10-12-2020 | 16:33

سخرة وهجرة جماعية... لبنان تجاهل سلامة عاملي الصحة في كورونا

رأت منظمة "هيومن رايتس ووتش"، الخميس، أن السلطات اللبنانية أظهرت إهمالاً كبيراً في حماية عمّال وعاملات القطاع الصحي في الخطوط الأمامية لمواجهة فيروس "كورونا".
سخرة وهجرة جماعية... لبنان تجاهل سلامة عاملي الصحة في كورونا
Smaller Bigger
رأت منظمة "هيومن رايتس ووتش"، الخميس، أن السلطات اللبنانية أظهرت إهمالاً كبيراً في حماية عمّال وعاملات القطاع الصحي في الخطوط الأمامية لمواجهة فيروس كورونا. 
 
وذكرت أن المؤسسات الحكومية، بما فيها وزارة الصحة، و"الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي"، والأجهزة الأمنية مثل الجيش و"قوى الأمن الداخلي"، تُدين بمبالغ مالية كبيرة للمستشفيات الخاصّة والحكومية، معتبرة أن عدم احترام هذه الجهات التزاماتها المالية يقيّد بشدّة قدرة المستشفيات على المُحافظة على مستويات كافية من التوظيف وحماية الموظّفين من العدوى. 
 
كما أفادت بأن السلطات لم تُوقف الإعتداءات العنيفة على عمّال وعاملات القطاع الصحي، الذين أثّر فيهم الوباء نفسياً وعاطفياً بشكل كبير.

وأجرت المنظمة مُقابلات مع مسؤولَيْن كبيرين في مستشفى، وخمسة طبيبات وأطبّاء، بمَن فيهم نقيب الأطبّاء، وعشر ممرّضات وممرّضين في البلاد، بمَن فيهم نقيبة الممرّضات والممرّضين. وطلب معظم العاملين عدم ذكر أسمائهم خوفاً من أن يهدّد ذلك وظائفهم.
 
وأشارت إلى أن الأزمة الاقتصادية خلّفت أثراً اقتصادياً مدمّراً على القطاع الصحي، حيث تُعاني البلاد من نقص في تأمين الأدوية والمستلزمات الطبية التي يُستورد معظمها، إضافة إلى أن قيمة رواتب الطواقم التمريضية والطبية تراجعت بسرعة ما أدّى إلى هجرة جماعية (400 طبيب هاجروا هذا العام).
 
وأشارت إلى أن الوباء زاد الضغط على قطاع الرعاية الصحية المأزوم أصلاً، بحيث استُنزفت قدرات المستشفيات، وارتفعت تكاليفها. مع ذلك، لم تصرف الحكومة الأموال التي تُدين بها للمستشفيات.
 
قال د. فراس أبيض، مدير "مستشفى رفيق الحريري الجامعي" الحكومي، لـ "هيومن رايتس ووتش" إنّ الدولة تدين للمستشفى بنحو 20 مليار ليرة لبنانية (13.3 مليون دولار أميركي بسعر الصرف الرسمي ونحو 2.5 مليون دولار بسعر الصرف غير الرسمي) على شكل فواتير غير مسدّدة عن 2020. وأضاف: "لدينا بعض المال من منظمات دولية مثل مفوضية الأمم للاجئين والصليب الأحمر الدولي. لولاهم، لكنّا في ورطة".

كما تُدين الحكومة أيضاً بنحو 2,500 مليار ليرة لبنانية، أو 1.6 مليار دولار بسعر الصرف الرسمي أي 300 مليون دولار بسعر الصرف غير الرسمي، لأكثر من 120 مستشفى خاصّ، وفق نقيب أصحاب المستشفيات الخاصّة سليمان هارون، الذي قال إنّ وزارة المالية في 2020 صرفت فقط 8.5% من المبلغ المستحقّ عليها. وأضاف هارون أنّهم "لم يستلموا بعد قرشاً واحداً من الإعتماد الإضافي لموازنة 2020 بقيمة 450 مليون ليرة لبنانية، والذي أنشأه البرلمان للمستشفيات في نيسان (أبريل).
 
وقال الدكتور جورج غانم، المدير الطبي في "المركز الطبي للجامعة اللبنانية الأميركية - مستشفى رزق"، أحد أكبر المستشفيات الخاصّة في لبنان، لـ "هيومن رايتس ووتش" إنّ الدولة تُدين للمستشفى بنحو 22 مليار ليرة لبنانية (14.5 مليون دولار بسعر الصرف الرسمي و2.8 مليون دولار بسعر الصرف غير الرسمي)، ما يوجد "وضعاً صعباً للغاية". وقال: "لا شفافية على الإطلاق في كيفية توزيع المال على المستشفيات".
 
 
بلا رواتب
في نيسان (أبريل)، خصّص "البنك الدولي" 40 مليون دولار لمساعدة لبنان على الإستجابة لفيروس "كورونا"، بما يشمل حماية عمّال قطاع الصحة. وقال الدكتور أبيض إنّ المستشفى لم يتلقَّ أيّة أموال من هذا القرض بعد، كما قال الدكتور غانم: "لا يستطع حتى الآن أي أحد إخبارنا كيف صُرف هذا المال".
 
وأشار هؤلاء إلى أن الأجور التي يتقاضاها الأطبّاء تأتي من رسوم التأمين الخاصّ أو العام للعملاء، وليس الرواتب.  وقال نقيب الأطبّاء في لبنان الدكتور شرف أبو شرف لـ "هيومن رايتس ووتش" إنّ نحو 20% من المستحقّات للمستشفيات هي أتعاب الأطبّاء، ويعود بعضها إلى 2017.
 
كما شرحت نقيبة الممرّضات والممرضين ميرنا ضومط أنّه، منذ بدء الأزمة الإقتصادية في أواخر 2019، طُرد أكثر من 40% من الممرّضين والممرّضات من وظائفهم في المستشفيات الحكومية والخاصة، ما زاد الضغط على القوة العاملة المُتبقية (توجد ممرّضة واحدة لكلّ 20 مريض في بعض المستشفيات).
 
وقالت إنّ المستشفيات خفّضت رواتب الطاقم التمريضي أيضاً. كما أدّى الهبوط السريع في قيمة العملة خلال العام الماضي إلى تراجع الدخل الفعلي للعاملين بنسبة 80%. 
 
وشرحت ممرضتان تعملان في مراكز عزل "كورونا" إنهما تعملان بدون عقود أو مستحقات، بما فيها الضمان الاجتماعي أو إجازة مدفوعة الأجر، وأنهما لم تتقاضيا أجورهما منذ تشرين الأول (اكتوبر). وقالت إحداهما إنه عندما اشتكت، قال لها منسق المستشفى: "إذا لم يعجبك، يمكنك المغادرة".
 
أجمع أبو شرف وضومط على أنّ بعض المستشفيات الحكومية والخاصة لم تكُن تؤمّن لموظفيها الكميات اللازمة من المعدّات الوقائية الشخصية، ما أدّى إلى ارتفاع عدد الإصابات بين الأطبّاء والممرّضين. 
 
وفيات الطاقم الطبي
 حتى 6 كانون الأوّل (ديسمبر)، سُجّلت إصابة 1,792 موظفاً في القطاع الصحي بفيروس "كورونا"، بما في ذلك 10% من ممرّضي/ات البلاد. وتُوفّي على الأقل ستّة من الطواقم الطبية والتمريضية.
 
وقال جميع المسؤولين والأطبّاء في المستشفيات الذين تمّت مقابلتهم إنّ المعدّات الوقائية الشخصية متوفّرة في السوق، على عكس الوضع خلال الأشهر الأولى من الوباء، لكنّ ثمنها هو العامل المقيّد الأبرز. وأضافوا أنّ لوازم أساسية كثيرة، منها القفازات والكمامات الجراحية، غير مدعومة من الدولة، وأنّ أسعارها ارتفعت كثيراً بسبب تراجع قيمة العملة الوطنية.
 
 
السوق السوداء
 
وقال غانم وأبيض إن المساعدات التي تلقّتها الدولة من جهات مانحة بعد انفجار المرفأ في 4 آب (أغسطس) مرت عبر الدولة وليس المستشفيات ووجدت طريقها مباشرة إلى السوق السوداء، على حدّ قول غانم، وبيعت بأسعار مضخّمة.
 
وذكرت "هيومن رايتس ووتش" أنّه على وزارة المالية أن تدفع بشكل طارئ المبالغ المستحقّة للمستشفيات، وأنه في ضوء مزاعم الفساد الموثوقة في قطاع الصحة والتقاعس المستمرّ للسلطات اللبنانية عن معالجة الأزمة الإقتصادية التي تهدّد حصول الناس على هذه الرعاية، على الجهات المانحة الدولية توجيه المساعدات الطبية الطارئة مباشرة إلى المستشفيات بأقصى قدر ممكن.
 
وقالت مجذوب: "إذا لم تضع الدولة اللبنانية سياسات منسّقة وفعّالة لمعالجة الأزمة الاقتصادية، قد تعجز المستشفيات قريبا عن تأمين الرعاية المنقذة للأرواح. على الدولة أن تسدّد بشكل طارئ مستحقّاتها للمستشفيات وتخفّف الضغط عن موظفي القطاع الصحي".
 
نقص معدات الحماية الشخصية
أدى عدم سداد الحكومة مستحقات المستشفيات إلى صعوبة في شراء الإمدادات الكافية من معدات الحماية الشخصية، والتي ارتفعت أسعارها بشكل كبير بسبب انخفاض قيمة العملة الوطنية.
 
وقال طبيب طوارئ في محافظة جبل لبنان إن مستشفاه الخاص واجه نقصاً حاداً خلال بعض الفترات، بما فيه القفازات، وأقنعة التنفس، والكمامات الجراحية. وأشار إلى أن المستشفى أعطتهم ذات مرة قفازات نايلون رقيقة وشفافة "تُستعمل لتحضير السندويشات"، بدلاً من قفازات اللاتكس المعيارية للاستخدام الطبي. كما قال إنه اضطر إلى شراء أقنعة التنفس "إن 95" بنفسه، والتي تكلف 55 ألف ليرة (36.70 دولار بسعر الصرف الرسمي).
 
 
الهجمات على العاملين الصحيين
خلال الوباء، أصبح بعض العاملين في الرعاية الصحية أهدافاً لهجمات عنيفة من قبل المرضى وعائلاتهم، خاصة وأن المستشفيات لم تعد قادرة على قبول مرضى جدد. وقال نقيب الأطباء أبو شرف إن هناك هجوماً خطيراً واحداً على الأقل على طبيب كل شهر، وسط "تراخِ قضائي" في محاسبة المهاجمين، وهم غالباً أشخاص يتمتّعون بـ "الدعم السياسي".
التأثير على الصحة النفسية
 
تسبّب الوباء، وانتشاره المستمرّ في جميع أنحاء البلاد، وعدم استجابة السلطات بشكل مناسب للوباء ودعم العاملين في مجال الرعاية الصحية، بأذى نفسي وعاطفي.
 
وقال عدد من العاملين في الرعاية الصحية إنه منذ بدء انتشار المرض في لبنان، ظهرت عليهم أعراض الاكتئاب والقلق.
 
وتحدّثت ممرضة في جناح "كورونا"، تركت وظيفتها بعد العمل في المستشفى لأكثر من عقد عن الإرهاق والشعور بعدم الحماية وعدم الدعم: "تعاملوا (إدارة المستشفى) مع طاقم وحدة كورونا وكأن لديهم طاعون... نحن (الممرضات) لا نُقّدر كما ترون في وسائل الإعلام... الجهد الذي بذلناه كان ضعفاً بل ثلاثة أضعاف في الأيام العادية. تركت وظيفتي بعد 14 عاماً، إنه قرار صعب جداً. لكني لم أعد أستطيع. كنت متعبة. ضغوط كورونا والتعامل مع الموظفين والإداريين غير المتعاونين. أعرض نفسي للخطر، ومن أجل ماذا؟ إذا متّ، كل ما سيفعلونه هو وضع ميدالية على نعشي".
 
وأقرّ غانم وأبيض بأن الإرهاق وأضرار الصحة العقلية كانت مصدر قلق كبير في مستشفاهما، لكن كليهما قالا إنهما يضعان برامج لدعم موظفيهما. لكن معظم العاملين في مجال الرعاية الصحية الذين قوبلوا لم يتلقّوا أي دعم من مستشفياتهم. قال طبيب في طرابلس ضاحكاً: "لدينا مشاكل أكثر خطورة" عندما سُئل عما إذا كان المستشفى الذي يعمل فيه يُوفّر للعاملين في مجال الصحة العقلية والدعم النفسي-الاجتماعي.
 
وختمت "هيومن رايتس ووتش" أن على الحكومة اللبنانية التحرّك عاجلاً لدعم العاملين الصحيين أثناء الوباء من خلال توفير أفضل لخدمات الصحة النفسية المجتمعية والدعم النفسي الذي يحترم الحقوق، وإزالة الوصمة عن مشاكل الصحة العقلية.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم 4/19/2026 7:09:00 AM
ظهرت على جثتين علامات تدل على إجراء تشريح.
لبنان 4/19/2026 12:00:00 AM
تفلت الحزب اتخذ مظهرا خطيرا إعلاميا وسياسيا في ظل إطلاقه تهديدات سافرة مباشرة ضد رئيس الجمهورية 
فن ومشاهير 4/16/2026 12:06:00 PM
ولي العهد الأردني يفاجئ المتابعين بفيديو الأميرة إيمان في يوم العلم.
فن ومشاهير 4/19/2026 10:55:00 AM
تعرض هاني شاكر لتوقفٍ مفاجئ في القلب.