"فوبيا" الزّلزال تؤرق الحلبيّين... "الدوخة" متلازمة جديدة والقلم والحبل جهاز استشعار!
رغم مرور شهر تقريباً على وقوعه، إلا أن الخوف من الزلزال لا يزال يرمي بثقله على حياة سكان مدينة حلب السورية الذين باتوا معتادين على قضاء ليال في الشوارع والساحات مع كل هزة ارتدادية، تحسّباً من تكرار الفاجعة التي أودت بحياة المئات في ثاني أكبر المدن السورية وعاصمتها الصناعية والاقتصادية قبل الحرب.
رغم مرور شهر تقريباً على وقوعه، إلا أن الخوف من الزلزال لا يزال يرمي بثقله على حياة سكان مدينة حلب السورية الذين باتوا معتادين على قضاء ليال في الشوارع والساحات مع كل هزة ارتدادية، تحسّباً من تكرار الفاجعة التي أودت بحياة المئات في ثاني أكبر المدن السورية وعاصمتها الصناعية والاقتصادية قبل الحرب.
مع كل شائعة عن احتمال وقوع زلزال جديد أو "نشاط على أحد الفوالق"، تتجمّع آلاف العائلات الحلبية في ساحات المدارس البعيدة من المباني السكنية ووسط الحدائق وعلى أطراف الطرق الدولية، أو في صالات مراكز الإيواء وداخل سيّاراتهم لقضاء ليلتهم، وهو ما حصل عندما انتشرت شائعات عن كون 22 شباط (فبراير) هو توقيت الذروة للزلزال الجديد المحتمل ضربه المدينة المنكوبة.
النجاة وحيداً أصعب من الموت
تروي الشابة خلود.ع. البالغة من العمر 25 عاماً، "تفاصيل الرعب" التي تعيشها مثل غيرها من سكان المدينة لـ"النهار العربي" قائلة: "الزلزال الأول كان مخيفاً، لقد شعرت بالمنزل يترنح يميناً ويساراً، وسمعت صوت الحجارة، لن أنسى ذلك الصوت أبداً".
وتضيف: "تلك كانت المرة الأولى التي أتعرّف فيها إلى الزلزال، استغرق الأمر ثوانيَ لأفهم ما كان يحدث تماماً بعد استيقاظي على صوت طقطقة الجدران والنوافذ، مجرد استذكار تلك اللحظات يجعلني أشعر بالرعب".
ضرب زلزال في السادس من شباط (فبراير) الماضي، مدينة حلب في شمال سوريا على بعد أقل من 100 كم خط نظر عن مركز الزلزال في نورداغ في ولاية مرعش التركية، ليزيد من نكبة المدينة المنكوبة أصلاً بفعل الحرب طيلة 5 سنوات.
وبينما كانت المدينة تستعد للملمة جراحها وتجاوز الضحايا السبعمئة والمشردين الذين تجاوزت أعدادهم 13 ألف شخص مع انهيار نحو 60 بناءً سكنياً، وإخلاء مئات أخرى نتيجة تضررها، وفي اللحظة التي اقترب سكّانها من نسيان ما حصل منكبّين على أعمال الإغاثة ومدّ يد العون للمنكوبين، جاءت هزّة ارتدادية شديدة في 20 شباط (فبراير)، أقل شدّة ومدّة من الزلزال المدمّر، لتنشّط ذاكرة الرعب لدى السكان، وتدفع بهم إلى الشوارع مجدداً.
يستذكر أحمد، طالب الصف التاسع، لحظات الخوف التي عاشها تلك الليلة قائلاً: "عندما بدأنا نشعر بالاهتزاز، نظرت في عيني والدتي، وقبل أن تنطق بكلمة، أمسكت بيد أختي بينما بدأت والدتي بدفع إخوتي الآخرين نحو الباب، وهرعنا إلى الخارج من دون أن ينطق أي منا بكلمة واحدة، وبقينا صامتين إلى حين استقبال مكالمة والدي الذي لم يكن في المنزل لحظة وقوع الهزة".
وتقول والدته، البالغة من العمر 43 عاماً: "في المرة الأولى اختبر الأطفال الخوف، أما الآن فباتوا يعرفون ذلك الشعور جيداً، ويعيشونه، لذا لا تهم شدّة الهزة ما إن كانت أقل من سابقتها ولا مدّتها، هم فقط يفكّرون في النجاة".

جهاز استشعار الزلازل البدائي.
ويعرض أحمد "جهاز استشعار الزلزال" البدائي الذي "صمّمه للتنبؤ بالهزة وإخطار عائلته، فالنجاة وحيداً هو أحد أشكال الموت". ويتكون جهاز أحمد، البالغ من العمر 15 عاماً، من حبل رفيع يحمل في نهايته قلماً معلّقاً من مصباح يعمل على البطارية، كون المدينة تفتقد التيار الكهربائي الذي يزورها أقل من 4 ساعات يومياً.
بمجرد تمايل القلم، يقول أحمد، "سأعرف أن الهزة بدأت بالتشكّل، وإن لم يصادف مع توقيت النوم كما في المرة الأخيرة، يمكنني إنقاذ عائلتي، فذلك كل ما أفكّر به الآن".
ً
متلازمة الدّوخة ما بعد الزلزال
أودت الهزّة الأخيرة بحياة عدد من الأشخاص، إما مباشرةً بسبب حالات القفز من النافذة تحت تأثير الهلع المفرط، أو بسبب تعرّضهم لسكتات قلبية نتيجة الخوف الشديد، كما سجّلت مشافي المدينة، ومنها المشفى الجامعي، وهو الأكبر في حلب، وصول حالات إصابات نتيجة سقوط حجارة وكتل إسمنتية من المباني لتضررها جراء الزلزال الأول.
بالإضافة إلى ذلك، فقد سُجلّ تزايد كبير في الوصفات الطبية المتضمنة الأدوية الخاصة بالدوخة وفقدان التوازن، وفق ما بيّنه الصيدلي كوكو هايكيان في حلب لـ"النهار العربي"، وهو ما فسّره الطبيب الياس رفله كردوس، اختصاصي أمراض "أذن أنف حنجرة" وجراحتها، قائلاً: "الكثير من الأشخاص الذين شهدوا كارثة الزلزال الأخيرة تتطور لديهم متلازمة ما بعد الزلازل، وهي شعور كاذب بالدوار وعدم التوازن في الرأس على شكل نوبات متكررة لمدة 3 أشهر بعد الزلازل، كل نوبة مدتها من دقيقة إلى 3 دقائق".
وبيّن كردوس أن "لهذه المتلازمة سببين. الأول تحفيز متكرر للجهاز الدهليزي في الأذن الداخلية، بخاصة الكييس والقريبة عبر الحصيات، والسبب الثاني يرتبط بالتوتر ونوبات القلق المتكررة من حدوث الزلازل، وبخاصة عند الوجود في المنزل. وحالياً أكثر من يعانون هذه المتلازمة هم من لديهم أمراض أذنية سابقة، والإناث كون رد فعلهن العفوي يكون أقوى عادة وكونهن أكثر حساسية".
وأوصى بـ"العلاج عبر تمارين للرقبة مع علاج فيزيائي وأدوية الدوار. أما في حالات القلق الشديد فيمكن اللجوء إلى علاج سلوكي وأدوية مضادة للاكتئاب".

الأبنية المتصدّعة تحد جديد
وإن كانت النجاة لحظة وقوع الهزة هي الغالبة على هموم الحلبيين، فإن صعوبات البقاء والاستمرار تعتبر أبرز التحدّيات التي يواجهها سكّان المدينة، التي أثّرت القذائف والتفجيرات في بنيتها التحتية وأضرّت بجزء كبير من أساسات أبنيتها ومنشآتها السكنية والصناعية والتجارية، وأسهمت في تسريع وتيرة الانهيارات في مباني المدينة المتضررة، ليغدو التأكد من سلامة البناء تحدّياً جديداً أمام القاطنين والجهات المعنية على حد سواء.
هذا التحدّي دفع عدداً كبيراً من المهندسين من أبناء المدينة للتطوّع في أعمال الكشف على المباني وتقييم أضرارها، تمهيداً لإخلائها في حال وجود درجة عالية من الخطورة على قاطنيها، تفادياً لوقوع المزيد من الضحايا.
محمد جمول، أحد هؤلاء المهندسين المتطوعين، شرح لـ"النهار العربي" العوامل المؤثرة في حجم تضرر المنازل تبعاً للمنطقة وعدد طبقات البناء ومعايير إنشائه، مشيراً إلى أن المسح حتى الآن لم يغط سوى 20% من الأبنية المطلوب مسحها، فالعمل كبير ويحتاج إلى أشهر لإنجازه.
أضرار الصناعيّين كبيرة أيضاً
رغم الألم الذي يسببه فقدان المنزل، إلا أنه يبقى أخف من جرح خسارة معمل أو ورشة حرفية، بحسب توصيف الصناعي تيسير دركلت، الذي قال لـ"النهار العربي": "لا شك في أن فقدان أي عائلة منزلها خسارة كبيرة، لكنها ستظل قادرة على تجاوز المحنة ومواصلة الحياة، لكن الكارثة في خسارة الورشة أو المعمل، لأنها تعني فقدان مصدر الكسب والرزق".
وشرح دركلت، عضو غرفة صناعة حلب، ورئيس لجنة منطقة العرقوب الصناعية، أنه "في منطقة العرقوب الصناعية انهار بناء مؤلف من طبقات عدة كان يضمّ ورشاً ومعامل صناعية صغيرة بالكامل، فيما بدأ العمل على تدعيم 3 أبنية آخرى آيلة للسقوط في المنطقة. الكثير من الصناعيين يتهرّبون من تقييم سلامة مبانيهم خوفاً من قرار الإخلاء الفوري، وبالتالي خسارتهم آلاتهم الصناعية والمواد الأولية التي تعتبر رأس مال الصناعي، كونه يدفن كل ما يملكه في عمله على عكس التاجر الذي يحتفظ ببعض النقد الدائم". وأضاف: "لا تنس أن ثمن آلة صناعية واحدة في هذه الورش يعادل أضعاف ثمن الفرش والحاجيات التي يمكن أن تخسرها عائلة فقدت منزلها جراء الزلزال".
وتعتبر العرقوب أقدم مناطق حلب الصناعية، إذ احتضنت أول نول لغزل النسيج في عام 1918، ولا تزال تحتوي على الكثير من الأبنية القديمة، عمر بعضها من عمر تأسيس المنطقة، وهذه الأبنية تضررت بمعظمها، بحسب ما يؤكده دركلت. وتعمل في المنطقة اليوم أكثر من 1400 ورشة ومعمل صغير تشغّل نحو 5000 عامل، في صناعات النسيج والخراطة وحقن البلاستيك وخطوط انتاج الأغذية، فيما كان عدد الورش فيها يصل إلى 2200 قبل الحرب تشغّل ما يقارب 12 ألف عامل.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
النهار تتحقق
4/4/2026 11:36:00 AM
تظهر الصورة رجلاً معصوب العينين، مقيداً بكرسي يشبه قفصاً، في غرفة رفع فيها العلم الايراني.
الولايات المتحدة
4/4/2026 7:25:00 AM
"تبدو وكأنك تقول: يا إلهي، كنت في طائرة مقاتلة قبل دقيقتين أحلق بسرعة 800 كيلومتر في الساعة، وانفجر صاروخ للتو على بعد أربعة أمتار ونصف فقط من رأسي"
لبنان
4/4/2026 7:56:00 PM
مقتل جندي إسرائيلي في شبعا بنيران صديقة خلال عملية جنوب لبنان
نبض