وضعت الحكومة السورية مؤخراً نظاماً جديداً للنقل وأصدرت قراراً ينص على إلزام وسائط النقل العامة بتركيب أجهزة تتبع خاصة GPS. وقبل أن يبدأ تطبيق القرار بصورة موسعة أحدث إرباكاً وأرهق سائقي وسائل النقل تحديداً، بعد أن قضى القرار بتركيب الجهاز داخل كل مركبة لتتبع مسارها خلال مهلة تنتهي منتصف شهر أيلول (سبتمبر) الجاري.

القرار رتب أعباءَ كبيرة نظراً لكلفة الجهاز العالية نسبياً قياساً مع الوضع الاقتصادي للعاملين في سوريا، فتكلفته تقع على عاتق السائق وتصل إلى نحو 350 ألف ليرة سورية، إضافة إلى اشتراك شهري متواصل قدره 2500 ليرة.
"هذه سرقة موصوفة، هل لها اسم آخر؟"، يقول أحد سائقي السرفيس (وسيلة النقل الأكثر شيوعاً في سوريا) لـ"النهار العربي" مبيناً أنّ التكلفة باهظة جداً وتحتاج ميزانية مستقلة يعجز هو وزملاؤه عنها، ويتابع: "لماذا لا تتكفل الحكومة بدفع ثمن الجهاز؟، من أين سأؤمن ثمنه وقد بقيت أيام محدودة أمامنا لتركيبه وإلا سنواجه عقوبات جمّة".
سائق عمومي آخر يتفق معه، معرباً في حديث مع "النهار العربي" عن أسفه الشديد لما وصفه بالقرار الظالم، "لن نناقش الآلية والأهداف، ولكن من أين سندفع هذا المبلغ مرة واحدة؟، ولما علينا دفعه أساساً؟، أم أنّ هناك تاجراً كبيراً استورد هذه الأجهزة ويريدون تصريفها من خلالنا".

معظم السائقين الذين استمع إليهم "النهار العربي" يتشاطرون الرأي نفسه، فالجميع يشتكي من القرار معتبرين إياه ظالماً، ولكن للشارع رأي آخر بالأمر... الشارع المغتاظ أساساً من كوارث النقل وما يرافقها من إذلال ومهانة وانتظار ونقص يعيدونه لأسباب عدة، أبرزها سرقة السائقين لمخصصاتهم من الوقود.
"ليس من المعقول أن انتظر كل يوم ساعات لأظفر بمقعد في وسيلة النقل، هل الأمر بنقص عدد وسائل النقل؟ نعم، هو كذلك، ولكن لماذا؟، الجواب بسيط، لأنّ معظم سائقي هذه السيارات يبيعون مخصصاتهم المدعومة من الوقود وينكفؤون عن العمل بقية النهار، ما يخلق أزمة هائلة يمكن مشاهدتها في كل الطرقات"، يقول عامر وهو طالب جامعي يضطر كل يوم للانتظار طويلاً ليجد وسيلة نقل تنقله من مكان سكنه في جرمانا بريف دمشق إلى كليته الجامعية بحي المزة في العاصمة.

ومثل عامر، غيداء، الموظفة التي تشكو قلّة المواصلات، "اضطررنا أنا وعدد من زميلاتي للتعاقد مع تاكسي شهرياً للنزول بنا من ضاحية قدسيا إلى قلب البلد (دمشق)، لماذا نحن مضطرون لذلك؟ لو كانت هناك رقابة على خطوط السير ووسائل النقل لما كنا مرغمين أن ندفع نصف راتبنا وأكثر أجوراً للنقل".
"أعتقد أنّه قرار ممتاز ونموذجي، إذا ما تم تطبيقه بصيغته الدقيقة، فهو سيمنع ظاهرة بيع مخصصات الوقود، وبالتالي سنجد أعداداً أكبر من وسائل النقل التي تعمل على مختلف الخطوط"، تقول ميرنا وهي أيضاً موظفة حكومية لـ"النهار العربي"، وتضيف زميلتها هيفاء أنّ هذا القرار من وجهة نظرها كان ضرورياً فعلاً، "الناس تعبت، المواصلات عصب العمل والحياة ونحن محرومون منها بسبب جشع بعض السائقين وتغاضي الجهات المسؤولة غالباً".
مصدر في "النقل" قال لـ"النهار العربي" إنّ تركيب الجهاز إلزامي، ويشمل كل الآليات ووسائل النقل، "سيطبق أولاً على حوالى عشرة آلاف وسيلة نقل، منها سبعة آلاف لـ"السرافيس" التي تخدم العاصمة دمشق وريفها، إضافة إلى حوالى 600 باص حكومي وخاص وضمناً آليات المحافظة".

وأضاف المصدر أنّه في حال المخالفة وعدم تركيب الجهاز سيتم إلغاء مخصصات أصحاب المركبات المدعومة حكومياً من الوقود.
ويأتي نظام التعقب بهدف ضبط عمل هذه الآليات، والهدف بحسب المعنيين هو ضبط العمل، فالسائق عند تسلمه لمخصصاته من المحروقات عليه العمل ضمن خطه المخصص له وليس بيعها وكسب مال يزيد على سعرها الحالي، إضافة إلى ضبط كمية المحروقات.
سائقون آخرون أبدوا تخوفهم من الأمر لما وصفوه بغموض القرار حتى اللحظة علماً أنّ العمل بدأ به، إذ طرح بعض السائقين عبر "النهار العربي" أسئلة تؤرقهم وتتعلق إجمالاً بكيفية احتساب المسافات التي سيسيرونها وسيتم تتبعهم من خلالها في حال كانوا يقطنون في الأرياف وعليهم سلوك مسافات طويلة حتى الوصول إلى منازلهم ما يستنزف جزءاً من المخصصات، وكذلك سألوا عن العطل الأسبوعية والمشاوير الضرورية التي يفرضها الحال عليهم، فهل سيؤدي احتساب تلك المسافات إلى حرمانهم من المخصصات؟

"النهار العربي" تابع هذه الأسئلة مع المعنيين ليأتي الجواب أنّهم سيتابعون عمل وسائل النقل تلك لمدة تتراوح بين شهر وشهرين ليروا مدى الالتزام بالعمل ومن ثم ستكون هناك مرحلة تقييم جديدة تتعلق باستمرار منح المخصصات لمستحقيها، وحرمان آخرين منها.
وعلم "النهار العربي" أنّه يجري الآن التحضير للإعلان قريباً عن تطبيق الآلية على سيارات "التاكسي"، كما أنّ المشروع يستعد للانطلاق في طرطوس على أن يشمل نحو 600 وسيلة نقل عامة هناك.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
لبنان
4/1/2026 2:57:00 PM
الجيش الإسرائيلي: مصدر آخر تم استهدافه هو شبكة الصرافين التي تُعد المصدر المالي الرئيسي والأهم لهذه المنظمة
لبنان
4/1/2026 1:05:00 PM
شهدت منطقة الجناح في بيروت قصفاً إسرائيلياً عنيفاً
لبنان
4/1/2026 2:48:00 PM
إخبار أمام النيابة العامّة التمييزية ضد السفير الإيراني محمد رضا شيباني
نبض