات الدبلوماسية في تنفيذ لمقررات الاجتماع المذكور.
ومن ضمن مساعيها لترميم الوضع اللبناني، تعمل فرنسا على التحضير لمؤتمر حوار لبناني - لبناني في باريس بعد الانتخابات الفرنسية التي ستنطلق دورتها الأولى الأحد، بحسب معلومات خاصة حصل عليها "النهار العربي"، من مصادر متابعة، وقد وافقت كل الأطراف اللبنانية على حضور هذا الحوار، إلى جانب قوى عربية أبرزها المملكة العربية السعودية ومصر.
وتأتي المساعي الفرنسية ضمن سياق تاريخي فرنسي - لبناني، اذ تعتبر باريس لبنان نقطة نفوذها وقوتها في الشرق الأوسط، وبذلك فإن حرصها على إعادة لبنان إلى محيطه العربي، وحثّ الدول الخليجية على مساعدته، يصبّان في مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، كما يزيدان من أسهم ماكرون قبل الانتخابات الرئاسية.
صفحة جديدة
الخطوة السعودية تجاه لبنان تأتي ضمن مسار متكامل تقوم به المملكة في هذا التوقيت، فلا يمكن فصل الهدنة في اليمن التي بدأت مع حلول شهر رمضان المبارك والمشاورات اليمنية - اليمنية في الرياض التي تتم برعاية خليجية، عن هذه العودة.
كذلك تمكن إضافة الجلسات السعودية - الإيرانية في العراق التي توقفت بشكل موقت بحسب التكهّنات، إلى المسار المذكور، وبالتالي فإن أي نتيجة إيجابية في أي ملف ستنعكس تلقائياً على لبنان. قد تكون الخطوات القادمة متمثّلة في الانفتاح على سوريا، بخاصة بعد الزيارة التي قام بها الرئيس السوري بشار الأسد للإمارات، مع الأخذ في الاعتبار التنسيق السعودي - الإماراتي التقليدي في الملفات الإقليمية، والعربية منها بشكل خاص.
وفي هذا السياق يعرب الكاتب السعودي والباحث في العلاقات الدولية سالم بن عسكر اليامي في حديث إلى "النهار العربي"، عن أمله في أن "تساهم عودة سفير خادم الحرمين الشريفين إلى مقر عمله في العاصمة اللبنانية بيروت في فتح نافذة جديدة نتلمّس منها عودة تدريجية للعلاقات بصورتها الموسّعة والطبيعية مع الوقت".
ويرى اليامي أن "هذه الخطوة من الجانب السعودي، وربما تتبعها خطوات مماثلة من دول مجلس التعاون الخليجي، تأتي استجابة للأصوات السياسية والاجتماعية والثقافية اللبنانية التي تعوّل على دور الأشقاء العرب في صناعة كثير من محطات السياسة في الجمهورية اللبنانية".
كما يمكن أن يفسّر التعاطي الدبلوماسي بين الجانبين بحسب اليامي بـ"أن الحكومة اللبنانية اجتهدت في الفترة الأخيرة في تحقيق الكثير من متطلبات الجانبين السعودي والخليجي، فيما يبعد من علاقات الجانبين الأمور المتعلقة بتهريب المخدرات، أو المكاشفة بالعداء السياسي والإعلامي".
ويؤكد المحلل السياسي الكويتي مساعد المغنم في تصريح إلى "النهار العربي"، أن "عودة السفراء تأتي بعد نجاح الوساطة الكويتية التي قادها وزير الخارجية الشيخ أحمد ناصر المحمد الصباح الذي يحظى بثقة الأشقاء في دول الخليج من جهة، وكذلك بثقة الأشقاء في دولة الكويت التي تحقق نجاحات في الوساطات وإدارة الأزمات الدبلوماسية، وهو ما لمسته دول الخليج خلال وساطتها في الأزمة الخليجية واختراق معضلاتها ونجاحها".
ويبيّن المغنم أن "دول الخليج تتفهم ما يحدث في لبنان، وتعمل على احتواء الأزمة التي بات الأخير يعاني منها على كل الصعد. كما أن وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان لعب دوراً محورياً بالتنسيق والتعاون مع أطراف الأزمة للوصول الى تفاهمات ترضي جميع أطرافها، وكذلك البحث عن إيجاد ضمانات طويلة الأمد في شأن العلاقات الخليجية - اللبنانية".
تهديدات محتملة
وعن احتمال عودة التوتّرات بين الجانبين، يشير اليامي إلى أنّه "في السياسة الإقليمية كل شيء ممكن، والأساليب الإيرانية في إبعاد لبنان وشعبه من محيطه العربي أمرٌ متوقع، لكن ما يعوّل عليه العرب، وبخاصة أهل الخليج العربي في علاقتهم بلبنان أن تكون مصلحة لبنان الدولة والإنسان هي المقدمة على الولاءات الخارجية والمكاسب الطائفية".
ويؤيده المغنم بقوله: "لا توجد ضمانات لسلوك حزب الله، لكن اليوم يتفهم الأخير جيداً ما تعنيه مقاطعة دول الخليج للبنان، ورأى انعكاسات ذلك على الشعب والأزمة الاقتصادية التّي حلّت. انطلاقاً من ذلك يمكن أن يتفهم "حزب الله" الوضع الجديد وسيحاول التعامل مع المعطيات الحالية. لكن لا يستبعد أن تكون للحزب ردود فعل في مناطق معينة، سواء على الصعيد السياسي البرلماني أم على الصعيد الحكومي أم أيضاً على الصعيد الميداني. خلاصة القول إن "حزب الله" يعي جيداً أن دور دول الخليج في لبنان مهم جداً، وبالتالي سيسعى على الأقل لبث الطمأنينة في الشارع اللبناني، كون المقاطعة الخليجية للبنان انعكست على شعبيته".
نشاط شرق أوسطي مكثف
تعتبر التحرّكات السعودية الأخيرة جزءاً من نشاط شرق أوسطي لافت للانتباه خلال الأشهر القليلة الماضية. ولا يمكن فصل ذلك عن القمم العربية واللقاءات الأخيرة.
فمن المنطقي أن تتحرك الدول لحماية مصالحها في ظل متغيرات إقليمية ودولية ترسم خريطة العالم من جديد، ولا يمكن لدول الخليج أن تقف متفرّجة على إبرام اتفاق نووي جديد يحقق أهداف الجانب الإيراني، بالتزامن مع تصاعد الاعتداءات الحوثية على منشآت حيوية سعودية وإمارتية. كل ذلك يدفع بدول الخليج إلى ترتيب أوراقها من جديد في مسار لن يتوقف عند الأزمة اللبنانية.
يشرح الكثير من المحللين التغيرات التي تشهدها المنطقة ومحاولات ترميم العلاقات بين الخصوم والأشقاء في إطار التبدّل في السياسة الأميركية منذ تسلم جو بايدن الرئاسة وتغيّر أولويات واشنطن في المنطقة، لكن ربّما يكون لهذا التغير أثر إيجابي في الشرق الأوسط، من خلال إعطاء الأولوية للمصالح والعلاقات العربية - العربية على حساب الخلافات التي سادت لمدة أكثر من عقد تقريباً.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
5/3/2026 8:42:00 PM
طبع هاني شاكر ذاكرة أجيال توارثت أغنياته، حتى وصلت إلى الجيل زد وجيل ألفا.
فن ومشاهير
5/3/2026 4:44:00 PM
منذ تلك اللحظة، بدأ الربط الجماهيري بين شاكر و"العندليب الأسمر"...
فن ومشاهير
4/28/2026 9:56:00 AM
تحدث عكنان عن تجربته مع شاكر الراقد حالياً في مستشفى "فوش" في العاصمة الفرنسية باريس.
فن ومشاهير
5/2/2026 1:51:00 PM
تعكس الصورة جمال الطبيعة وبهجة المناسبة، ما يضيف لمسة خاصة للاحتفال، وتعتبر هذه اللحظات فرصة للتواصل مع الجمهور وإظهار جانب من حياة الأميرة.
نبض