بالأرقام والأسماء والبيانات... مراجعة شاملة لفعالية عقوبات أميركا وأوروبا على سوريا
يثير موضوع العقوبات الغربية على سوريا انقساما بين المحللين وصناع القرار المهتمين بإنهاء بؤس مواطني البلاد. يأتي هذا الانقسام في وقت تحتاج فيه البلاد، أكثر من أي وقت مضى، إلى سياسة شاملة تنهي معاناة معظم السوريين. وتقيّم هذه الدراسة فاعلية العقوبات المفروضة على نظام الرئيس بشار الأسد من خلال إجراء مراجعة شاملة لتاريخها، وتقييم أوجه القصور في النظام الحالي، واقتراح طرق للمضي قدمًا.
تستند استنتاجاتنا وتوصياتنا المتعلقة بالسياسة إلى تحليل البيانات التي جمعناها عن الأفراد المستهدفين من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وكذلك من خلال دراسة الأدبيات الموجودة حول العقوبات ككل. وقد مكننا ذلك من مقارنة نهج الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وتقييم دقة المعلومات المذكورة، وفهم كيفية توزيع العقوبات على الخطوط العرقية والدينية والسياسية والتجارية والأمنية.
النتيجة الرئيسية الأولى لهذه الدراسة هي أن الاتحاد الأوروبي اعتمد بشكل أكبر على العقوبات من الولايات المتحدة، خاصة في وقت مبكر من الاحتجاجات. أيضًا اكتشفنا عدم دقة المعلومات المقدمة عن الأفراد المستهدفين، مما يثير تساؤلات حول كيفية قيام الاتحاد الأوروبي / الولايات المتحدة بجمع معلوماتهم وإعادة النظر فيها. وجدنا علاقات عائلية غير صحيحة وبعض الصراعات المنطقية. علاوة على ذلك، هناك مشكلات واضحة تتعلق بصوامع البيانات، مما يعكس مستوى منخفض من التنسيق بين الاثنين. تسلط هذه النتائج الضوء على المشكلات التي تعيق الهدف النهائي للعقوبات: تغيير سلوكي هادف يعالج الظلم.
نحن نجادل بأن العقوبات كانت تميل إلى استهداف قمة جبل الجليد بدلاً من الشبكات المحلية والدولية الواسعة التي تم بناؤها على مدى عقود من الأنشطة غير المشروعة، مما يحد من فعاليتها. هذا صحيح على الرغم من الاختراق الرئيسي للعقوبات الثانوية التي أدخلها قانون قيصر الأميركي في منتصف عام 2020، والذي بموجبه سيكون أي شخص أو كيان، أميركي أو غير ذلك، لديه تعاملات كبيرة مع أي شخص أو كيان مدرج في قائمة العقوبات السورية - ما يسمى الرعايا المعينون بشكل خاص وقوائم الأشخاص المحظورين - معرضاَ للعقوبات. إلى ذلك، نعتقد أن اختيار الأسد عدم التنازل بسبب العقوبات أمر منطقي. فمن وجهة نظره فإن الآثار السلبية للتسوية السياسية ستكون أكبر من تلك التي تفرضها العقوبات.
نوصي بثلاثة تغييرات رئيسية في السياسة، والتي ينبغي (قدر الإمكان) أن تؤخذ على أنها سياسة واحدة بدلاً من ثلاثة سياسات منفصلة.
1. أولاً، إلغاء جميع أشكال العقوبات القطرية والقطاعية، وخاصة على المعاملات المالية؛ فضررها يفوق فائدتها، حتى بالنسبة للسوريين العاديين في الشتات والمناطق التي تسيطر عليها المعارضة. يجب أن يتم ذلك مقابل تنازلات مثل إطلاق سراح سجناء. وبدلاً من ذلك، يجب القيام بتوسيع استخدام حظر السفر وتجميد الأصول.
2. ثانيًا، تنفيذ سياسة أكثر نشاطًا لسوريا بأكملها من خلال زيادة استخدام التهديدات باستخدام "العصا" (الإجراءات العقابية) وتقديم المزيد من "الجزرات" (الحوافز)، حيث من غير المحتمل أن يؤدي النهج الحالي للاعتماد على العقوبات كأداة أساسية للسياسة إلى تغيير سلوكي ذي مغزى. تحفيز حلفاء الأسد وتسريع الخطوات القانونية المتخذة ضد مسؤولي النظام والمتعاونين من خلال الاستفادة من تشريعات الاختصاص القصائي العالمي في المحاكم الغربية والدولية.
3. ثالثًا، تحسين فعالية العقوبات باتباع نهج متعدد الأوجه: استهداف الشبكات العميقة للنظام، زيادة الاستفادة من العقوبات الثانوية؛ إنشاء برنامج مكافآت لتحفيز المخبرين السوريين؛ وإشراك المنظمات المحلية في جمع الأدلة ورسم خرائط هياكل سلطة النظام لتقليل الأخطاء والآثار الجانبية في العقوبات الحالية.
الخلفية
بالنظر إلى استخدام الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي المحدود للقوة ضد النظام السوري، كان فرض العقوبات الاقتصادية هو أسلوب الضغط اللاعنفي (أو غير الحركي) الرئيسي المستخدم للرد على فظائع النظام. ويرجع الاستخدام المحدود للقوة إلى الدعم الذي يحظى به نظام الأسد من قوى عالمية وإقليمية مثل روسيا وإيران - وهو أمر يفتقر إليه العراق وليبيا و"داعش". هذا على الرغم من حقيقة أنه قبل عمليات التحالف الدولي في أيلول (سبتمبر) 2014، كان تنظيم "داعش" مسؤولاً عن 0.5٪ فقط من الخسائر الإجمالية في صفوف المدنيين السوريين خلال الصراع الأهلي. ومعظم الباقين قتلوا على يد نظام الأسد.
لكن، هل تستحق العقوبات كل هذا العناء؟
هذه الدراسة تُسهم في الجدل المستمر حول فعالية العقوبات - التي نعرّفها على أنها تغيير سلوكي هادف يعالج الظلم - من خلال إجراء مراجعة شاملة، باستخدام الأدبيات والبيانات الموجودة التي جمعناها عن الأفراد المستهدفين من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي:
نقدم في القسمين الأولين، خلفية تاريخية عن عقوبات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، مع تسليط الضوء على الاختلافات الرئيسية والتباين الزمني.
نحلل بعد ذلك جميع البيانات المنشورة حول عقوبات الولايات المتحدة / الاتحاد الأوروبي التي تستهدف الأفراد المتورطين في سوريا، ونشارك النتائج الرئيسية والمواضيع الناشئة.
ثم نسلط الضوء على الأهداف الرئيسية للعقوبات كما نراها، ويناقش قسمان لاحقان أوجه القصور بالإضافة إلى الآثار الإيجابية والسلبية. وفي ضوء الأهداف المعلنة وفعالية العقوبات، نستنتج فلسفة الأطراف المشاركة في محاولة تبرير سلوكها الحالي.
وأخيرا، تختتم الدراسة بتوصيات تتعلق بالسياسة العامة.
تاريخ مُوجز للعقوبات الأميركية
لم تكن علاقة سوريا مع الغرب هادئة قط لأكثر من فترات وجيزة. منذ عام 1979، صنفت الحكومة الأميركية البلاد كدولة راعية للإرهاب. وشهدت أوائل العقد الأول من القرن الحالي إصدار رؤساء الولايات المتحدة سلسلة من الأوامر التنفيذية المتعلقة بسوريا أو تستهدفها بطريقة أو بأخرى.
صدر الأمر الأول – الرقم 13224- والذي فرض عقوبات مرتكزة على القوائم الأميركية ضد الأفراد والمنظمات التي تسهل الأنشطة الإرهابية، بعد أقل من أسبوعين من هجمات 11 أيلول (سبتمبر). تم نشر أسماء الأشخاص الخاضعين للعقوبات ولا تزال منشورة في قائمة المواطنين المصنفين والأشخاص المحظورين، التي يديرها مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية.
أُدرجت شركة مأمون دركزنلي للاستيراد والتصدير بموجب هذا الأمر التنفيذي؛ وهي شركة تعود لرجل الأعمال السوري الألماني الذي يحمل نفس الاسم. وكان دركزنلي مستقلًا عن نظام الأسد، و مرتبطًا بشكل مباشر بـ"القاعدة" وكان يعرف شخصيًا ثلاثة أعضاء رئيسيين في خلية هامبورغ، والتي تضمنت العديد من العقول المدبرة لهجمات 11 أيلول. وفرض الأمر التنفيذي حظر الأصول الموجودة في الولايات المتحدة ومصالح الأفراد والمنظمات المدرجة في القائمة.
في آب (أغسطس) 2003، استهدف الأمر التنفيذي الرقم 13315 ستة أفراد عراقيين بعقوبات مرتكزة على القوائم. سوريا هي موطن لخمسة منهم اعتبرتهم الولايات المتحدة مشاركين رئيسيين في "الإرهاب وأعمال الفساد العام أو أنشطة مزعزعة للاستقرار في العراق ولبنان". بعد ذلك بعامين، تم معاقبة العديد من الكيانات السورية بموجب هذا القانون، بما في ذلك العميد زهير شاليش (المعروف باسم ذو الهمة) وآصف شاليش، الذين استخدموا شركة"SES International" الدولية ومقرها دمشق "كوسيلة لوضع البضائع العسكرية بين يدي صدام حسين ونظامه".
وطُبق حظر تصدير بعض السلع إلى سوريا - بشكل أساسي أي سلع تحتوي على أكثر من 10٪ من المكونات المصنعة في الولايات المتحدة، باستثناء المواد الغذائية والأدوية - لأول مرة في 12 أ]ار (مايو) 2004 بموجب الأمر التنفيذي رقم 13338.10. وكان هذا الأمر نقطة تحول في العلاقات السورية الأميركية، حيث وسعت طبيعة العقوبات بعدما كانت مرتكزة فحسب إلى قوائم قطاعية. وتكمن أهمية هذا الأمر في أنه نفذ قانون محاسبة سوريا واستعادة السيادة اللبنانية لعام 2003، والذي هدف إلى إنهاء دعم الحكومة السورية للإرهاب، ووجودها في لبنان، واستيرادها غير المشروع للنفط العراقي. وتم إدراج الجنرالات السوريين البارزين تحت الأمر التنفيذي رقم 13338، بمن فيهم رستم غزالي وغازي كنعان وآصف شوكت.
شهد عاما 2005 و2006 نقطة تحول أخرى، عندما بدأت الولايات المتحدة في استهداف الكيانات المملوكة للدولة. في 28 حزيران (يونيو) 2005، صنف الأمر التنفيذي رقم 13382 مركز بحوث جمرايا للبحوث العلمية"SSRC “لكونه جزءًا من شبكة عالمية من ناشري أسلحة الدمار الشامل وداعميها. في عام 2006، بموجب المادة 311 من قانون باتريوت الأميركي، تم فرض عقوبات على البنك التجاري السوري، أكبر بنك في البلاد، لتورطه في غسيل الأموال.
ومن عام 2007 حتى بداية الانتفاضة السورية في آذار (مارس) 2011، صدر عدد قليل من الأوامر التنفيذية (مثل الأمرين رقم: 13399 و13441). وبعد ذلك، تم إصدار أوامر تنفيذية إضافية وإدراج كيانات أخرى تماشياً مع المستوى المتزايد لانتهاكات حقوق الإنسان والتهرب من العقوبات المرتكبة من نظام الأسد.
وحدثت طفرة في العقوبات ضد النظام مع "قانون قيصر" لحماية المدنيين في سوريا، الذي أقره الكونغرس الأميركي في عام 2019 ودخل حيز التنفيذ في منتصف عام 2020. مكّن القانون الحكومة الأميركية من فرض نوع ثالث من العقوبات يتجاوز العقوبات "الأولية" المرتكزة على القوائم والقطاعات. وتمتد "العقوبات الثانوية" التي يسمح بها القانون إلى الأفراد غير الأميركيين وكذلك الكيانات المتورطة بشكل كبير مع أي كيانات وأفراد خاضعين للعقوبات الأولية ذات الصلة بسوريا. إلى ذلك، أصبحت عملية الشطب من القوائم أكثر صعوبة نظرًا لتمرير التشريع من قبل الكونغرس الأميركي، بدلاً من الاكتفاء بتوقيع الرئيس الحالي.
وبناءً على البيانات التي جمعت لغرض هذه الدراسة، بحلول نهاية عام 2010، كان عدد الأفراد المدرجين تحت العقوبات الأميركية المتعلقة بسوريا 11؛ وبحلول نهاية نيسان (أبريل) 2021، كان قد وصل إلى 178، باستثناء 269 موظفًا في مركز جمرايا للبحوث العلمية الذين تمت معاقبتهم جماعيًا في نيسان (أبريل) 2017.
تاريخ مُوجز للعقوبات الأوروبية
في عام 1986، بعد إدانة نزار هنداوي بمحاولة تفجير طائرة العال الإسرائيلية الرحلة 016، ونظراً لعلاقاته المباشرة مع السفارة السورية في لندن، فرضت المفوضية الأوروبية عقوبات طفيفة على سوريا، وحظرت مبيعات الأسلحة الجديدة. وبعد ذلك بخمس سنوات، في (أيار) مايو 2011، نمت عقوبات الاتحاد الأوروبي ضد سوريا بسرعة في غضون بضعة أشهر، رداً على المعاملة الوحشية لنظام الأسد للمتظاهرين السلميين.
وفي بداية الاحتجاجات، كان للاتحاد الأوروبي وسوريا علاقات اقتصادية قوية. وشارك الاتحاد الأوروبي في العديد من المشاريع والاستثمارات في سوريا. كان بنك الاستثمار الأوروبي(EIB)يستثمر في 17 مشروعًا، بما في ذلك بناء محطات الطاقة، وكان لديه محفظة بقيمة 1.3 مليار يورو (حوالي 1.93 مليار دولار أميركي). في عام 2010، استوردت ألمانيا وإيطاليا وفرنسا وهولندا مجتمعة 80٪ من النفط الخام السوري، وهو ما يمثل 30٪ من عائدات الحكومة السورية في ذلك العام (4.1 مليار دولار أميركي).
وقسّم موجز السياسة الصادر في أيلول (سبتمبر) 2012 من قبل كلارا بورتيلا من المعهد الملكي للعلاقات الدولية (إيغمونت)عقوبات الاتحاد الأوروبي ضد سوريا بناءً على أهدافها إلى خمس فئات:
تستهدف الحكومة السورية: تجميد أصول البنك المركزي السوري في الاتحاد الأوروبي ومنع كيانات بنك الاستثمار الأوروبي والاتحاد الأوروبي من إصدار منح جديدة أو تداول السندات العامة أو منح قروض للحكومة السورية.
تستهدف الأفراد المعرضين: منع الأفراد المتورطين في الانتهاكات الجماعية من دخول الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن تجميد أصولهم.
تستهدف الجهاز القمعي للنظام: حظر الأسلحة والمعدات التي من شأنها تسهيل ارتكاب الفظائع. ويشمل ذلك السلع ذات الاستخدام المزدوج مثل المواد الكيميائية المستخدمة في كل من الأسمدة والمتفجرات.
تستهدف قطاعات معينة: تجفيف مصادر الدخل التي يمكن أن تمارس ضغطًا قويًا على النظام وتلحق أضرارًا جسيمة. استهدف الاتحاد الأوروبي قطاع الطاقة بشكل أساسي من خلال حظر جميع واردات النفط السوري، فضلاً عن حظر القروض والتأمين والتكنولوجيا التي يمكن الاستفادة منها في هذا القطاع.
تستهدف لوجستيات التجارة: تقييد رحلات الشحن وحظر تصدير السلع الكمالية مثل الذهب والماس.
بناءً على البيانات التي تم جمعها، لم يكن هناك عقوبات من قبل الاتحاد الأوروبي على الأفراد السوريين قبل احتجاجات آذار (مارس) 2011؛ وبحلول نهاية نيسان (أبريل) 2021 بلغ العدد الإجمالي 280.

الرسم البياني 1: مخطط زمني يوضح خريطة الأحداث الرئيسية في سوريا لتوزيع عقوبات الولايات المتحدة / الاتحاد الأوروبي بمرور الوقت.
ما الذي يمكن أن تخبرنا به البيانات عن عقوبات الولايات المتحدة / الاتحاد الأوروبي حتى الآن؟
بيانات عقوبات الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة (الأفراد) في الفترة من كانون الثاني (يناير) 2011إلى نيسان (أبريل) 2021مدرجة في الرسم البياني التراكمي أعلاه. لقد غطينا الأحداث الرئيسية ونقاط التحول في الصراع السوري لتسهيل فهم السياق العام للعقوبات والتكهن بأسبابها. وبشكل عام، لا ينبغي تفسير تعاقب الأحداث والعقوبات سببًا لأنه ربما كانت هناك عوامل أخرى تحفز كليهما.
من حيث الرغبة النسبية في استخدام العقوبات كأداة سياسية، يشير الرسم البياني إلى أن الاتحاد الأوروبي فضل هذه الأداة أكثر من الولايات المتحدة. وقد يكمن جزء من السبب في افتراض أنه أكثر فعالية بالنسبة للاتحاد الأوروبي، بالنظر إلى العمق النسبي لعلاقاته الاقتصادية مع سوريا.
فقد تم فرض نحو 40٪ من عقوبات الاتحاد الأوروبي في العام الأول من الانتفاضة، مقارنة بنحو 25٪ من العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة خلال نفس الفترة. وتُعزى هذه الزيادة الحادة إلى التغيير السريع في نهج الاتحاد الأوروبي لفرض الإصلاحات السياسية والاقتصادية في سوريا.
قبل عام 2011، اعتمد الاتحاد الأوروبي على الشراكة الأورومتوسطية وسياسة الجوار الأوروبية للتأثير على مثل هذه الإصلاحات، لكنه تحول إلى عقوبات اقتصادية قاسية عندما قوبلت الانتفاضة السلمية بوحشية.
وللتوزيعين أشكال متشابهة من تشرين الثاني (نوفمبر) 2012إلى آذار (مارس) 2020، لكنهما يختلفان قبل هذا النطاق وبعده. وقد زادت قائمة عقوبات الاتحاد الأوروبي بسرعة في العام الأول من الانتفاضة، من 18فردًا فقط في أيار (مايو) 2011إلى 108فردًا بحلول أيار 2012. ولم يكن هذا هو الحال بالنسبة للولايات المتحدة. وزادت قائمة الكيانات التابعة لها بشكل تدريجي حتى نهاية المخطط، حيث يمكننا أن نرى زيادة مفاجئة مرتبطة بتفعيل قانون قيصر.
بشكل عام، تتوافق عقوبات الاتحاد الأوروبي مع نتائج اجتماعات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، مما يعكس الإحباط الغربي إزاء استخدام روسيا والصين المتكرر لحق الفيتو لإدانة الفظائع التي يرتكبها النظام السوري. وهذا واضح بشكل خاص بين نهاية عام 2011 وبداية عام 2012. وشهد كل من قوائم الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ارتفاعًا تصاعديًا في تموز 2012، أعقبها خطاب "الخط الأحمر" الشهير الذي ألقاه الرئيس باراك أوباما في الشهر التالي.
الهجمات الكيميائية الكبرى في خان العسل والغوطة في آذار وآب 2013على التوالي لم تؤد إلى أي تغيير ملحوظ في عدد الأفراد الخاضعين للعقوبات في الأشهر التالية. ولكن الهجوم الكيميائي على خان شيخون في نيسان 2017أعقبه زيادة طفيفة في كلتا القائمتين. ويمكن أن يكون هناك عدة أسباب مختلفة لذلك، بما في ذلك عملية التحقيق المطولة لتحديد التسلسل القيادي المسؤول عن الهجمات السابقة و / أو حقيقة أن مثل هذه الهجمات الشديدة قد تمت الموافقة عليها على الأرجح من قبل الأفراد الخاضعين للعقوبات بالفعل. وهذا يسلط الضوء على بعض أوجه القصور في العقوبات في وقف الفظائع المختلفة، مثل الهجمات الكيماوية، والتي ستتم مناقشتها لاحقًا في الدراسة.
نظرًا لأن عقوبات الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تستهدف عمومًا الأفراد الذين يتمتعون بأقدمية ونفوذ كبير في النظام، فقد درسنا كيفية مواءمتهم وتوافقهم مع التركيبة السكانية العرقية في سوريا، والتي قد تعكس الهيكل والبنية العرقية للسلطة في البلاد. واللافت أن الإحصائيات المعروضة أدناه في ما يتعلق بالعرق والطائفة/الدين والجنس ستتناول المواطنين السوريين فقط (333فرداً). وسيتم النظر في القائمة الكاملة للأفراد الخاضعين للعقوبات (366) من أجل تحليلها إلى ما هو أبعد من ذلك.

الرسم البياني 2: تصنيف المواطنين السوريين الخاضعين للعقوبات حسب العرق.
من بين 333سورياً يخضعون لعقوبات، هناك 97.4٪ من العرب، وهي نسبة أعلى من نصيبهم الديمغرافي من السكان والتي تُقدر بنحو 80-85٪. وعلى النقيض من ذلك، فإن تمثيل الأكراد هامشي بشكل ملحوظ بنسبة 1.3٪، على الرغم من أن الأكراد هم ثاني أكبر مجموعة عرقية في سوريا بنسبة 10٪ تقريبًا. ولكن هذه ليست مفاجأة؛ لقد أدى النفوذ والسلطة في سوريا بشكل منهجي إلى استياء الأكراد وطبق عليهم شكلاً من أشكال العنصرية المؤسسية. وتشمل النسبة المتبقية 1.3٪ عرقيات أخرى مثل الأرمن والآشوريين والتركمان والشركس.
وبالانتقال إلى التوزيع الديني (الطائفي)، فإن 47٪ من العقوبات تُفرض على أهل السُنة، الذين تُشير التقديرات إلى أنهم يشكلون 74٪ من السكان السوريين استنادًا إلى إحصاءات ما قبل الحرب.أما العلويون (طائفة)، وهم طائفة الرئيس بشار الأسد، فهم يمثلون 42.8٪ من المدرجين على قائمة العقوبات، إلا إنهم لا يمثلون سوى 12٪ من السكان. ومن المهم ملاحظة أن هناك عدم يقين يحيط بالنسب السكانية القائمة على أساس طائفي، حيث أن التعداد السوري لا يتضمن أسئلة حول هذا الموضوع. لكن النسب في بيانات العقوبات تؤكد الحجة المقبولة على نطاق واسع حول كيفية منح النظام السوري العلويين مميزات في المجتمع على حساب الآخرين.
ويميل هيكل وبنية السلطة وشبكات المحسوبية عمومًا إلى الحفاظ على التوازن بين نخب الأعمال التجارية من اهل السُنة، والتي لها تأثير كبير على الاقتصاد، والعلويين، والذين يؤثرون على الجيش والأجهزة الأمنية. وهذا ما تم التأكيد عليه في الرسم البياني أدناه، والذي يُظهر التوزيع الطائفي للأفراد الخاضعين للعقوبات وعضويتهم في أجهزة الجيش والشرطة. بشكل عام، وجدنا أن ما يقرب من ثلث الأفراد المستهدفين ينتمون إلى الجيش أو الأجهزة الأمنية (34.4٪).

الأعداد الاجمالية لكل دين / طائفة تظهر في منتصف الأعمدة البيانية.
تقل نسب المسيحيين والدروز في قوائم العقوبات عن تمثيلهم في السكان ككل. وتبلغ نسبة المسيحيين المدرجين في قوائم العقوبات نحو 6.6٪ وهي نسبة قريبة من نسبتهم من السكان. وتشمل "الأخرى" في المخطط طائفة الإسماعيليين وطائفة الأيزيديين. إن عدم التماثل في توزيع السلطة ليس حكراً على العرق والدين، بل يشمل الإناث أيضاً اللواتي لا يشكلن سوى 6.6٪ من الأفراد الخاضعين للعقوبات.
وكان تحليل الخصائص الذي أجري أعلاه، لإثراء تقييم برامج العقوبات والتحقق من مدى دقة البيانات. تمت مناقشة النتائج الرئيسية في أقسام لاحقة، لكننا لاحظنا أن العقوبات لم تتحدّ - وربما عززت - الوضع الراهن لمراكز القوة في الشبكة الأساسية للنظام من حيث الأعراق والدين والجنس. وقد يزعم البعض بأن هذا ليس الغرض المباشر للعقوبات، وهو إلى حد ما أمر صحيح، ولكن ربما إذا تم استخدام العقوبات كجزء من سياسة شاملة، فقد يتغير هذا الأمر ويؤدي إلى تعديل السلوك الناجم عن التحولات في مراكز النفوذ. وسيتم تسليط الضوء على هذه الفكرة بشكل أكبر في القسم المتعلق بالتوصيات المتعلقة بالسياسية.

الرسم البياني 4: جنس السوريين المستهدفين بعقوبات الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
كجزء من عملية إثراء البيانات، حددنا أماكن وجود الأفراد المستهدفين. وجدنا أن 14.1٪ منهم (51فردًا) يعيشون أو يقضون فترات زمنية طويلة في الخارج. ومن بين هؤلاء الأشخاص ال51، هناك 18 سورياً، يسلطون الضوء على وصول العقوبات إلى ما وراء الحدود السورية.وبعض هذه الأسماء تشمل:
وائل عبد الكريم وأحمد برقاوي، تم إدراجهما مع شركتيهما في سوريا ودبي لتورطهما في تسهيل شحن وقود الطائرات لنظام الأسد.
مدلل خوري، الذي ساعد الكيانات الخاضعة للعقوبات وأدار المصالح التجارية والمالية في روسيا للنظام السوري. وقد ارتبط اسمه مؤخرًا بالشركة التي اشترت نترات الأمونيوم التي انفجرت في مرفأ بيروت في آب (أغسطس) .2020
أفراد عائلة زوجة بشار الأسد، أسماء الأسد (اسمها عند الولادة: أسماء الأخرس : سحر عطري الاخرس وفراس الاخرس واياد الاخرس).

الرسم البياني 5: الأفراد الخاضعون لعقوبات الاتحاد الأوروبي / الولايات المتحدة بناءً على المكان الذي يعيشون فيه، داخل سوريا أو خارجها.
33 من أصل 51 يعيشون في الخارج ليسوا سوريي الأصل؛ العديد منهم في الأصل من لبنان وإيران وتركيا. وهناك أيضًا أفراد مستهدفون من جنسيات أخرى، مثل روسيا وهولندا وقبرص والصين وألمانيا، ومعظمهم من رجال الأعمال. وسهّل "قانون قيصر" فرض عقوبات ثانوية، لممارسة ضغط أكبر على النظام السوري من خلال اقتفاء أثر الجهات الخارجية التابعة له.
على مر السنين، قام النظام السوري بتصميم شبكات دولية متطورة لمساعدته على التهرب من العقوبات. وفي مقابلة أُجريت مؤخرًا مع فراس طلاس، وهو نجل مصطفى طلاس، وزير الدفاع السوري الأسبق، ذكر كيف تم بسلاسة انتقال الثروة من عائلة مخلوف إلى أفراد عائلة الأسد، في إطار حساباتهم المستندة إلى مجلس التعاون الأوروبي والخليجي، بعد الخلاف الأخير بين العائلتين.
وقد تحقق ذلك من خلال شبكة متطورة من مخططات ملكية الأعمال التجارية التي صممها محامون لبنانيون وإنجليز ومن جنوب أفريقيا.
ليس لدينا نقطة مرجعية قابلة للمقارنة يمكننا على أساسها قياس الـ 51فردًا الذين يعيشون في الخارج، ولكن نظرًا لتصورنا لانتشار شبكة النظام، نعتقد أن العقوبات العابرة للحدود والثانوية غير مستغلة بشكل كبير. وهذا أمر مؤكد حين نرى أن 46فردًا من أصل 51فردًا حددناهم كانوا تحت طائلة عقوبات الولايات المتحدة وحدها (خلال نوفمبر 2014- نوفمبر 2015وديسمبر 2016- ديسمبر 2017)، وأربعة منهم فحسب كانوا تحت طائلة عقوبات الاتحاد الأوربي، وواحدًا فقط كان تحت طائلة عقوبات الإثنين. وعلاوة على ذلك، يناقش القسم 5.1من هذه الدراسة نقطة إضافية تدعم هذا الاعتقاد.
ومن الناحية القانونية، تعتبر العقوبات الثانوية في حالة سوريا أداة قوية للغاية من حيث شموليتها وتطبيقها. يوضح القسم 7412(a)(2)(A)(iii)من قانون إقرار الدفاع الوطني لعام 2020أن العقوبات الثانوية تنطبق على "الشخص الأجنبي [الذي] (A) يقدم عن عمد دعمًا ماليًا أو ماديًا أو تقنيًا كبيرًا لصفقة كبيرة ومهمة، أو يشارك عن قصد في هذه الصفقة مع... (iii)) شخص أجنبي خاضع لعقوبات بموجب قانون الصلاحيات الاقتصادية في حالات الطوارئ الدولية(50 U.S.C. 1701وما يليها) فيما يتعلق بسوريا أو أي نص قانوني آخر يفرض عقوبات فيما يتعلق بـ سوريا".وبعبارة أخرى، بصرف النظر عن ارتكاب سلوك خاضع للعقوبات، يمكن أيضًا معاقبة أي شخص غير أمريكي لديه تعاملات كبيرة مع أي فرد أو كيان خاضع للعقوبات مدرج في قائمة سوريا للرعايا الخاضعين لإدراج خاص.
ونعتقد أنه إذا أصبحت العقوبات الثانوية أكثر شفافية وتعاونًا، يمكن تحسين فعاليتها بشكل كبير بدعم من الأفراد والمنظمات الرقابية في الشتات السوري. ستتم مناقشة هذه النقطة بمزيد من التفصيل في الأقسام التالية.
أوجه القصور في العقوبات الحالية
الآن بعد أن قدمنا تاريخًا لعقوبات الولايات المتحدة / الاتحاد الأوروبي وسلطنا الضوء على نتائج البيانات الرئيسية، سنقوم بتقييم أوجه القصور في العقوبات الحالية المفروضة على النظام السوري.سنقوم بتحليل عقوبات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي استنادًا على البيانات التي جمعناها والمراجعة، ونزعم بأن فعالية إطار الولايات المتحدة / الاتحاد الأوروبي الحالي من الممكن أن يتم تعزيزها بشكل كبير من خلال التغلب على العديد من القضايا.
الأفراد المستهدفون
عند تحليل بيانات الأفراد الخاضعين للعقوبات، وجدنا أن معظمهم متأصلون بعمق في نظام الأسد.وهذه الحقيقة تعيق الهدف الأساسي للعقوبات: التغيير السلوكي. وبدلاً من ذلك، فإن الاستهداف الإيجابي يغذي السرد الأيديولوجي لهؤلاء الأفراد أمام مؤيديهم، مما يعزز موقفهم ووضعهم داخل النظام بدلاً من إضعافه. علاوة على ذلك، فإن العقوبات تدفعهم إلى الاقتراب من النظام وربما تحسن فرصهم في كسب الفرص الاقتصادية داخل سوريا وتراكم رأس المال، وذلك لأنهم لم يعدوا موضع ترحيب دوليًا.
حتى أن بعض الأفراد في سوريا أعربوا عن امتنانهم لاستهدافهم بالعقوبات العالمية - وهو ما يثبت مدى وطنيتهم - وأكدوا "التضحيات" التي قدموها للوقوف بحزم في مواجهة المؤامرات العالمية والهجمات الإمبريالية. ومن الأمثلة على ذلك رجل الأعمال "وسيم قطان"الذي استجاب لعقوبات الاتحاد الأوروبي وعقوبات الولايات المتحدة التي فرضت عليه بقوله: "تشرفت بإدراج اسمي "وسيم قطان" في قائمة رجال الأعمال الخاضعين للعقوبات الأوروبية".
ونعتقد أن العقوبات يجب ألا تتوقف عند أولئك الذين يترسخ جذورهم بعمق في النظام، بل ينبغي أن تنظر إلى الأفراد الأقل رسوخًا أيضًا، مثل أولئك الذين يحملون رتب أدنى في التسلسل الرسمي للقيادة، وذلك في المقام الأول لأنهم أكثر عرضة للتغيير السلوكي. وبشكل عام، لا يزال عمق الاستهداف المناسب يعتمد على طبيعة الانتهاك.
وجدنا أيضًا أن العقوبات لا تستهدف سوى غيض من فيض عندما يتعلق الأمر بالروابط غير الرسمية للنظام ورأس المال الاجتماعي العام. أما الشبكات الهائلة من الأفراد التي تم إنشاؤها على مدى عقود من الأنشطة غير المشروعة فتقل احتمالية استهدافها؛ وإذا كانت العقوبات تستهدف هذه الشبكات، فإنها تركز فقط على مجموعات صغيرة وعدد قليل جدًا من الأفراد المهمين.
إن شبكات مثل شبكات نظام الأسد، من منظور نظرية الرسم البياني، تتسم بالمرونة في الهيكل والديناميكية والتجدد، الأمر الذي يبرز الحاجة إلى مراجعة مستمرة للعقوبات. ومثل أي نظام خلية سري، يمكن لمجرمي النظام السوري التخفيف من هذه العقوبات من خلال ابتكار طرق جديدة للتهرب من القيود، مثل استخدام العملات المشفرة، التي يجري النظر فيها من قبل مصرف سوريا المركزي،والمساعدة المستمرة من القراصنة والمخترقين مثل الجيش السوري الإلكتروني.يشير نجاح تكتيكات المراوغة هذه إلى أن أساليب الاستهداف الحالية لا تجعل العقوبات أقل فاعلية فحسب - بل والأخطر من ذلك أنها يمكن أن تجعل مثل هذه الشبكات مضادة للهشاشة، لا تقاوم الضغوط وتتعافى منها فحسب، بل تصبح أقوى بسببها.
يؤدي إتلاف روابط الثقة والولاء القوية بين الكيانات في الشبكة إلى تنشيط "الروابط الضعيفة"، وهي آلية أساسية لامتصاص الصدمة. في تحليل الشبكات الاجتماعية، الروابط الضعيفة هي علاقات التعارف، والتي تستخدم للتمكين من التعاون ونشر المعلومات. وعلى المستوى الشخصي، يمكنهم مساعدتك في العثور على وظيفة.ولكن على مستوى الشبكة السرية، فإنها تمكن خلايا الشبكة من الحفاظ على الروابط التشغيلية مع الشبكة الأكبر التي يتم الحصول منها على الإمدادات والفوائد؛ حيث تسمح الروابط الضعيفة للخلية بإعادة الارتباط بالشبكة عندما تكون روابطها القوية مستهدفة أو معزولة من قبل سلطات إنفاذ القانون أو الخلايا المنافسة.
ومن المشاكل الأخرى التي تضعف فعالية العقوبات، هي الافتقار إلى وجود برنامج مكافآت راسخ وآليات تحفيز للمبلغين عن المخالفات الذين يقدمون شهادات مباشرة. ويمكن أن تأتي هذه المكافآت في شكل تعويض مالي أو حماية مادية، بما في ذلك منح اللجوء. إن سوريا تعاني من الافتقار الشديد إلى حرية التعبير، وعندما لا يُمنح المواطنون الشجعان أي حافز للتقدم - خاصة وأن البعض يخاطر بحياتهم عندما يكشفون عما يحدث داخل البلد أو يقومون بتسريب معلومات سرية - تتجاهل برامج العقوبات إسهامًا محتملًا بالغ الأهمية من شأنه أن يحسن فعاليتها بشكل كبير.
قد تم إحراز بعض التقدم الرئيسي في هذا المجال مؤخرًا. لقد طرح بسام بربندي مشروع قانون "مكافآت لأجل العدالة"وتقديمه إلى مجلس النواب الأمريكي في فبراير 2021. وسيساعد القانون في مقاضاة أولئك الذين يتهربون من العقوبات وينتهكون حقوق الإنسان؛ إذا تم إقراره، فسيكون مفيدًا جدًا في تعزيز فعالية العقوبات الأمريكية.
يسلط أسلوب الاستهداف الحالي الضوء على أن العقوبات غالبًا ما تكون مدفوعة بترتيبات من وراء الكواليس. إن المبررات المنشورة لاستهداف الفرد لا تكفي في كثير من الحالات لإقناع الجمهور؛ بعض الأفراد الذين وجدوا طريقهم إلى القوائم، مثل كرم الأسد، كانوا غير مهمين لدرجة أنه كان من الصعب تقييم نوع السلوك الذي أكسبهم مكانًا. وقد ساهم ذلك في تزايد التصور بأن العقوبات لا يحفزها سوى المزاج والمصالح السياسية. ويمكن اعتبار تجنب أو تأخير إدراج شخص مرتبط مباشرة بالانتهاكات في سوريا على أنه مناورة سياسية بهدف كسب هذا الشخص كميسر محتمل في التسويات السياسية المقبلة، ومثال على ذلك "سامر فوز". ووفقًا لـ "جهاد يازجي"، فقد تم تجميد عقوباتعلى "فوز" في البداية، حيث أن بعض الأطراف اعتقدت أنه تم ترشيحه للعب دور في التسوية السياسية. ولقد تغير هذا لاحقًا، حيث تمت معاقبته من قبل الاتحاد الأوروبي في يناير 2019،ومن قبل الولايات المتحدة في يونيو .2019
عدم الكفاءة في البيانات والعمليات
ربما كان أكثر اكتشاف صادم توصلنا إليه عند تحليل البيانات الخاصة بالأفراد المستهدفين هو العدد المذهل من الأخطاء التي تم اكتشافها أثناء استخراجها من القوائم الرسمية. وقد أثارت بعض الأخطاء تساؤلات عديدة حول استراتيجيات الاستهداف لهذه القضية بالغة الأهمية ومدى جدية تنفيذها.
بعض الأسماء المدرجة غير معروفة تمامًا لمجموعة واسعة من النقاد السوريين. كما أنه من غير الواضح عدد المرات التي يتم فيها الاحتفاظ بهذه القوائم وتحديثها؛ على سبيل المثال، فقد وجدنا 14شخصًا قد لقوا حتفهم. وكان من الممكن أن يكون هذا قرارًا متعمدًا، مُصممًا لتجميد أصول المتوفين ومنع ورثتهم من الوصول إليهم، ولكننا لم نتمكن من العثور على الكثير من المعلومات، تاركين الأمر دون حل.
ووجدنا أسماء بها أخطاء إملائية لا تتطابق مع السجلات الرسمية أو المصادر المنشورة، مثل “سعمية صابر حمشو"واسمها العربي الصحيح "سمية". وهذا يختلف عن شخص أخطأ عن قصد في كتابة اسمه لتجنب العقوبات، أو تغيير اسمه تمامًا - مثل وسيم بديع الأسد، أصبح وسيم شحرور الآن، وفقًا للتصريحات الأخيرة التي أدلى بها أيمن عبد النور.فضلًا عن ذلك، كانت بعض الروابط العائلية خاطئة تمامًا لدرجة أنها جعلتنا نشكك ليس في عملية التحقق من الحقائق فحسب، بل في نهج الاستهداف بالكامل. ومن الأمثلة على ذلك، عندما تم العثور على اسم "محمد حمشو" مدرجًا على أنه صهر ماهر الأسد في إحدى قوائم عقوبات الاتحاد الأوروبي. حيث اشتهر حمشو بكونه واجهة لماهر الأسد، ولكن لا توجد علاقة قرابة معروفة بينهما.
فضلًا عن ذلك، فإن الأفراد الخاضعين للعقوبات من قبل كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، لا تتطابق تواريخ ميلاد العديد من الأفراد بين القائمتين. على سبيل المثال، تاريخ ميلاد "ذو الهمة شاليش" مُدرج على أنه في عام 1946في قائمة الاتحاد الأوروبي،ولكنه مُدرج على أنه في عام 1956في قائمة الولايات المتحدة،مما يُسلط الضوء على الافتقار إلى التنسيق على مستوى البيانات. ووجود "صوامع البيانات" هذه- حيث يتم عزل مجموعات البيانات بدلاً من دمجها ومشاركتها للوصول إليها من قبل مجموعات مختلفة - له تأثير خطير محتمل على فعالية العقوبات وعملية صنع القرار حولها.
ينبغي لـ استراتيجيات البيانات التي اعتمدها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أن تمكن من تحقيق التكامل والتنسيق الفعال للبيانات. ويمكن أن يؤدي ربط صوامع البيانات في مرحلة الاستهداف إلى الحد من ضياع الفرص وزيادة فعالية العقوبات. بيد أنه على الرغم من أن هذا الربط للبيانات يبدو آلية فعالة، فقد لاحظت دراسة نُشرت في عام 2020من قبل الاستشارات المخاطر العالمية للتحكم بالمخاطر،اتجاهًا رئيسيًا حيث "يتباعد الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة عن سياسة العقوبات"، وتنبأت أن الانقسام سوف يزداد إلى الحد الذي سيسعى فيه الاتحاد الأوروبي إلى مزيد من الحكم الذاتي.
ولاحظنا بعض الصراعات المنطقية. أحدها هو أن العقوبات لا يبدو أنها تتسلسل تلقائيًا أو تتبع أي نوع من التسلسل الهرمي. فعلى سبيل المثال، استهدف بعض العقوبات الجيش السوري بأكمله أولاً، ثم لاحقًا الفيلق الأول التابع له. وهذا يتحدى المنطق ويشير إلى أن بعض العقوبات ربما تكون زائدة عن الحاجة.
أخيرًا، وجدنا أن قوائم العقوبات لا تشمل جميع رؤساء الأجهزة الأمنية والمخابرات العسكرية وفصائل الميليشيات، وما إلى ذلك - إنما تشمل الأفراد المتورطين بالضرورة في قمع المدنيين، نظرًا لأقدميتهم وسمعتهم السيئة. وهؤلاء الأفراد معروفون جيدًا للعامة.
ومع ذلك، فقد فرضت عقوبات على معظم الوزراء، على الرغم من أنهم يميلون إلى لعب دور هامشي في إدارة الدولة مقارنة بالمجموعة السابقة. وتثير هذه النتيجة تساؤلات مباشرة بشأن منهجية العقوبات وعملية اختيارها، والتي يجب أن تكون أكثر شمولاً وتستهدف المؤثرين الفعليين.
الغموض في التبريرات
وعلى الرغم من أن العقوبات عادة يدعمها بيان يبرز سبب إدراج اسم كيان ما في القائمة، فإن معظم هذه البيانات مجردة إلى حد ما ولا تقدم تفاصيل كافية لأي شخص مهتم بمعرفة المزيد. وهذا الغموض يمكن أن يتسبب بالارتباك. فعلى سبيل المثال، تم فرض عقوبات على نائب الرئيس السوري فاروق الشرع لتورطه في "أعمال عنف ضد السكان المدنيين"، على الرغم من حقيقة أنه ندد علناً بالعنف ومُنع من الظهور علناً لفترة طويلة بسبب ذلك. هذا لا يعفيه من أي مخالفة، وقد تكون هناك أسباب أو أدلة أخرى أدت إلى فرض العقوبات عليه، ولكننا نعتقد أنه ينبغي مشاركة هذه المعلومات لمنع التكهنات.
وهذا الغموض في التبرير له تأثيرات متعددة، بما في ذلك الاعتقاد المتزايد بين عامة السوريين بأن العقوبات منحازة ومتفاعلة مع الغضب العام في الغرب، بدلاً من كونها وسيلة للمساءلة والتحول الديموقراطي. ويُنظر إلى العقوبات على أنها وسيلة تمكن الدول الغربية من تجنب الإحراج من التقاعس التام. ويتم تعزيز هذا الاعتقاد عندما لا يتم استخدام التكتيك بالاقتران مع أدوات السياسة الأخرى التي قد تؤدي إلى تغيير فعلي في سلوك النظام.
ومن التأثيرات الأخرى للبيان التبريري الغامض هو أنها تغذي الآراء والاعتقاد التبسيطي من معظم المراقبين بأن العقوبات الغربية لا تؤذي سوى المدنيين، في حين أن العقوبات في الواقع أشبه بالمطرقة، تلحق الضرر بالنظام والشعب على حد سواء. فمن الصعب تتبع أي تغيير سلوكي دون التفاصيل المحددة للتكتيكات التي يستخدمها رجال الأعمال لمساعدة النظام على التهرب من العقوبات، وهياكل الملكية المعقدة للشركات التي تستخدمها شخصيات النظام الرئيسية لإدارة حساباتهم الخارجية. كما تواجه المنظمات السورية والحركات الشعبية ولجان المراقبة التي تستخدم أدوات استخبارات مفتوحة المصدر صعوبة في مراقبة وتتبع تأثير العقوبات المبررة بشكل غامض على الكيانات المستهدفة.
إن الغموض حول تسلسل الأعمال الإجرامية التي أدت إلى فرض عقوبات على كيان ما قد يعطي النظام وسيلة لا للتهرب من العقوبات فحسب، بل لتضليل عملية الإدراج في القائمة، ووضع الأفراد المختارين من المجرمين في دائرة الضوء باعتبارهم ستارة للجناة الحقيقين. يوفر هذا التكتيك أيضًا أداة للنظام لإدارة المنافسات الداخلية، باستخدام العقوبات العالمية كوسيلة للابتزاز والبحث عن كبش فداء لأعمالهم. وعلاوة على ذلك، فإن العقوبات التي لا تستهدف سوى "الأسماك الصغيرة" قد تؤدي دون قصد إلى إبعاد "الأسماك الكبيرة"، ويمنح هؤلاء الوقت لتغيير تكتيكاتهم وأساليبهم غير المشروعة.
وأخيرًا، يساعد هذا الغموض في تغذية دعاية النظام ومحاولات صرف انتباه الشعب السوري عن الأسباب الأكثر أهمية في اقتصادهم المتعثر (مثل الفساد وتحويل المعونات بعيدًا عن مقاصدها وسوء الإدارة وما إلى ذلك).
تقييم الآثار الجانبية للعقوبات كتكتيك
يقيم هذا القسم الآثار المترتبة على العقوبات بشكل عام ومدى فعاليتها في تحقيق الأهداف المرجوة منها. ولكن الجهود المبذولة للإجابة على هذا السؤال ليست جديدة. ويعود تاريخ بعض الدراسات المنشورة حول جدوى العقوبات الاقتصادية إلى عام 1925 وقد خلصت العديد من الأبحاث مثل أبحاث "يوهان غالتونغ" د. سيكينغوبي والينستين إلى أن العقوبات الاقتصادية ليست فعالة بشكل كبير في تحقيق التغييرات المطلوبة. وخلص ج. لوبيز إلى أن العقوبات، خاصة في الأنظمة الاستبدادية والديكتاتورية، تؤدي إلى المعاناة والمصاعب الاقتصادية للمواطنين أكثر بكثير من أي تغيير سياسي.
يستخدم البحث الأحدث نسبياً المزيد من التحليل الكمي. وفي بحث نُشر في عام 2019، صاغ دورسون بيكسين عقوبات اقتصادية نموذجية باستخدام نهج نظرية اللعبة لمحاكاة فعاليتها. وزعم بأن نجاح العقوبات ضد الديكتاتوريات يختلف بناءً على نوع الحكم الاستبدادي المستهدف.
فمن غير المرجح أن تستسلم أنظمة الحزب الواحد والأنظمة العسكرية للضغوط الأجنبية، في حين أنها يمكن أن تستخدم أساليب قمعية مختلفة بشكل فعال لتحمل تكاليف الإكراه. ومن المرجح أن تكون العقوبات ضد الأنظمة الشخصية فعالة، نظرًا لوجود قدرة مؤسسية أقل لدعم القائد. ومن الصعب وصف النظام السوري على وجه التحديد بأنه نظام شخصاني، لأنه لا يزال لديه مؤسسات مدنية وعسكرية وظيفية بشكل معقول.
ونشر جورج تسيبيليس بحثًا مثيرًا للاهتمام عام 199 وضع ستة سيناريوات للعقوبات وتوصل إلى استنتاجات غير بديهية، والتي أطلق عليها اسم "مغالطة روبنسون كروزو". في حين اعترف "جورج تسيبيليس" بأوجه القصور في تطبيق نظرية اللعبة في تحليل السياسات - نظرًا لميلها إلى التجريد، وعدم كفاية نقاط البيانات، والتحديات المتعقلة بـ قياس المتغيرات وتحديد السببية، وما إلى ذلك - قدم لنا نهجًا يتوافق بشكل جيد مع تقنيات تحليل السياسات.
النتيجتان الرئيسيتان اللتان ذكرهما " تسيبيليس" هما:
1. أظهرت السيناريوهات الستة، مدفوعة بنماذج نظرية اللعبة، أنه على عكس الحكمة التقليدية القائلة بأن تغيير حوافز لاعب واحد سيعدل ويغير سلوكه، فإنه في الواقع يعدل ويغير سلوك خصمه. وهذا يعني:
- - لتقليل تكرار الانتهاكات، على الدولة المرسلة (التي تطبق العقوبات) أن تعدل المكافآت / الحوافز. مثال على المكافآت هو التكلفة الاقتصادية لتطبيق العقوبات بالنظر إلى الانتهاكات المُرتكبة.
- - للتقليل من وتيرة العقوبات، على الدولة المستهدفة (التي يتم فرض عقوبات عليها بسبب الانتهاكات) أن تعدل مكافآتها ومكاسبها. مثال على المكاسب والمكافآت هو التكاليف الدبلوماسية للعلاقات المتناغمة / المتوترة بين الدولة المرسلة والدولة المستهدفة.
يتمثل أحد التحذيرات الرئيسية في بحث "تسيبيليس" في أنها تستخدم نموذجًا مختلطًا للمكافآت / الحوافز، مما يجعل من الصعب عزو التغيير في سلوك دولة ما إلى تعديل إجراء واحد؛ بدلاً من ذلك، بل هناك حاجة إلى تغيير جماعي في الإجراءات / السياسات للوصول إلى التوازن. وفي حالة النظام السوري، يبدو أن الأسد يضاعف من ارتكابه الانتهاكات ويلتزم بتحديه، على أمل أن تغير الولايات المتحدة / الاتحاد الأوروبي أفعالهما وتصرفاتها في النهاية (أي أن تكاليف العقوبات لن تكون في مصلحة الولايات المتحدة / الاتحاد الأوروبي بعد الآن، وأن تصبح فوائد العلاقات المتناغمة مع النظام أكثر جدوى).
وهذه النتيجة تتوافق مع الحجة التي طرحها جوشوا لانديس وستيفن سايمون اللذان انتقدا العقوبات التي فرضتها إدارة ترامب (خاصةً، قانون قيصر) والتي تستهدف قطاعات البناء والكهرباء والنفط في سوريا - مما يجعل الأمر مستحيلًا حتى لمنظمات المعونة غير الأمريكية المساهمة في إعادة إعمار البلاد (على وجه التحديد في إعادة إصلاح البنية التحتية على نطاق صغير (.
وخلص الباحثان إلى أن افتراض أن هذه العقوبات قد تجبر النظام السوري على تغيير حوافزه، حيث يقبل الأسد بخطة الأمم المتحدة - التي تدعو إلى إجراء انتخابات نزيهة، ووضع دستور جديد والحكم بمصداقية وبشكل شامل وغير طائفي هو أمر منفصل عن الواقع.
ونشر المركز السوري للعدالة والمساءلة(SJAC) في شهر حزيران (يونيو) من عام 2020دراسة سياسية أكثر توازناً، مطالبة كلاً من الدول المرسلة والدول المستهدفة، بدلاً من من هذه أو تلك، بتغيير نهجها. وتدعو الدراسة كلاً من الولايات المتحدة / الاتحاد الأوروبي وسوريا إلى تغيير مكافأتهم وحوافزهم، خاصة أثناء أزمة فيروس كورونا المستجد. أوصت الدراسة بأن تقوم الولايات المتحدة / الاتحاد الأوروبي بما يلي:
- إبلاغ مصدري المعدات الطبية الأساسية بأن المساعي الإنسانية معفاة من العقوبات
- إعفاء مؤقت للمنتجات ذات الاستخدام المزدوج
- تخفيف القيود المفروضة على الحوالات المالية إلى سوريا
-التفاوض على آلية إغاثة على غرار القناة الإنسانية السويسرية الإيرانية.
وفي الوقت نفسه، توصي الدراسة النظام السوري بتقليل الآثار المترتبة على فرض العقوبات وتعزيز علاقاته مع الغرب من خلال إطلاق المعتقلين السياسيين، والسماح بدخول السجون، ومشاركة البيانات المتعلقة بـ فيروس كورونا مع منظمة الصحة العالمية.
الآثار الإيجابية
قمنا بتجميع الآثار الإيجابية في أربع نقاط رئيسية:
1. تجبر العقوبات الكيانات على تغيير سلوكها و / أو قبول التنازلات. ولفهم مستويات تحقيق هذا الهدف، قمنا بدراسة الكيانات المحذوفة من القائمة. وشملت الكيانات الحكومية الأجنبية وزارتي الدفاع والموارد الطبيعية التركية (ووزراءهما، خلوصي آكار وفاتح دونماز) اللذين تم إدراجهما في قائمة العقوبات ثم شطبهما في تشرين الأول (أكتوبر) 2019بموجب الأمر التنفيذي رقم 13894بسبب "المساهمة في الوضع في سوريا".وتم فرض عقوبات على كيانين من القطاع الخاص "وكالة بلو مارين للنقل البحري" و "سكيرون القابضة ايه جي" (وكلاهما في سويسرا) بموجب الأمر التنفيذي رقم 13582لإجراء صفقات اقتصادية مع النظام، ولكن تم شطبهما من القائمة بعد ذلك بثلاثة أيام. وقد غيرت هاتان المجموعتان سلوكهما بعد فرض العقوبات، وأدى التغيير في السلوك إلى رفع العقوبات. وفي هذه الحالة، إن إجبار الكيانات الخاضعة للعقوبات على إجراء تغييرات سلوكية أفضل من خيار عدم فرض عقوبات على الإطلاق. ومن المهم ملاحظة أن النجاح في الوصول إلى التغيير المنشود يعتمد جزئيًا على مكان تواجد الكيانات الخاضعة للعقوبات ومكان قيامها بمعظم أعمالها. وعلى سبيل المثال، من المحتمل أن الكيانات في سويسرا لم ترغب في تعريض علاقاتها في أسواق الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة للخطر، لذلك امتثلت للعقوبات. ومع ذلك، أي جهة فاعلة ذات مشاركة محدودة في هذه المجالات قد لا تخشى العقوبات.
2. لقد أعطت العقوبات نظام الأسد ومؤيديه (إيران وروسيا) سببًا آخر للسعي إلى التوصل تسوية سياسية للصراع. وهذا أمر لا يمكن التغاضي عنه. ولا يريد النظام أن يظل مفلساً إلى الأبد، في حين تريد روسيا وإيران الخروج من المستنقع السوري وفرصة للاستفادة من التسوية السياسية (القواعد العسكرية، إعادة الإعمار، المزايا المالية، إلخ). ولم تؤد العقوبات الاقتصادية الأحادية، بمفردها، إلى انهيار نظام. ومع ذلك، فإنها في بعض الحالات تستطيع على الأقل شل الأفراد والكيانات المستهدفة وتجعل من الصعب عليهم الإفلات من الفظائع التي ارتكبوها.
3.العقوبات هي أداة ردع، وهي ترسل إشارات صريحة إلى الأفراد والكيانات المتورطة مع أهداف خاضعة للعقوبات بأنهم خاضعين للمراقبة ويمكن أن يكونوا التاليين، إذا قاموا بتطبيع علاقاتهم مع الأهداف أو لم يتبرؤوا من أي أنشطة سرية أو علنية. وعلى سبيل المثال، مشاركة الشركات الأجنبية في أنشطة إعادة الإعمار على الأراضي المصادرة (التي استولى عليها النظام) في دمشق غير موجودة تقريبًا بسبب عقوبات الولايات المتحدة / الاتحاد الأوروبي. في حين أن هذه الأداة تعمل بالتأكيد، كما هو موضح في المثال أعلاه، فإنها لا تحظى بتقدير كافٍ في كثير من الأحيان لأننا لا نستطيع رؤية تأثيرها على أرض الواقع (على سبيل المثال، لا نعرف متى تقرر الشركة عدم اتخاذ إجراء في سوريا؛ نحن نعرف فقط عندما يتخذون إجراءً). وبما أنه أصبح من السهل في الآونة الأخيرة تنفيذ عقوبات ثانوية بموجب قانون قيصر، يمكن الاستفادة بشكل أفضل من فعالية هذا الهدف.
4. ترسل العقوبات رسالة إلى الدول الأخرى مفادها أن القتل الجماعي والتعذيب لا يمكن ارتكابهما مع الإفلات المطلق من العقاب. على الرغم من أن نظام الأسد قد رفع المستوى إلى حد يشجع الديكتاتوريات الأخرى على ارتكاب ما كان ليعتبر ذات يوم أمراً لا يمكن تصوره دون أن توقفه القوى الغربية بقوة، فإن العقوبات توجه رسالة إلى الحكام الديكتاتوريين الآخرين مفادها أن الغرب قد لا يتغاضى تمامًا عن أفعالهم.
الآثار السلبية
عند تقييم الآثار السلبية للعقوبات، من المهم التمييز بين الآثار السلبية الناجمة عن العقوبات والآثار التي ترتبط بها ببساطة. على سبيل المثال، ساهمت أنظمة العقوبات المتعددة بلا شك في الأزمة الاقتصادية في سوريا. ولكن على الرغم من رسائل النظام، فإن العقوبات ليست السبب الوحيد لتلك المحنة. دخل قانون قيصر حيز التنفيذ بعد سنوات من الفساد المؤسسي واقتصاد الحرب وتحويل المعونات بعيدًا عن مقاصدها وسوء الإدارة، والتي تفاقمت جميعها بسبب تداعيات جائحة فيروس كورونا المستجد "كوفيد-19"والأزمة المصرفية في لبنان. ويزعم البعض بأنه حتى لو أراد النظام استيراد بعض السلع المستهدفة بموجب قانون قيصر، فليس من الواضح ما إذا كان لديه الأموال اللازمة للقيام بذلك. فما مدى سهولة حصول النظام على قرض من البنوك الأجنبية حتى لو لم تكن هناك عقوبات، بالنظر إلى وضعه الائتماني المنخفض؟
قمنا بتجميع الآثار السلبية في خمس نقاط رئيسية:
1. على الصعيد الإنساني، كان للعقوبات أثر سلبي على المنظمات السورية غير الحكومية(NGOs) العاملة داخل الحدود السورية وخارجها.
في تقرير نشرته "إمباكت"(IMPACT) منظمة المجتمع المدني للبحوث والتطوير شاركت مختلف المنظمات السورية العاملة في فرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا وتركيا ولبنان التحديات التي تواجهها.
تم إغلاق حسابات العديد من البنوك الخاصة بها، ومنعت من فتح حسابات جديدة، ولم يُسمح لها بإرسال أو تلقي تحويلات بنكية. وأُجبر البعض على التعامل فقط مع البنوك الموجودة في الاتحاد الأوروبي.
ولا تتضمن هذه التدابير في العادة أي تبرير معلن وتُعزى إلى الامتثال؛ وفي حالات قليلة، تراوحت المبررات المعلنة بين أن يكون أحد السوريين عضوًا في مجلس إدارة منظمة غير حكومية وذريعة غامضة مفادها أن الوضع في سوريا غير مستقر.
2. تسببت العقوبات في مشاكل كبيرة للمدنيين السوريين المقيمين في الخارج. حيث يتعقبهم الامتثال في بلدان مختلفة حول العالم، وتم إغلاق حساباتهم، ومنعهم من فتح حسابات جديدة، غالبًا دون تفسير، وكل ذلك أدى إلى تأثير مخيف حيث لم يرغب أحد في التعامل معهم، دون سبب وجيه وواضح.
3. هناك توافق أكاديمي شبه كامل في الآراء على أن العقوبات الاقتصادية، بغض النظر عن نوعها، لها تأثير سلبي على الاقتصادات الوطنية. وهذا صحيح بشكل خاص في الدول التي تختلط فيها الديكتاتورية بالاحتكار، والرأسمالية بالمحاباة، والتوزيع غير العادل للثروات. وفي سوريا، يكون الأفراد والكيانات الذين لديهم فرص أكبر للوصول إلى الموارد والسلطة أكثر قدرة على تحمل العقوبات، في حين أن الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم، لا سيما تلك التي لا علاقة لها بالنظام، تكون أكثر عُرضة للفشل لأن الوصول إلى الموارد يصبح حصريًا.
4. أعاقت العقوبات الخدمات التأهيلية في المناطق التي لا يسيطر عليها النظام.
وفي الأراضي التي يسيطر عليها المتمردون في شمال غرب سوريا، إلى جانب جعلها من المستحيل تقريبًا على المنظمات غير الحكومية الدولية المساهمة في "إعادة تأهيل البنية التحتية على نطاق صغير"، قام قانون قيصر مؤخرًا بحجب موارد التكنولوجيا هناك، بما في ذلك "غوغل ورك سبيس" (الذي كان سابقًا غوغل بيزنس سويت)، وهي مجموعة من التطبيقات المستخدمة من قبل العديد من منظمات المجتمع المدني السوري(CSOs) والمنظمات غير الحكومية. إن حظر التكنولوجيا الغربية على سوريا ليس بالأمر الجديد، لكنه لم يصل أبدًا إلى هذا النطاق. وتشمل العديد من الخدمات عبر الإنترنت التي تكون فيها التكنولوجيا جوهرها (مثل أوراكل جافا وجوجل كروم)، أو تعمل كعامل تمكين للأعمال (على سبيل المثال، مواقع العمل المستقل FreelancerوUpwork).القائمة تتزايد باستمرار لتشمل منصات شهيرة مثل نتفيليكس وزوم أيضًا ولكن الحقيقة المدهشة حول "غوغل ورك سبيس" هي أن كبلات الإنترنت في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام متصلة بشبكات في تركيا أو العراق، وليس سوريا.
فلسفات الأطراف المنخرطين
سيحاول التقييم النهائي لهذه الدراسة فهم العقوبات من وجهة نظر الهدف الرئيسي وكذلك من وجهة نظر الدول الغربية التي تفرضها. في آذار (مارس) 2021، نشرت 14منظمة مُعارضة سورية رسالة تطالب بشار الأسد بتعليق عقوبات الولايات المتحدة / الاتحاد الأوروبي بنفسه من خلال الوفاء بمعايير معينة من قانون قيصر، مثل إطلاق سراح السجناء السياسيين وإنشاء عملية منظمة للمساءلة. ومثل كل محاولة أخرى على مدى سنوات الصراع، تجاهل الأسد ذلك بشكل أساسي.
ونعتقد أن خيار الأسد عدم الاعتراف بالعقوبات أمر منطقي، لأن الآثار السلبية للتسوية السياسية أكبر بالنسبة له من تلك التي تفرضها العقوبات. ومن شأن الانتخابات النزيهة أن تكون بداية نهاية النظام، حيث أنه لا تحظى بشعبية لدى المواطنين. وقد أظهر استطلاع رأي أجراه مركز العمليات والسياسات في دمشق في أواخر عام 2020أن ما يقرب من ثلثي المستطلعين يرغبون في الرحيل عن البلاد (63.5٪). وحتى اولئك الذين يعيشون في المناطق تحت رعاية الأسد سئموا العيش تحت حكمه.
وبدون حماية، من المحتمل أن يكون الأسد مهدداً طوال الوقت، سواء في سوريا أو في الخارج. والواقع أن تحقيق العدالة من المرجح أن يخدم الضعفاء؛ وقد يواجه الأسد نفس مصير أديب الشيشكلي، وهو ديكتاتور سوري سابق اغتيل في 27 أيلول (سبتمبر) 1964في البرازيل على يد نواف غزالة، وهو سوري سعى للانتقام لمقتل والديه في عملية الشيشكلي العسكرية ضد جبل الدروز.
و يمكن تقديم الأسد إلى العدالة على الرغم من كل التأكيدات، في سيناريو مشابه لأوغستو بينوشيه، الديكتاتور العسكري التشيلياني السابق، الذي تم اتهامه واعتقاله في المملكة المتحدة بموجب مبدأ الاختصاص القضائي العالمي .
أما بالنسبة للسياسيين الغربيين، فنحن نعتقد أنهم يعرفون الآن أن العقوبات وحدها لا تكفي لإجبار نظام الأسد على قبول تسوية عادلة للصراع. لكنهم يدركون أيضًا أن تحفيز مؤيدي الأسد وممارسة ضغط إضافي كافٍ عليهم ليؤدي إلى رد فعل سلوكي ليس بالأمر الهين. وعليه، يجب أن نستنتج أن العقوبات، قبل كل شيء، ليست سوى تمويه للساسة الغربيين لتغطية عدم اهتمامهم الحقيقي بإيجاد حل للأزمة السورية في مواجهة الضغوط الداخلية لإنهاء بؤس الشعب السوري في داخل البلاد وخارجها، وانعكاسًا لضعفهم السياسي في سوريا.
التوصيات المتعلقة بالسياسة
إن النموذج الحالي للعقوبات هو نموذج دون المستوى، مع وجود احتمال كبير بأن أهداف العقوبات يمكن أن تستخدم استراتيجيات مراوغة لتجنب أي ضرر فعلي. ونعتقد أن هذا سيظل قائماً حتى عندما يطبق تخفيف/ رفع العقوبات، كما أوصى زكي محشي وريم تركماني،على الجهات الفاعلة المتوسطة: الشركات المستقلة الصغيرة والمتوسطة الحجم ومنظمات المجتمع المدني التي من شأنها أن تتلقى دعمًا موجهًا للحد من معاناة الناس.
إننا نوصي بثلاثة تغييرات رئيسية على سياسة عقوبات الولايات المتحدة / الاتحاد الأوروبي، مع مراعاة أن مثل هذه التغييرات لابد وأن يتم إجراؤها، قدر الإمكان، كاملة وليس أجزاء منها فحسب:
1. أولاً، إلغاء جميع أشكال العقوبات القطرية والقطاعية، وخاصة على المعاملات المالية، لأن ضررها يفوق المنفعة، حتى بالنسبة لعامة السوريين في الشتات والمناطق التي تسيطر عليها المعارضة.وينبغي القيام بذلك مقابل تحقيق مكاسب، مثل الإفراج عن السجناء. وبدلا من ذلك، توسيع نطاق استخدام حظر السفر وتجميد الأصول.
2. تنفيذ سياسة أكثر نشاطًا لكامل سوريا من خلال زيادة استخدام التهديدات باستخدام العصا "الإجراءات العقابية" وتقديم المزيد من الجزرات "الحوافز" مقارنة بالإطار الحالي، حيث من غير المحتمل أن يؤدي النهج الحالي للاعتماد على العقوبات كأداة أساسية للسياسة إلى تغيير سلوكي ذي مغزى.
- الجزرات "الحوافز": تقديم حوافز لحلفاء الأسد للضغط عليه من أجل الإخلال به أو التخلص منه، من خلال إثبات أنه لا يزال العائق الأساسي أمام مصالحهم الخاصة. ويمكن أن تأخذ الحوافز شكل إعادة الإعمار والوعود بالقروض الميسرة التي يمكن سدادها عند تنحية الأسد من السلطة.
- - العصا "الإجراءات العقابية": تسريع وتسهيل الإجراءات القانونية المتخذة ضد مسؤولي النظام والمتعاونين في الخارج في المحاكم الغربية والدولية.
3. تحسين فعالية العقوبات:
- - استخدم العقوبات الثانوية بشكل أكثر فاعلية، خاصة على الأفراد الأقل رسوخًا حيث يكون التغيير السلوكي أكثر احتمالًا.
- - فعل ما هو أكثر من ذلك؛ استهداف الشبكات العميقة للنظام. معاقبة جميع رؤساء الأجهزة الأمنية والمخابرات العسكرية وفصائل المليشيات ورجال الأعمال الموالين للنظام.
- - إنشاء برنامج مكافآت لتحفيز السوريين، وخاصة أولئك الذين يعيشون في البلاد، للتحدث علانية وكشف الأفراد المتورطين في جرائم النظام. يمكن أن تكون المكافآت إما مالية أو عرضًا للجوء.
- - إشراك المنظمات السورية والحركات الشعبية والجماعات الرقابية في جمع الأدلة ورسم خرائط هياكل سلطة النظام السوري لتقليل الأخطاء وتصحيحها في قوائم العقوبات الحالية.
- - ربط صوامع البيانات وزيادة التنسيق بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لتعزيز آثار العقوبات.
- - تحسين الشفافية والتواصل مع الجمهور لتعزيز أثار العقوبات: لماذا تم إدراج بعض الأشخاص تحديداً في قوائم العقوبات؟ ولماذا شطبوا من تلك القوائم؟ لماذا تم تطبيق قانون قيصر على أربعة أفراد فقط؟
- - اعتماد عملية إعادة تقييم ومراجعة سريعة للعقوبات المفروضة، من أجل الموازنة بسرعة بين فعاليتها من حيث التكلفة وإجراء التعديلات المقابلة. سيؤدي ذلك إلى تقليل الآثار الجانبية للعقوبات التي يتم تطبيقها بشكل خاطئ والتي تؤدي إلى عواقب غير مقصودة.وهذا يتفق إلى حد ما مع توصية محشي وتركماني بإنشاء نظام لمراقبة العقوبات.
نبض