03-01-2022 | 06:30

"القبر" حلم باهظ الثّمن في دمشق... السّمسرة بـ5 آلاف دولار وحل بـ"دفن الطّوابق"

"لو أردت الآن لوجدت لك منزلاً واثنان وعشرة ومئة ... لتشتري عقاراً في منطقتنا لو كانت "أموالك حاضرة"، ولكن أن أجد لك قبراً واحداً شاغراً فهذا ضرب من مستحيل، وإذا ما وجدنا، وطبعاً هذا مستحيل أقول لك، ولكن حضّر عشرة أو خمسة عشر مليون ليرة سورية، وربما أكثر". يضحك أبو عبود صاحب بقالية صغيرة في محيط شارع بغداد وسط العاصمة السورية دمشق وهو يشرح لـ"النهار العربي" عن مقبرة الدحداح المتوضعة في شارع بغداد لناحية دمشق القديمة.
"القبر" حلم باهظ الثّمن في دمشق... السّمسرة بـ5 آلاف دولار وحل بـ"دفن الطّوابق"
Smaller Bigger
"لو أردت الآن لوجدت لك منزلاً واثنين وعشرة ومئة... لتشتري عقاراً في منطقتنا لو كانت "أموالك حاضرة"، ولكن أن أجد لك قبراً واحداً شاغراً فهذا ضرب من مستحيل، وإذا ما وجدنا، وطبعاً هذا مستحيل أقول لك، حضّر عشرة أو خمسة عشر مليون ليرة سورية، وربما أكثر". يضحك أبو عبود صاحب بقالية صغيرة في محيط شارع بغداد وسط العاصمة السورية دمشق وهو يشرح لـ"النهار العربي" عن مقبرة الدحداح القريبة.
 
 تعتبر مقبرة الدحداح واحدةً من أكبر مقابر دمشق، وقد تكون من أهمها، نسبة لمن دفن فيها من الصحابة والأشراف وسواهم، وكل ذلك مجتمعاً يجعل البحث عن قبر داخلها عملية مستحيلة... يقول أبو عبدو: "هذه الملايين لا نراها في حياة أعيننا ليدفعها أولادنا لنا حين نموت". يضيف: "ممّ تشكو المقابر خارج دمشق؟ أم من المهم أن نتباهى أنّنا دفنّا موتانا وسط العاصمة؟ هكذا نحن الشوام ماذا ستفعل؟".
 
يضحك من جديد. يشير إلينا رجل جالس في البقالية بإيماءة من رأسه إلى أنّ صديقه مجنون، ويغرق الاثنان في نوبة من السخرية. يقول الرجل لـ"النهار العربي": "أقصى أحلامنا في هذه الحرب أن نصل قطعة واحدة إلى القبر، هنا، أقصد أن يجدوا جثتنا أولاً، ثم ليدفنوها في حديقة المنزل لا بأس، خمسة عشر مليوناً! أليس أمراً يدعو للجنون؟".
 
يترك "النهار العربي" الرجلين يكملان لعب طاولة الزهر، بعدما نشب بينهما خلاف حول أحقية الدفن في مقبرة حيّهم، هل هي لسكان المنطقة؟ العاصمة؟ كل سوريا؟ وبالتأكيد لن يصلا إلى نتيجة، فلا قبور متاحة.
 
 
ما ليس في الحسبان!
لم يكن لأحد أن يتوقع نشوب حرب كتلك التي تعيشها سوريا... حرب جعلت أعداد الأموات ترتفع إلى مئات الألوف في سنوات. طبعاً، من المستحيل تحديد رقم دقيق، وكل من يدّعي أنّ لديه هذا الرقم، لا شك بأنه غير دقيق، ذلك أن آلية التوثيق في هذا الملف ضعيفة للغاية، وهذا بحد ذاته بحث معمق آخر.
 
المهم أن الحرب فاجأت البلاد بمحدودية مقابرها على صعيد المساحات المنظمة للاستخدام للدفن وقدراتها الاستيعابية. وما إن هدأت الحرب قليلاً، حتى عصفت جائحة كوفيد-19 بالبلاد، فجعلت عدّاد الوفيات غير الطبيعية يتخذ مساراً تصاعدياً، وأيضاً لا أرقام دقيقة.
 
"طفنا مقابر دمشق جيئة وذهاباً لندفن والدي قبل أشهر عدة، عبثاً، لم نستطع، دفناه خارج العاصمة، في إحدى المقابر الريفية، هناك كلفنا القبر نحو مئتي ألف ليرة سورية فقط، إذا ما قورن الرقم بأسعار قبور دمشق المدينة، سيبدو قليلاً للغاية، ولكن قياساً بالواقع المعيشي للناس فهو مشكلة. صدّق، هناك أناس لولا القبور المُتبرّع بها لم تكن لتستطيع دفن موتاها، ورغم ذلك لا تستطيع بناء شاهد أو بقية المستلزمات الخارجية"، يقول علاء لـ"النهار العربي"، وهو أحد سكان باب مصلى.
 
الحلول البديلة
ثمة مقابر متعددة خارج العاصمة، أبرزها واحدة تقع في مدينة جرمانا في ريف دمشق، وفيها مثلاً تنخفض أثمان القبور والتكاليف بصورة عامة، فجزء منها مملوك لوزارة الأوقاف، ما يجعلها تقدم مجاناً، ليترتب على عائلة المتوفى إتمام دفع مصاريف ونفقات الوفاة الأساسية، وما يتبعها من إعمار للقبر بشكله المعروف المحلي، وبالتأكيد أجور حفر القبر قبل ذلك، ولكن، ما يخشى منه أن ترتفع أسعار بقية القبور المجاورة في ظل أعداد الوفيات المتزايدة أخيراً، وتحت الضغط المحلي من جهة، والضغط الآتي من قلب العاصمة من جهة أخرى... الضغط في الطلب على القبور.
 
"النهار العربي" علم من مصادر رسمية متقاطعة عن وجود حوالي 9500 وفاة في دمشق المدينة فقط منذ بداية العام الجاري وحتى مطلع شهر كانون الأول (ديسمبر) الجاري، بمعدل يراوح بين 20 إلى 30 وفاة يومياً، مع الأخذ في الاعتبار وجود 33 مقبرة في العاصمة فقط، كلها معاً تحوي نحو 160 ألف قبر إلى 170 ألفاً، لتبرز هنا القبور الطابقية كحل إسعافي قصير الأجل، حيث يسمح بقبر قد يصل إلى ثلاثة طوابق فقط لا غير، وذلك تبعاً لعوامل عدة ناظمة يقررها مكتب دفن الموتى.
 
 
لجأ بعض الناس إلى بناء قبور طابقية بعد الارتفاع المهول في أسعار القبور الفارغة.
 
مازن، شاب من حي الصالحية أخبر "النهار العربي" أنّه دفن أخاه بداية الصيف الفائت في قبر طابقي، مستخدماً في ذلك قبراً لعائلة أخرى من أقاربهم، وقال: "بالتأكيد لم نكن نملك المال ولا الوقت للبحث عن قبر فارغ، نحن لجأنا لأفضل وأسرع حل، وبالكاد كلفنا مليون ليرة سورية، ومثلنا آلاف الناس، الذين لا رغبة لديهم سوى الدفن في المقابر التقليدية لعوائلهم".
 
يجري كل ذلك بالتزامن مع الشروع بتحضير مقبرة عدرا (شمال دمشق – طريق حمص) لتصل إلى قدرة استيعابية تتخطى عشرة آلاف قبر في مرحلة لاحقة، وبالتأكيد لا يمكن الحديث عن البدائل من دون ذكر مقبرة "نجها" جنوب شرق السيدة زينب في ريف دمشق، والتي يقال عنها باللغة الدارجة: "شالت أزمة وفيات كورونا".
 
 
الخبير الاقتصادي عمار يوسف، قال إنّ "سماسرة القبور انتشروا انتشاراً كبيراً أخيراً، ودخلوا السوق السوداء الخاصة بالأموات، وهناك مجموعة كاملة من التجار يشترون عشرات القبور، لاستغلال كل مشتر وفق وضعه المادي، وخصوصاً أن القبر في سوريا بات بمنزلة عقار، ويتشابه بسلبياته مع أزمة السكن من بيع وشراء وإيجار.
 
كلام الخبير جاء مطابقاً إلى حد كبير مع روايات تتواتر بين الحين والآخر في الشارع السوري حول السوق السوداء للأموات.
 
الحصول على قبر
أحدثت مكاتب دفن الموتى بموجب المرسوم التشريعي الرقم 116 تاريخ 15/10/1952 الآتي:
يقوم المكتب بواسطة مستخدميه وعماله بالأمور الآتية:
1- تجهيز الموتى وتكفينهم.
2- تأمين وسائل نقل الموتى.
3- تأمين مراسم الصلاة.
4- تأدية جميع النفقات التي تستلزمها الأعمال السابقة وسواها التي يتطلبها نقل الموتى حتى مرقدهم الأخير، بشكل لا يدع مجالاً لذوي المتوفى للقيام بأي نفقة إضافية.
 
الأوراق المطلوبة للدفن:
1- تقرير وفاة.
2- صورة هوية المتوفى + صور هوية مقدم الطلب.
3- بيان عائلي (يتم استصداره من مركز خدمة المواطن الموجود ضمن مكتب الدفن).

الأكثر قراءة

دوليات 10/13/2026 3:08:00 PM
أعاد تقرير بريطاني تداول تنبؤات منسوبة إلى بابا فانغا عن حرب عالمية وتغيّر القيادة الروسية في 2026
ايران 10/15/2026 7:19:00 AM
تزن "أم القنابل" نحو عشرة أطنان، واستخدمتها الولايات المتحدة للمرة الأولى في أفغانستان عام 2017. فما قدراتها، ولماذا تختلف عن السلاح المصمّم لضرب المنشآت المحصّنة تحت الأرض؟
لبنان 10/15/2026 5:28:00 AM
لا تستبعد الأوساط الديبلوماسية أن تشهد شوارع بيروت ومناطق أخرى تظاهرات في ساحاتها احتجاجاً على سوء الأوضاع المعيشية وارتفاع أسعار المحروقات.
لبنان 10/15/2026 12:05:00 PM
السجناء لم يستمرّوا في الإضراب عن الطعام والأدوية مع صدور قرار مجلس الدستوري حول الطعن بقانون منح عفو عام وخفض مدّة العقوبات بشكل استثنائيّ، لكن أصابت عدداً منهم حالٌ من الغضب الذي تكتنفه الكآبة، على ما حصل التعبير عنه.