المشرق-العربي
30-05-2024 | 12:00
مؤخّر الصّداق في الزّيجات السّورية بالذّهب المستحيل... ادفع بالّتي هي أحسن!
تاريخياً كان يتم تسجيل مؤخر العروس السورية بالعملة المحلية، بفضل استقرار قيمة العملة لسنوات طوال، ولكن خلال الحرب، وتحديداً سنواتها الأخيرة وتفتّح الناس على مخاطر تدني العملة صاروا يتجهون نحو طلب المؤخر ذهباً، تحديداً بالليرات الذهبية.
مهر العروس السورية بالذهب
انعكس ارتفاع أسعار الذهب عالمياً بصورة أكثر من سلبية على الداخل السوري، إذ وصل سعر غرام الذهب عيار 21 إلى أكثر من مليون ليرة سورية في الأيام الماضية (67 دولاراً أميركياً)، وبالقياس التقريبي فإنّ سعر الغرام الواحد يعادل ثلاثة أضعاف المرتب الحكومي الشهري.
وسيلة للادخار
ومع تهاوي قيمة العملة المحلية باطراد مستمر، لجأ كثير من السوريين إلى الادخار بوسائل أخرى ومتباينة بعيداً عن "الكاش"، وذلك عبر العقارات أو السيارات أو الدولار أو الذهب، والأخير هو الأكثر طلباً نظراً إلى قدرته السوقية التي تمكنه من الحفاظ على قيمته بارتفاع مستمر مهما تبدلت الأحوال.
ولم يكن شراء الذهب خلال الحرب حكراً على الأثرياء فقط، بل شمل حتى ذوي الدخل المحدود الذين تمكنوا لسبب أو لآخر من الادخار وتحويل مدخراتهم إلى ذهب.

"النهار العربي" تحدث إلى نائب رئيس مجلس إدارة جمعية المجوهرات الرسمية الصائغ هشام ناصيف الذي قال إنّ الفترة الأخيرة شهدت تراجعاً في الطلب على شراء الذهب المصنف ضمن فئة "الحلي والزينة" وتنامى على ذهب المدخرات، أي الليرات الذهبية والمجوهرات التي لا تخسر عند بيعها كتلك التي لا تحتوي على مشغولات وإضافات وأحجار زينة تزيد وزنها وتنقص قيمتها، وكذلك الأمر بالنسبة إلى ذهب "الفرفشة" والذهب عيار 18 الذي تكون أجور صياغته مرتفعة جداً قياساً بالذهب المثالي من عيار 21.
ناصيف أوضح أنّ شراء الذهب ليس فقط بقصد الادخار اليوم، فهو مطلوب على الدوام في موضوع الزواج، وهنا يجب تمييز فئتين، الفئة الفقيرة التي تكتفي بمحبس خفيف الوزن غالباً يكون وزنه غراماً أو غراماً ونصف غرام، ويكتفي الزوج بمحبس من الفضة.
أما الفئة الثانية فتنتمي إلى طبقة ممتلئة مادياً تتمكن من شراء كميات أكبر من الذهب لتكون متناسبة مع واقع الحدث المرتبط بالأمر، وتلك الطبقة تبدو غير مكترثة أو مهتمة فتشتري من دون حساب أو سؤال، وكمثال على ذلك شراء "شبكة ذهب زواج" كاملة مكونة من حلق وخاتم وطوق رقبة وأساور يدين. وتبدأ تلك الشبكة بحدودها الدنيا من 20 غرام ذهب وصولاً إلى مئات الغرامات، وكلّ بحسب قدرته.
ويلخص ناصيف تينك الطبقتين بوصف الفقيرة بأنّها طبقة الموظفين والأخرى طبقة التجار والمكتنزين وأصحاب الدخل المرتفع، علماً أنّ الطبقة الأولى تطغى وتتفوق عددياً على الثانية بمراحل.
المهر ليرات ذهب
تاريخياً كان يتم تسجيل مؤخر العروس السورية بالعملة المحلية، بفضل استقرار قيمة العملة لسنوات طوال، ولكن خلال الحرب، وتحديداً سنواتها الأخيرة وتفتّح الناس على مخاطر تدني العملة، صار ذوو العروس يتجهون نحو طلب المؤخر ذهباً، تحديداً بالليرات الذهبية.
عبّاس عبد الله زوّج ابنته عام 2014 لطبيب في مدينة دمشق. حينها اتفق الطرفان على أن يكون مؤخر الصداق ثلاثة ملايين ليرة سورية، وكان حينها هذا الرقم يعادل 15 ألف دولار، أو حوالي نصف كيلوغرام من الذهب، ولكن تم تسجيل المؤخر بالليرة السورية كما العادة حتى ذاك الوقت.
يقول عبد الله: "لم يكن أحد يتوقع حينها أن تتهاوى العملة لاحقاً بهذا الشكل المريب، لم يكن أحد يفكر في أن يسجل مهر ابنته بالذهب، الآن ابنتي ما زالت متزوجة ولديها أطفالها وتعيش حياةً سعيدة، ولكنّ مبلغ الثلاثة ملايين صار اليوم يعادل مئتي دولار فقط، وثلاثة غرامات ذهب لا غير، لا يمكن لعقل أن يتخيل كيف تهاوت قيمة المؤخر من نصف كيلو ذهب إلى ثلاثة غرامات، لا يمكن لعقل اقتصادي أن يحلل ما يحصل".
عبد الله زوج ابنته الثانية عام 2021، لكنّه كان متنبهاً أكثر، فألزم زوجها بتسجيل مؤخرها خمس ليرات ذهباً، يقول: "هكذا أضمن حقها مع الأيام".
ليس عبد الله وحده من بات يفعل ذلك الآن، بل صار هذا توجهاً عاماً في المجتمع مرهقاً ومكلفاً وضاغطاً على الزوج، باعتبار أنّ قيمة الذهب متنامية زمنياً نحو الأعلى مع مرور الوقت، وأنّ المؤخر يسجل قانوناً بصفة "غير مقبوض" غالباً، أي أنّه دين من النوع الممتاز والكفيل بالسجن الفوري من دون نقاش للزوج في حال الطلاق وعدم سداده الفوري للمؤخر.
_ (002).jpg)
ثمّة عائلات تطلب ليرةً ذهبية مؤخر زواج، أو ثلاثاً، أو خمساً، أو عشراً وعشرين، وغيرها يطلب مئة، وذلك تبعاً لقدرة الزوج، وفي أحيان أخرى للتعجيز، أو في ألطف التوصيفات لضمان حقوق الزوجة مع الأيام.
لمى شابة في أواخر العشرينات، لم يكتب لها أن تستمر مع شاب أحبته لأربع سنوات، بعدما طلب والدها منه مؤخر صداق عشرين ليرة ذهباً، حاول الشاب جاهداً أن يفعل ما باستطاعته، أو أن يقلل الرقم على الأقل، لكنّه لم يفلح.
تقول لمى: "ليس أبي رجلاً مادياً، لكنّه كان يريد ضمان حياتي وحقوقي إذا حصل أي شيء سيئ مستقبلاً، أو في حال وفاته، فطلب ذلك الرقم من الليرات كمؤخر لي، واستغرقت المفاوضات بين أبي وذاك الشاب شهرين، فجأة صرت أشعر أني سلعة موضوعة على طاولة مفاوضات وبازار عنيف، لا أبي يريد التنازل ولا حبيبي يمتلك تلك المقدرة على أن يرتّب على نفسه ديناً خارقاً كذلك".
_.jpg)
وتضيف لمى: "وهكذا انتهت قصة حبنا رغم أننا فعلنا كل شيء لتستمر، ورغم أنّه عرض أن يكون المؤخر غرامات ذهب لا ليرات، باعتبار أن الغرام هو غرام أما الليرة فهي ثماني غرامات، أما العشرون ليرة فتعني 160 غراماً، أي بسعر اليوم مع صياغتها ليست أقل من 180 مليوناً (12 ألف دولار)، وهذا رقم يعجز عنه إن لم نقل كل السوريين، فمعظمهم".
ضمان أم طمع؟
"سجلت لزوجتي عشر ليرات ذهبية، أنا موظف، وأعلم أنني عاجز عن دفعها الآن أو بعد مئة سنة، ولكنني في الوقت نفسه أعرف جيداً أنّ الطلاق لن يقع بيني وبين زوجتي بعد حب دام ثماني سنوات، ولو وقع لا قدر الله، فسيسجونني وليست لديّ مشكلة، أقلّه أنني دافعت عن حبي وكنت رجلاً يفي وعوده"، يقول المهندس معاذ شربجي لـ"النهار العربي".
ويبين أنّ هذا التوجه العام أصبح استنزافياً لشعب لا يجد ما يأكله، ولغرام ذهب يتطلب شراء واحد منه جمع مرتبات ثلاثة أشهر، وفي الوقت نفسه يرفض أن يصف أهالي الفتيات بالطامعين، يقول إن بعضهم كذلك، ولكن البقية يطمحون لضمان حقوق بناتهنّ.
حق للمرأة وإرهاق للرجل
وفي هذا الإطار يعتقد ناصيف أنّ تسجيل المؤخر بالذهب يحفظ حق المرأة تماماً، ولكنّه أيضاً يتبع بالمطلق للبيئة التي يتم فيها الزواج ومقدرة الأفراد فيها في معرض توصيفه السابق لحال الطبقات الاجتماعية السورية.
يقول ناصيف: "أنا كصائغ، كثير من العرسان يختلفون لديّ في محل مجوهراتي، يكون هناك اتفاق مسبق ويتغير هذا الاتفاق تحت وطأة الأسعار فيختلف الشريكان أو أهاليهما".
ويتابع: "الذهب غالٍ جداً، ورغم أنّه يحفظ حق المرأة ولكنّه يشكل ضغطاً لا يُحتمل على الزوج، وهذا ما يؤدي إلى العدول عن كثير من الزيجات أو فشلها قبل أن تتخذ شكلاً رسمياً".
في القانون
يمنع القانون السوري التداول بالدولار، كما يمنع التداول بالذهب بقصد التبادلات التجارية، لكنّه لا يمنعه في إطار المهر المعجل أو المؤخر، وكانت أعلى قيمة مهر مسجل في سوريا بحسب صحيفة "لبعث" الرسمية عام 2023 هي 2 كيلوغرام ذهباً مقدماً و2 كيلوغرام ذهباً مؤخراً، فيما الأعلى خلال الحرب يرجع إلى عام 2021 وبواقع 500 ليرة ذهباً مقدماً ومثلها مؤخراً، أي ثمانية كيلوغرامات ذهباً.
وفي تلك الأحوال من المبالغة الشديدة في تسجيل مهور مرتفعة القيمة يحاول القاضي الشرعي مراراً الطلب من الزوج تعديل قيمة المهر وخفضه ليكون ملائماً لتعاليم الشريعة الدينية، وفي حالة المهر الذي كان 500 ليرة ذهبية مقدماً ومثلها مؤخراً جرت مداولات من قبل القاضي مع الزوجين أربع مرات لخفضها أمام إصرار الزوجين من دون أن يفلح.
ويوضح المحامي رضوان محمد لـ"النهار العربي" أنّ المهر المؤخر يكون إما مقبوضاً أو غير مقبوض، والذي يسبب المشكلات والضغط هو غير المقبوض، إذ إنّه يتم تبليغ الزوج بضرورة سداده عبر القاضي الشرعي خلال خمسة أيام من تاريخ إخطاره بعد رفع دعوى من الزوجة التي يحق لها وضع منع سفر وحجز على أموال الزوج بحسب المادة /439/ قانون الأحوال المدنية.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
الخليج العربي
5/9/2026 11:05:00 PM
جرى خلال الاتصال، استعراض علاقات التعاون بين البلدين وسبل دعمها وتعزيزها...
الخليج العربي
5/10/2026 1:02:00 PM
وزارة الدفاع الكويتية: القوات المسلحة رصدت فجر اليوم عدداً من المسيّرات المعادية داخل المجال الجوي الكويتي وتمّ التعامل معها وفق الإجراءات المعتمدة
كتاب النهار
5/5/2026 1:21:00 PM
السؤال لم يعد: هل يستطيع الحزب أن يقاتل؟ بل: هل يستطيع أن يحمي الحياة اليومية لمن دفعوا ثمن قتاله؟
فن ومشاهير
5/3/2026 11:16:00 AM
حصدت إيميليا إعجاباً واسعاً، وتحوّلت رقصتها إلى موجة يقلّدها الجمهور وصنّاع المحتوى.
نبض