سفيرة لبنان في روما ميرا ضاهر لـ"النّهار العربي": مهمّتنا عكس الصّورة الجميلة للبلد لا الواقع الصّعب
شخصية دبلوماسية متمرّسة. لا مكان للتشاؤم في قاموسها ولا مجال للتراجع والتسليم بالواقع مهما يكن صعباً. سفيرة لبنان في روما ميرا ضاهر ترى انّ الدبلوماسيين هم جسر التواصل الفعلي للعلاقات بين الدول، ودورهم اساسي في الظروف الراهنة.
شخصية دبلوماسية متمرّسة. لا مكان للتشاؤم في قاموسها ولا مجال للتراجع والتسليم بالواقع مهما يكن صعباً. سفيرة لبنان في روما ميرا ضاهر ترى أنّ الدبلوماسيين هم جسر التواصل الفعلي للعلاقات بين الدول، ودورهم أساسي في الظروف الراهنة. وفي حديث الى "النهار العربي"، قدمت تجربتها الدبلوماسية بصورة مكثفة، مشيدة بالدور الإيطالي الداعم دوماً للبنان في مجالات عدة.
* في إطار عملك الدبلوماسي، ما هي الصورة الإيجابية التي يمكن نقلها عن لبنان رغم ما يعيشه من صعوبات؟
- صورة لبنان الحضارية عبر تاريخه الموغل في القدم تبقى دائماً جميلة وإيجابية، رغم صعوبة الأوضاع التي نمر بها حالياً. فلبنان وجد ليبقى منارة مضيئة في محيطه العربي، مهما كثرت النزاعات في المناطق المجاورة له. ولبنان نموذج حضاري فريد في التعددية السكانية والتنوع الثقافي اللذين هما من صلب تكوين نسيجه الاجتماعي. ونجد هذا التنوع في تكوينه الجغرافي بين جبل مرتفع وساحل مفتوح على جميع الآفاق، ما يجعل من استمراريته وسرعة نهوضه أمراً محتماً، جعل من لبنان نموذجاً لطائر الفينيق الذي ينهض من رماده.
لنتوقف لحظة فنتأمل كيف أن الإيطاليين وغيرهم يصرّون على الذهاب الي لبنان والاستمتاع بكل التقديمات والخدمات التي يشتهر بها اللبنانيون سياحياً، وثقافياً، وترفيهياً، وطبياً… وخاصة أنه مع تدهور الليرة اللبنانية يمكن أن يستفيد القادم من الخارج، ما يشكل حافزاً كبيراً لزبارة لبنان لولا تزامن كل هذه المعطيات مع انتشار وباء الكورونا في العالم. إلا أننا كدبلوماسيين لم نتوقف يوماً عن القيام بعملنا على أكمل وجه. فطبيعة العمل الدبلوماسي تتطلب فصل الشأن الداخلي عن علاقة لبنان بالخارج؛ ودورنا لا يتغير وفقاً للوضع الداخلي. أنا أعتبر الدبلوماسية بوابة لبنان الى الخارج، والدور الذي علينا الاستمرار بقيامه كبير جداً. فتمثيلنا للبنان مسؤولية كبيرة يجب أن نكون أهلاً لها. فلبنان الوطن لا يمكن اختصاره بفترة. وإيماننا بنهوض لبنان راسخ لدينا أولاً كي نتمكن من إيصال هذه القناعة الى الآخرين.
* أيّ تحديات تواجه السفارة اللبنانية في إيطاليا؟ وهل بإمكان البعثة الاستمرار في القيام بدورها بالكامل لجهة المسؤوليات والتسهيلات المطلوب تأمينها للبنانيين في إيطاليا؟
- الدولة اللبنانية عبارة عن جسم واحد يجب أن يكون متماسكاً، سواء في الداخل أم في الخارج بين كل المؤسسات والقطاعات، ومساندة بعضنا بعضاً هي المطلوبة. الجميع يعاني اليوم مشكلات صحية وإقتصادية. وهذا التحدي يسري على كل السفارات والموظفين، حتى لو كان الظرف صعباً يجب أن نتعاون لكي نحافظ على المستوى العالي الذي وصلنا اليه. ففي السلك الدبلوماسي طاقات كثيرة مهمّة للبنان، ونحن في خط الدفاع الخارجي للدولة اللبنانية.
* هل تقوم السفارة بتغطية أي من البلدان الأخرى؟ وما هي المسؤوليات التي تقع على عاتقكم؟
- سفارتنا في إيطاليا تغطي جمهوريتي مالطا وسان مارينو. وقبل جائحة كورونا كان في انتظار هذين البلدين مستقبل اقتصادي واعد، خصوصاً في قطاع التكنولوجيا. وهذا أمر مهم بالنسبة الى لبنان، وهو أحد الأبواب الأوروبية التي تفتح له. ونأمل عند انتظام الأمور تفعيل الدور بما يضمن مصلحة لبنان.
* كيف تصنفين العلاقة بين لبنان وإيطاليا؟ وهل من ميزة تخص بها إيطاليا لبنان؟
- علاقة لبنان بإيطاليا تاريخية وممتازة. هما بلدان متشابهان في أمور عديدة، منها أسلوب الحياة. ولطالما وقفت إيطاليا الى جانب لبنان في قضايا السلم والسلام. وهي من مؤسسي "اليونيفيل" في جنوب لبنان، والقوة الإيطالية من الأنشط هناك. وهي متفهمة للوضع وقريبة من الناس. وكم يبدو لافتاً تعاطف الجنود الإيطاليين مع أولاد الشهداء، لكون الإيطاليين يتمتعون بحب العطاء. نأمل أن تعود الحركة السياحية بين لبنان وإيطاليا، ويعود لبنان الى دوره الريادي في الشرق الأوسط كي نشجع الإيطاليين على السياحة في لبنان. وكما الإيطالي لديه الكثير لتقديمه، كذلك اللبناني، وفي كل المجالات.
* هل من السهل على السفير أن يحافظ على صورة بلده في وقت ينقل الإعلام العالمي أدق التفاصيل عن مشكلاتنا الداخلية؟
- دور السفير هو انعكاس لصورة البلد، وليس للوضع الذي يعيشه البلد. إذا كان بلدنا يمرّ في ظرف صعب فهذا لا يغيّر في عمل الدبلوماسي، بل نكمل عملنا بكلّ طبيعية، ونسعى الى عدم انعكاس أي مشكلة داخلية على ما نقوم به، لأنّ في ذلك استمرارية ورؤية واضحة. دور الدبلوماسي تمثيل بلده في الخارج، ومن نافل القول إن السفير في أي عاصمة هو ركيزة العلاقة بين البلدين. واللبناني المحب لوطنه بالنسبة إلينا هو ممثل للبنان بأرقى الأشكال، وهذه هي الصورة التي تنطبع في أذهان الناس. ليس دور السفير مرآة للداخل، بل حائط دعم للأصول التي نتصرف على أساسها كدبلوماسيين.
* من المعلوم أن روما هي مقر لإحدى أهم المنظمات الدولية، منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، ماذا عنها؟
- هي أهمّ منظمة تضع الأصول لأي تحديث زراعي في العالم. وهذا التواصل بالغ الأهمية لتنشيط القطاع الزراعي ووزارة الزراعة، ولإعطاء لبنان الأوكسيجين كي يعود القطاع الزراعي أساسيا، لأنّه بالنسبة الى لبنان متنفّس أساسي. يسعى وزير الزراعة جاهداً في هذا الاتجاه. والفاو عملها أساسي كي ننجح في هذا القطاع. كما أنّ برنامج الغذاء العالمي wfp، ومقرّه في روما، من أوائل من ساعدوا في أزمة لبنان. وهناك الـ ifad التي تعنى بالمشاريع الصغيرة والمتوسطة للمزارعين، والـicrom التي تعنى بترميم الآثار، وكان لها دور كبير في هذا المجال. نحن في حاجة الى هذه المنظمات والبرامج ليستعيد لبنان عافيته. وبقاؤنا على الساحة الدولية مطلوب بقوة لأنه أكثر من أساسي. ولا بد من الإشارة الى أن أحد مؤسسي الفاو هو اللبناني إدوار صوما الذي كان له الأثر الإيجابي الكبير في أعمال هذه المنظمة. لا بد من التنويه بدور اللبنانيين في المهمات التي يتسلمونها في العالم، والبصمة التي يتركونها على مرّ السنين، نظراً الى ثقافتهم وانفتاحهم على العالم.
* هل تؤمن السفيرة ميرا ضاهر بما يسمّى اليوم "الدبلوماسية الرقمية" (digital diplomacy) أم تفضلين الدبلوماسية التقليدية التي تستند الى قواعد وأصول، حيث يعتبر دبلوماسياً ناجحاً كل من يؤمّن مصلحة بلاده بذكاء وحكمة، تصل بعض الأحيان الى حد الدهاء؟
- الدبلوماسية الرقمية هي المستقبل، ولا يمكن اليوم أن نكون بعيدين من التطور التكنولوجي. لكنني أميل الى الدبلوماسية التقليدية، خصوصاً لجهة الكلام وما يقال أو لا يقال. فآراؤنا الشخصية عندما ننفّذ سياسة خارجية لبلدنا غير مطلوبة، وبالتالي التفاعل مع أي حدث مهم، والعالم أصبح بفضل الرقمنة قرية صغيرة تسهّل عملنا، خصوصاً لجهة المشاركة في الانتخابات النيابية. وأحبّذ الانضباط لدى الدبلوماسي كي يستطيع السيطرة على الأمور.
* ما هو دور وزارة الخارجية والمغتربين بالنسبة الى البعثات في الخارج؟ وهل شعرتم يوماً بالخوف على هذه المؤسسة نظراً الى الظروف الصعبة التي تمرّ بها البلاد؟
- السياسة الخارجية يحدّدها مجلس الوزراء في البيان الوزاري، ووزارة الخارجية تعطي التعليمات الأساسية في حال أي تغيير. لم أشعر بالخوف لأني أعتبر أن هذه مرحلة ستمرّ، ولدينا دبلوماسيون يُشهد لكفاءتهم، وشخصيات قادرة على إحداث فارق نوعي في العمل الدبلوماسي.
* هل من صعوبة تواجهها سيدة في السلك الدبلوماسي؟
- التحدي هو في طبيعة العمل لا في كون الدبلوماسي رجلاً أو امرأة. يجب أن يكون المرء شغفوفاً بعمله لتخطي الصعوبات لتي تواجهه. لا أميّز بين رجل وامرأة في العمل، فالنجاح حليف من يملأ مركزه، وهما عنصران متكاملان في المجتمع، وهذا هو الأساس.
بعض المهن هي في الأساس للنساء ويبرع فيها رجال. والأهم في عملنا الدبلوماسي، سواء للمرأة أم للرجل، هو تأمين استقرار الأسرة. ولطالما كان لبنان ريادياً ولا يزال في مجال السلك الدبلوماسي. أول سفيرة في اليابان كانت لبنانية. هناك زميلات كثر برعن في مجالهن، وهذا دليل الى المستوى الرفيع لسفيراتنا.
* هل يمكن أن تخبرينا عن إحدى اللحظات التي شعرت بها بفخر كبير لإتمام مهمة أو إنجاز مميز في إيطاليا؟
- لعل اللحظة الأهم التي عشتها كانت لدى متابعتي الشباب اللبنانيين المقيمين في إيطاليا في ذروة أزمة كورونا، وقد حرصت على رعاية كل واحد منهم، واحتضنتهم كوالدتهم، وأمنت لهم الرعاية اللازمة حتى وصولهم الى لبنان من دون تسجيل أي إصابة بالفيروس.
* هل من كلمة نهائية تودين إيصالها للقراء؟
- لبنان يحتاج الى إيماننا به، والإيمان بالأرض والإنسان أقوى من أن يهتز. وفي هذه المرحلة علينا أن نحسن التعامل مع الأزمة لتخطيها. أذكر هنا أنني كنت في تايلندا يوم انهارت العملة الوطنية هناك، وسقطت معها النمور الآسيوية، وكيف أبدى الجميع استعداداً آنذاك لمساعدة كوريا الجنوبية. لكن النساء الكوريات وضعن كل ما يملكن من ذهب في المصارف للمساعدة على تعافي اقتصاد بلدهن. لا وجه للمقارنة مع الأزمة اللبنانية طبعاً. ما أود قوله أن إيمان الإنسان بوطنه هو الأساس في بناء الدول وحماية المجتمع من الانهيار.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
المشرق-العربي
5/31/2026 9:28:00 PM
فيديو متداول للرئيس أحمد الشرع وعقيلته في بلودان يثير تفاعلاً واسعاً
لبنان
6/2/2026 9:09:00 PM
بين طريق الخطر وطريق العلم والمعرفة، أثارت الحادثة موجة واسعة من الجدل، ترافقت مع انتقادات طالت وزارة التربية والتعليم العالي، حيث وجّه كثر أصابع الاتهام إلى وزيرة التربية ريما كرامي على خلفية الإصرار على إجراء الامتحانات حضورياً.
لبنان
6/3/2026 7:11:00 AM
يسلط التدقيق الضوء على شركة الطيران الوطنية التي تتخذ من بيروت مقراً لها، والتي حافظت على استمرار حركة الطيران في لبنان خلال الحرب والانهيار المالي.
نبض