"المتة؟ ما هي المتة؟ حشائش ومياه وفقط، ولكن ماذا نقول؟ الله أكبر على حكومة لو كان بيدها لحرمتنا التنفس"، يقول مسعد وهو شاب لديه بسطة صغيرة لبيع الدخان في دمشق لـ"النهار العربي"، مؤكداً أنّ القصة ليست في المتة، بل في المبدأ عينه، مبدأ الحرمان من أبسط الأشياء.
الشاب العشريني الذي ينحدر من منطقة القلمون في ريف دمشق كان دائماً ما يسلي نفسه بشرب المتة خلال ساعات جلوسه الطويلة خلف البسطة، ولكنّه الآن، وبحسب ما يقول، يشربها مرّة واحدة في النهار.
ويضيف: "المتة هي الأرخص، كانت الأرخص، ولكنّها الآن أصبحت كالشاي والقهوة، فماذا سنشرب لندفئ أنفسنا في أيام البرد هذه؟"، ويؤكد أن مشروب الفقراء هذا ما عاد إليه سبيل في معظم الأحيان، فهو مادة ستبتلعها السوق السوداء وتنضم إلى شبيهاتها من المواد التي تخضع لقوانين البورصة والسمسرة.
لا غنى عنها
ولا تعتبر المتة المشروب الأول في الساحل السوري وحسب، بل هي كذلك في القلمون، وإدلب والسويداء وبعض حمص وأرياف حماه، حتى أنها تتفوق في تلك المناطق شعبية على القهوة والشاي بمراحل. وخلال الحرب شقت طريقها إلى دمشق وحلب وبقية المحافظات.
الخبير في علم الاجتماع مراد عليشة يقول لـ"النهار العربي" إنّ البطالة تلعب دوراً في انتشار مواد التسلية، وضمناً الغذائية، لتتصدر مشهد أي بلد يشهد تخلخلاً اجتماعياً ووفرة في الوقت لدى أبنائه في ظل حالة من البطالة عزّ نظيرها.
يقول: "بالمنطق، كيف سيسلي الناس أنفسهم؟ فرص العمل باتت شبه معدومة، البطالة طاغية، وحتى أصحاب المصالح هم شبه عاطلين من العمل نتيجة الجمود الكبير في حركة البيع والشراء ودخول الزبائن إلى محالهم، فمن اليسير للغاية أن تجد الناس تشرب المتة مثلاً على أبواب محالهم، أبواب منازلهم، أو داخلها، أو على أسطحها، وفي البرد يستمر الطقس عينه ولكنّه ينحصر في داخل المحل والمنزل".
ويضيف: "المدارس تأخذ من وقت الأطفال، الشبان قد يتجهون إلى صالات الألعاب، الأكبر عمراً بقليل من الشباب، النساء، المتقاعدون، ستجدهم جميعاً يشربون المتة كنوع من التسلية الاجتماعية والوقتية، ولكن ما لم يكن بالحسبان هو أنّه هل سيظل هؤلاء الناس قادرين على شراء المادة في ظل الارتفاع المهول لأسعارها؟".
ويؤكد المدرّس المتقاعد من إحدى مدارس دمشق ماجد وصفي ما قاله عليشة، "قبل الحرب لم أكن أشرب المتة، بل لم أكن أحبها حتى، تقاعدت في الحرب من مهنتي، ولوفرة الوقت لديّ الذي لا أستطيع أن أفعل به شيئاً تعلمت شرب المتة، وصرت أشربها مع أولادي".

بورصة جديدة
أخيراً دخلت هذه المادة بحزم إلى قائمة البورصة الخاصة بها بعد انقطاعها من الأسواق، ثم توافرها بأسعار تعجز الأهالي، ثم انقطاعها وتوافرها مراراً وهكذا دواليك. وبهذه الصيغة والاستمرارية بات يعجز الناس عن شرائها.
القضية ليست في المتة عينها، بل بما صار السوري محروماً منه، ويكفي أن نذكر أن متوسط راتب السوري هو مئة ألف ليرة سورية (20 دولاراً أميركياً)، وثمة أسر قد تحتاج عبوة متة كل يومين، أي ستحتاج راتب موظف كاملاً ثمناً للمتة فقط، هذا فضلاً عن السكر المرافق للمادة خلال شربها، والذي قد تحتاج راتباً آخر لتأمينه، فماذا يفعل الغلابة بعدما اشتاقت أسر لا حصر لها لطعم الشاي والقهوة؟
على بساطة الأمر، إلا أن المادة تشكل ركيزة في حياة شريحة كبيرة من المواطنين، إذ يبدأ صباحهم بها ويشربونها على فترات متقطعة من النهار. تعتبر المادة شيئاً باقياً للتسلية من الأيام القديمة، ولكنها يوماً بعد يوم لا تعود كذلك، فقائمة الحرمان السوري تتسع وتتسع.
الفرط
"يا للعار، صرنا نشتري المتة فرطاً، أي أيام نعيشها؟"، تقول السيدة أم سميع لـ"النهار العربي" مؤكدةً أنّه لا يمكن العيش من دون المتة، التي تشكل طقساً متكرراً خلال ساعات النهار.
تقول أم سميع: "لديّ خمسة أولاد، وأنا وأبوهم، جميعنا نشرب المتة، هي طقس مميز، ثم نحن من السويداء، وهنا المتة تجري في دمنا، نحن ندمنها حقيقةً، وفي طقوسنا أنّنا نبدل الكأس كلما شربنا به قليلاً، فيزيد استهلاكنا أكثر قياساً ببقية المناطق، ولكن إلى متى هذه الحال من السعي الحثيث في اللهث وراء الأسعار التي ترتفع كل يوم؟ ثم تنقطع المادة فجأة، فكنا نوصي عليها من محافظات أخرى، وكل مرة سعر مختلف، قبل أن تصبح تباع فرطاً".
"اشتريت علبة متة 250 غراماً بـ9 آلاف ليرة في دمشق يوم أمس، واشتراها صديقي بنصف هذا الثمن في حمص، ثمة تخبط كبير للغاية في سعر المادة، وفي توافرها أساساً، فهي فجأة تنقطع، والآن أصبحت تباع فرطاً"، يقول صاحب محل لبيع الأدوات الكهربائية في دمشق لـ"النهار العربي".
يضحك المهندس علي عمار وهو من اللاذقية حين سؤاله عن المتة، يقول: "هذه المادة وحّدت السوريين بعدما لحقت سوق الدولار والانقطاع، وأُلغي التنافس المحموم بين من يشرب متة أكثر، نحن أو القلمون أو السويداء، صرنا في المشكلة سواسية، جميعنا نبحث عنها وندفع ثمنها الذي يسلبنا رواتبنا".
ويضيف "أنا ضحكت في البداية، لأنني لم أتوقع أن يأتي يوم ونناقش فيه قضية انقطاع المتة وارتفاع أسعارها الجنوني، والبحث عنها في السوق السوداء أحياناً، ضحكت لأنني تخيلت المشهد ونحن نبحث عن مياه الشرب في السوق السوداء ذات يوم، وقد يحصل ذلك فعلاً في هذا البلد".
تفاوت الأسعار
"النهار العربي" بدوره تقصى عن أسعارها ولحظ التفاوت الكبير في أسعار مبيعها بين المحافظات السورية، بل وبين محل وآخر في المدينة نفسها، وهذا كلّه بدوره يدل على خلل لا يمكن التغاضي عنه في آلية عمل الحكومة السورية والوزارة المعنية ضمناً.
فوزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك وضعت أسعاراً للمادة، لكن تبين لدى بحثنا أن الفرق بين التسعيرة الرسمية وسعر مبيعها على أرض الواقع يعتبر كبيراً، حيث ارتفع سعر مادة المتة نوع خريطة سعة 500 غرام معبأ خلال الأيام الماضية في الأسواق من 10 آلاف إلى 16 ألفاً، ونوع بيبوري من 11 ألفاً إلى 17 ألفاً، كما ارتفع سعر المادة نوع خريطة سعة 250 غراماً من 5 آلاف إلى 7500 ليرة ونوع بيبوري من 5500 إلى 8 آلاف ليرة.
وزير من "فايسبوك"
الوزارة التي يقول وزيرها المعني إنّه يبكي على حال السوريين وما يحصل بهم، يحضر اجتماعاته بعنفوان القدير العارف بحال الأمور وحلولها، ولكن يسأل السوريون: ماذا بعد عام ونصف من تسلمه دفة القيادة؟
الجدير بالذكر أنّه على دور هذا الوزير انهارت الليرة السورية كما لم يحصل سابقاً في سني الحرب، رفع الدعم، بردت العائلات، جاع الناس، فقدت المواد الغذائية من الأسواق، مزارعو الساحل رموا محاصيلهم في الأنهار هناك لأنّ الوزارة انتهجت سياسة تدمير محاصيلهم بعد جنيها.
الوزير الذي قدم نفسه على "فايسبوك" لسنوات قبل توليه الحقيبة على أنّه يملك الحلول ومفاتيحها، عرّته الوزارة، وأثبتت عجزه عن إيجاد الحلول، ومن المجحف تحميله المسؤولية وحده، فهذا أمر مترابط تتحمله منظومة حكومية كاملة، منظومة حكومية يقول الشارع السوري إنّها أسوأ حكومات الحرب حتى الآن، وسط معلومات تتردد بين حين وآخر عن احتمالية تغييرات حكومية قريبة، ولكن هل ستحمل تلك التغييرات حلولاً؟ أم أنّ العطار لا يصلح ما أفسده الدهر، والدهر هنا هو عدو السوريين الذين ينهش لحم فقرهم وحاجتهم وعوزهم وحربهم مع الحياة التي يقودونها منفردين.
تصريحات رسميّة
في تصريح سابق لوسائل إعلام محلية قال عضو مجلس إدارة غرفة تجارة دمشق ياسر كريم، إن ارتفاع الأسعار طال كل المواد ومنها مادة المتة، لكن الذي أدى إلى ارتفاع سعر المتة كثيراً أن طريق وصول المادة من البلد المنتج صار أصعب من ذي قبل عقب المشكلات العالمية، وأصبحت تكاليف النقل من المصدر الرئيسي للمادة مختلفة وكبيرة، إذ يتبعها تكاليف البنزين والمازوت وغيرها من التكاليف الأخرى، وهذه التكاليف تؤثر في النقل من المصدر وفي النقل الداخلي والتوزيع وغيرها من التكاليف الأخرى.
ولكن لم يفسر هذا المسؤول، وسواه، كيف أنّ الكمية التي وصلت ضمن الشحنة نفسها يتفاوت سعرها، وتختفي، لتظهر في السوق السوداء، هذان الاختفاء والظهور، قد لا يكونان مثيرين لفضول السوريين كثيراً، فالناس هنا اعتادت هذا الأسلوب، بدءاً من المتة، وصولاً إلى كل ما يخطر ولا يخطر على البال.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
النهار بيديا
10/26/2026 7:57:00 PM
توفي يشاي زيمرمان عن 93 عاماً، بعدما ارتبط اسمه بالاستيلاء على طائرة مدنية من مطار بيروت خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان، في واقعة انتهت باعتراضه بمقاتلتَي "إف-16" واتهامه بالنهب.
المشرق-العربي
10/28/2026 8:00:00 PM
"أدى مراسم الزيارة والصلاة داخل الصحن الشريف، واطلع بعدها على معالم المرقد".
صحة وعلوم
10/28/2026 4:48:00 PM
وزارة الصحة أقفلت مطعماً ومستودعاً للّحوم وسط بيروت، عقب تأكيد تسجيل أربع إصابات بمرض "داء الشعرينات" الناتج عن تناول لحوم غير مطهوة.
نبض