عادت محافظ الحكسة السورية في أقصى شمال شرقي البلاد إلى واجهة الأخبار ومنشورات منصات التواصل الاجتماعي مجدداً، وهذه المرة ليس بأخبار ميدانية كتلك الخاصة بهجمات تنظيم "داعش الإرهابي"، أو التوترات المتكررة بين القوات السورية و"قوات سوريا الديموقراطية"، بل بترؤس قسيسة صلاة روحية في الكنيسة الإنجيلية المشيخية الوطنية للمرة الأولى في سوريا.
غدت القسيسة ماتيلد صباغ أول امرأة يتم منحها السلطة الدينية والاجتماعية بترسيمها في سابقة دينية في سوريا، مجددة الجدل القديم-الجديد حول دور المرأة في الكنيسة والعبادات، وقدرتها على تبنّي مثل هذه المسؤوليات، وبخاصة في الظروف الاستثنائية التي تعيشها الحسكة خصوصاً وسوريا عموماً.
قصّة قسّيسة
لم يكن طريق القسيسة صباغ إبنة مدينة الحسكة ذات الـ32 عاماً إلى الترسيم تقليدياً، وهي تروي قصتها إلى "النهار العربي" منذ تخرّجها في كلية الآداب في جامعة حلب - قسم اللغة الإنكليزية عام 2012، وصولاً إلى ترسيمها، بعد نيلها درجة الماجستير في علم اللاهوت في كلية اللاهوت للشرق الأدنى ببيروت.
تقول: "فكرة الانضمام إلى الكنيسة تعود بالأصل الى كوني انتمي إلى عائلة كنسية مشيخية، والدي كان شيخاً في الكنيسة وأنا استقبلت الدعوة الإلهية في عمر 13 عاماً"، شارحة أن "فكرة الانضمام استغرقت مني عشر سنوات لإقناع والدي بالأمر، وكان آخر حوار بيني وبينه حول ذلك قبل يوم من وفاته، فالفضل له في وصولي إلى ما أنا عليه اليوم".
.jpg)
لا تخفي صباغ الاستغراب الكبير لترسيمها في البداية في محيطها والرعيّة، وحتى المجتمع القريب والبعيد "بخاصة أنني انتمي الى طائفة تعتبر أقلية، لكنها تدعم العلم ومسيرة التفكير والنهضة بالمجتمعات، ومدرسة النهضة العربية الخاصة بالحسكة تشهد على ذلك، لكن في الوقت نفسه كان هناك دعم ووعي تجاه هذا الموضوع، ومع مرور الوقت أصبح الأمر أكثر تقبلاً من قبل محيطي بل وحتى مشجّعاً".
وترى أن "المرأة تحمل الكثير من الميزات، بخاصة ملاحظتها للتفاصيل، ولديها قدرة التركيز على جبهات عدة في الوقت نفسه، وأيضاً الأمومة التي في داخل أي أنثى تنقل إلى الكنيسة وهذا يعود بالمنفعة على الكنيسة".
القس ابراهيم عبدالكريم نصير راعي الكنيسة الإنجيلية العربية في حلب، يشرح أن رسامة القسيسة ماتيلد أو أي قسيسة أخرى لا تبنى فقط على رغبة القسيسة، بل يجب أن يكون هناك طلب من الكنيسة التي تود أن ترسمها، "أجد أنه من الضروري جداً تأكيد أهمية خدمة القسيسة ماتيلد قبل الرسامة حيث اختبرت الكنيسة في الحسكة خدمة مميزة ملموسة بشكل فاعل للقسيسة ماتيلد ما أوجد الرغبة لدى شيوخ الكنيسة وأعضائها في الاستجابة لطلب الرسامة بعد أن قاربوا هذا الموضوع بالصلاة".
ويروي نصير أن رسامة القسيسة ماتيلد صباغ ليست الأولى، رغم أنها الأولى في سوريا، فقد رسم السينودس الانجيلي الوطني في سوريا ولبنان رولا سليمان قسيسة لكنيسة طرابلس؛ كما تمت رسامة القسيسة نجلا أبو صوان، التي تترأس حالياً شركة الكنائس الإنجيلية المصلحة في العالم.
انقسام مسيحي على ترسيم الإناث
رسّمت العديد من الطوائف البروتستانتية النساء قسيسات وأسقفات،، فيما لا تزال الكنيستان الكاثوليكية والأرثوذكسية رافضتين لهذه الفكرة. قبل أعوام ورداً على استفسار أحد الصحافيين حول الموضوع استشهد البابا فرنسيس بالرسالة الرسولية "Ordinatio Sacerdotalis"، التي كتبها البابا يوحنا بولس الثاني عام 1994، الذي تم تقديسه، وأكد فيها عدم جواز رسامة النساء "لأن يسوع اختار الرجال فقط ليكونوا رسلاً له"، مضيفاً: "لكن يمكن للمرأة أن تفعل أشياء أخرى كثيرة أفضل من الرجل"، ومشيراً إلى أن مريم العذراء، والدة يسوع، لها أهمية كبيرة في لاهوت الكنيسة وروحانيتها.
تورى ماتيلد صباغ أن "انتقاض هذه الفرضية يتطلب تقبّلاً لحالة الحوار الذي يمكن أن ندخل لها من الناحية اللاهوتية ومن ناحية قراءة النصوص البولسية، إذا لم يكن الشخص على دراية واضحة وعميقة ويمكنه أن يفسّر الإجابات الموجودة في الرسالة، سيكون الأمر أشبه بالإيميل الذي يصل الى الشخص المغلوط. ومن هذا المنطلق تحتاج نصوص بولس إلى دراسة لأنها الأعقد من ناحية المرأة. ويجب دراستها بطريقة موضوعية في زمانه ومجتمعه والظروف التي دعته الى هذا القول. ولم يعمم بولس أقواله على كل الرسائل وبالأخص رسالة رومي التي هي عقيدة الكنائس أجمعين".
يجادل الأصوليون المسيحيون بأن "يسوع كان رجلاً، وكان جميع تلاميذه رجالاً، وبالتالي لا يمكن إلا للرجل أن يمثّل يسوع على المذبح"، لكن القسيسة ماتيلد تردّ على هذه الادّعاءات باعتبارها "أي شيء أصولي هو مغلوط في أي فكر كان، ومعقّد ورجعي جداً".
ويشرح القس نصير أن "قضية رسامة المرأة لم تكن وليدة اللحظة؛ بل هي نتاج حوار لاهوتي اجتماعي احتاج زمناً ليس بالقصير من مؤسسات السينودس ولجانه، وتمت مقاربته بكل مسؤولية أمام الله وأمام المجتمع"، مشيراً إلى أن "الأصولية موجودة في كل مكان وعلى كل الصعد الروحية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية؛ فمواجهتها هي أمر يكاد يكون محتوماً ولا مفر منه".
وعن ربط الرتب الكنسية بالرجال كون يسوع كان رجلاً، يرى نصير أن "تفرد يسوع لم يكن في رجوليته، بل كان في هويته كابن لله وابن للإنسان. إن الذكورية لم تجعل من يسوع شخصاً مميزاً، فهناك تعداد كبير للذكور في زمنه؛ لكن ما جعل يسوع الناصري مميّزاً هو قدرته على إعادة العلاقة الصحيحة بين الإنسان - الذي تمرد على الله – والله. فيسوع حمل صورة الإنسان الكامل أمام الله، ويسوع هو جوهر الله أمام الإنسان".
ويتّهم نصير "الذين يحملون مواقف لا تدعم رسامة المرأة بالذهاب إلى بعض النصوص المقدّسة بحرفيتها والتخلّي عن نصوص آخرى. القضية هي ليست قضية نصوص؛ فالروحانية والخدمة لا تعتمدان على الذكورية أو الأنثوية، بل هي إيمان ودعوة وتكرّس وخدمة وتضحية؛ ولدي كل القناعة الفكرية بأن هذه القيم السامية الروحية لا علاقة لها بجنس الشخص الذي يحملها".
حاولت صباغ تجنّب أي انتقاد لجهة عدم قدرتها بيولوجياً ومجتمعياً على هذه المهمة مذكرة بقول القسيسة أنجيلا بيرنرز ويلسون، وهي من أوائل النساء اللاتي تم ترسيمهن في كنيسة إنكلترا في عام 1994، في مقابلة صحافية "أنت تفعل أفضل ما بوسعك، لأنه إذا حدث خطأ ما، فقد يقولون، ماذا تتوقع؟ إنها امرأة. كان عليّ أن أحترس من ذلك وأبذل قصارى جهدي لسنوات".
تشير صباغ إلى المعنى ذاته من خلال استذكارها طرح الأمين العام للسينودس الإنجيلي الوطني في سوريا ولبنان القس جوزيف قصاب من أنه لو جاءت المرأة تمشي على الماء سوف يقال مشيت لأنها لم تستطع أن تسبح. "فدائماً المجتمع لديه حجج ليحبط معنويات المرأة في أي شيء تفعله، وأعلم أن المنظومة المجتمعية والكهنوتية والاقتصادية هي ذكورية جداً، وبناءً على ذلك أنا منتبهة جداً الى أي تصرف، لعدم وضع أي إشارة استفهام حولي، لدرجة أنني كنت أقف على منبري لآخر لحظة قبل إنجابي أبنائي، وتحمّلت الأوجاع لآخر لحظة لأنهيت كل مهامي، تجنباً لأي انتقاد بأنني لم أكن قادرة بيولوجياً ومجتمعياً لهذه المهمة".
وعن خطواتها القادمة تقول: "الوضع في الحسكة غير مستقر، فالمدينة مقسومة الى قسمين، قسم تحت سيطرة الدولة السورية وقسم تحت سيطرة الإدارة الذاتية، والوضع بشكل عام صعب، لكن دائماً توجد أهداف ومشاريع وأولها خدمة الكنيسة. أما على الصعيد الشخصي فالهدف هو إكمال الدراسة والحصول على الدكتوراه، لكن هذا مؤجل حالياً بسبب الظروف المحيطة".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
5/3/2026 8:42:00 PM
طبع هاني شاكر ذاكرة أجيال توارثت أغنياته، حتى وصلت إلى الجيل زد وجيل ألفا.
فن ومشاهير
5/3/2026 4:44:00 PM
منذ تلك اللحظة، بدأ الربط الجماهيري بين شاكر و"العندليب الأسمر"...
فن ومشاهير
4/28/2026 9:56:00 AM
تحدث عكنان عن تجربته مع شاكر الراقد حالياً في مستشفى "فوش" في العاصمة الفرنسية باريس.
فن ومشاهير
5/2/2026 1:51:00 PM
تعكس الصورة جمال الطبيعة وبهجة المناسبة، ما يضيف لمسة خاصة للاحتفال، وتعتبر هذه اللحظات فرصة للتواصل مع الجمهور وإظهار جانب من حياة الأميرة.
نبض