جورج ناصيف: النّاسك والمحبرة
لم تسمح الظروف أن أتعاون مهنياً مع الصحافي والمفكر جورجل ناصيف في جريدة "النهار". لكننا كنا نتبادل السلام الودي جداً عند إنتظارنا المصعد للتوجه الى مكاتب الجريدة في شارع الحمراء، أو عندما كنت أكلف بتغطية إحدى محاضراته في معارض الكتب، أو خلال مشاركته في
أي نشاط للحركة الثقافية إنطلياس.
لم تسمح الظروف أن أتعاون مهنياً مع الصحافي والمفكر جورج ناصيف في جريدة "النهار". لكننا كنا نتبادل السلام الودي جداً عند انتظارنا المصعد للتوجه الى مكاتب الجريدة في شارع الحمراء، أو عندما كنت أكلف بتغطية إحدى محاضراته في معارض الكتب، أو خلال مشاركته في أي نشاط للحركة الثقافية إنطلياس.
ما أدركته عند إعلان وفاته منذ أيام عدة، أن جورج ناصيف لم يمت في حينها. في الحقيقة، توفي ناصيف على مراحل عدة. فقد مات قسم منه يوم أجبرته الظروف على مغادرة الجريدة، ومات قسم آخر منه يوم أدرك فعلياً أن صفحة " أديان ومذاهب"، التي كان يرأسها في الجريدة، لم تهداً من ثقل وقع الطائفية والمذهبية على عقول أبناء الوطن الواحد.
ما يعرفه الكثيرون أنه نجح في تفعيل صفحة " أديان ومذاهب" لترتقي الى حوار نخبوي بين رجالات الحوار الإسلامي المسيحي، الذي بقي بعيداً عن أرض الواقع، أي ميدان الخيبات...
مات جورج ناصيف يوم علم أن لا مكان للمفكرين النخبويين أمثاله في وطن تخلى فعلياً عن الثقافة والفكر في ظل طبقة حاكمة فاسدة ومتواطئة على شعبها...
لا يمكن أن نكشف تفاصيل موته البطيء ومراحله، لأن سيجارته كانت وحدها الشاهد على وجعه وخيباته وألمه الشديد من واقع لبنان.
مات جورج ناصيف يوم أيقن فعلياً أنه سيبقى في ذاكرة محبيه عند رحيله وبعض الأقلام التي ستنصفه أو تحاول إنصافه. مات جورج ناصيف يوم غدره المرض فتحمل أوجاعه بصمت الكبار.
المهم أيضاً أنني كنت أنا وكثيرون نشعر دائماً خلال إلقائنا التحية عليه أنه لا يتوقف عن التفكير، حتى وهو يحادثك.. كنت أخشى أن يكون في تفكير دائم حتى وهو نائم...
لطالما حاول جورج ناصيف أن يتنسك في عمله الصحافي، معطياً للمهنة حقها، وربما أكثر. كان يقبل الاختلاف مع الآخر، ولا سيما خلال تطرقنا بسرعة الى أمور السياسة ونحن في رواق أحد طوابق الجريدة... تمايز بلباقته في وضع حد لحوار عقيم ببسمة أو بمحاولته أن يتفادي أي تشجن، بحجة أن عليه متابعة صفحته...
وكان يعمد في اليوم الثاني الى أن يلقي السلام ويسأل بسرعة عن أحوالنا، كأنه يحترم بذلك حرية الرأي في السياسة أو في شأن آخر، وهذا ما لمسته شخصياً...
إذا كانت الصحافة قد خسرت أحد أقلامها برحيله، فمن المؤكد أن المهنة تغيرت كلياً في لبنان والعالم. المهنة فقدت بريقها جزئياً أو حتى كلياً في ظل وطن مهدد بكيانه ووجوده بل مهدد بكل شيء...
ما يبقى هو أن نفرح للأستاذ جورج ناصيف لأنه حمل محبرته وغادر الى ذلك المكان، حيث لا وجع، ولا خيبات ولا ألم...
المهم أننا فقدنا فعلياً جورج ناصيف الإنسان، الذي تملّكه التواضع طيلة حياته المهنية، وهذه " عملة نادرة" عند غالبية صحافيّي هذا الزمن الرديء ...
Twitter:@rosettefadel
ما أدركته عند إعلان وفاته منذ أيام عدة، أن جورج ناصيف لم يمت في حينها. في الحقيقة، توفي ناصيف على مراحل عدة. فقد مات قسم منه يوم أجبرته الظروف على مغادرة الجريدة، ومات قسم آخر منه يوم أدرك فعلياً أن صفحة " أديان ومذاهب"، التي كان يرأسها في الجريدة، لم تهداً من ثقل وقع الطائفية والمذهبية على عقول أبناء الوطن الواحد.
ما يعرفه الكثيرون أنه نجح في تفعيل صفحة " أديان ومذاهب" لترتقي الى حوار نخبوي بين رجالات الحوار الإسلامي المسيحي، الذي بقي بعيداً عن أرض الواقع، أي ميدان الخيبات...
مات جورج ناصيف يوم علم أن لا مكان للمفكرين النخبويين أمثاله في وطن تخلى فعلياً عن الثقافة والفكر في ظل طبقة حاكمة فاسدة ومتواطئة على شعبها...
لا يمكن أن نكشف تفاصيل موته البطيء ومراحله، لأن سيجارته كانت وحدها الشاهد على وجعه وخيباته وألمه الشديد من واقع لبنان.
مات جورج ناصيف يوم أيقن فعلياً أنه سيبقى في ذاكرة محبيه عند رحيله وبعض الأقلام التي ستنصفه أو تحاول إنصافه. مات جورج ناصيف يوم غدره المرض فتحمل أوجاعه بصمت الكبار.
المهم أيضاً أنني كنت أنا وكثيرون نشعر دائماً خلال إلقائنا التحية عليه أنه لا يتوقف عن التفكير، حتى وهو يحادثك.. كنت أخشى أن يكون في تفكير دائم حتى وهو نائم...
لطالما حاول جورج ناصيف أن يتنسك في عمله الصحافي، معطياً للمهنة حقها، وربما أكثر. كان يقبل الاختلاف مع الآخر، ولا سيما خلال تطرقنا بسرعة الى أمور السياسة ونحن في رواق أحد طوابق الجريدة... تمايز بلباقته في وضع حد لحوار عقيم ببسمة أو بمحاولته أن يتفادي أي تشجن، بحجة أن عليه متابعة صفحته...
وكان يعمد في اليوم الثاني الى أن يلقي السلام ويسأل بسرعة عن أحوالنا، كأنه يحترم بذلك حرية الرأي في السياسة أو في شأن آخر، وهذا ما لمسته شخصياً...
إذا كانت الصحافة قد خسرت أحد أقلامها برحيله، فمن المؤكد أن المهنة تغيرت كلياً في لبنان والعالم. المهنة فقدت بريقها جزئياً أو حتى كلياً في ظل وطن مهدد بكيانه ووجوده بل مهدد بكل شيء...
ما يبقى هو أن نفرح للأستاذ جورج ناصيف لأنه حمل محبرته وغادر الى ذلك المكان، حيث لا وجع، ولا خيبات ولا ألم...
المهم أننا فقدنا فعلياً جورج ناصيف الإنسان، الذي تملّكه التواضع طيلة حياته المهنية، وهذه " عملة نادرة" عند غالبية صحافيّي هذا الزمن الرديء ...
Twitter:@rosettefadel
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
المشرق-العربي
10/23/2026 7:35:00 PM
قال الملك عبدالله الثاني: "سنضرب بيد من حديد من تطاول على بلدنا"، مشيراً إلى أن "من توهّم أنّ رصاص الغدر يشق صف الأردنيين خاب مسعاه أمام صلابتنا ووحدتنا".
لبنان
10/23/2026 12:32:00 PM
هل يحق لمتهم بقضايا إرهاب تنظيم حفلات قبل أسابيع من مثوله أمام القضاء اللبناني في ملف أقل ما يقال فيه إنه من الأكثر حساسية في آخر 20 سنة في لبنان؟
لبنان
10/23/2026 12:00:00 AM
لم تكن إشادة رئيس الجمهورية جوزف عون برئيس مجلس النواب نبيه بري في الجلسة سوى مؤشر إلى تفاهم ضمني حصل على ترحيل إحالة ملف المتفجرات على المجلس العدلي.
نبض