31-07-2022 | 15:04

المطلّقات في مصر... حقوق مالية زهيدة وجهود مجتمعية للحلّ

تشير الإحصاءات إلى أن هناك أكثر من 245 ألف حالة طلاق سنوياً، وفقا لآخر أرقام الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2021، هذا بخلاف أعباء اقتصادية تقع على كاهل المرأة بعد الطلاق.
المطلّقات في مصر... حقوق مالية زهيدة وجهود مجتمعية للحلّ
Smaller Bigger

"بقيت لمدة عام في المحاكم من أجل أن يُحكم لي في قضية النفقة، ولم أحصل على أكثر من 750 جنيهاً (40 دولاراً) للإنفاق على 3 صغار"... كانت هذه كلمات مدفوعة بالحزن من مها محمدين، وهي أمّ مصرية تعاني من مشكلات عدة تخص النفقة.

 

الطلاق في مصر له "ضريبة" تتحملها المرأة غالباً، لأنها تتعرض لمشكلات عدة، أبرزها أنها تواجه المجتمع كمطلقة، ضمن أكثر من 245 ألف مطلقة سنوياً، وفقاً لآخر إحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن عام 2021، بخلاف أعباء اقتصادية تقع على كاهلها بمفردها بعد الطلاق.

 

حق الحليب

تقول محمدين إنه حُكم لها بمبلغ بسيط جداً لا يكفي احتياجاتها، ولا احتياجات أبنائها، الأمر الذي جعلها تقبل المساعدات المالية من المحيطين بها. وكان الأب يتعنت ضدها كثيراً في المواجهة القانونية، لدرجة أنه حينما حُكم لها بالخلع توقفت نفقتها البالغة 450 جنيهاً مصرياً (الدولار يساوي 18.91 جنيه)، وأصبحت تأخذ نفقة للصغار الثلاث 750 جنيهاً.

 
 

كانت الحالة المادية للسيدة في بداية طلاقها صعبة لدرجة أنها لا تملك ثمن شراء حليب لطفلها الرضيع، وبينما هي غارقة في دموعها قالت لـ"النهار العربي": "أوقع أبنائي، ذات مرة، علبة الحليب على الأرض فتناثر بعضها، وكانت آخر علبة لدي، ولم يكن لدي مال، انهرت في البكاء، وظللت ألملمها من الأرض، وأنا أعلم أنه من المحتمل أن يكون بها ميكروبات وجراثيم، لكن لا حيلة لي".

 

حملة حقوقية

مؤسسة "قضايا المرأة المصرية" أطلقت حملة تحت عنوان "بنك ناصر مش ناصر"، وهو البنك الحكومي المنوط به إصدار مساعدات مالية لا تتعدى 500 جنيه شهرياً لكل أمّ لم تحصل على النفقة بعد.

 

وقالت المؤسسة في بيانها: "إن النفقة التي يصدرها البنك للنساء والأطفال، قليلة، بغض النظر عن المبلغ المالي الفعلي الذي حُكم به لهن، مما يتسبب في مشاكل اقتصادية واجتماعية ونفسية للنساء لقلة النفقة بالمقارنة بالأعباء المالية التي تواجهها النساء وأطفالهن من مأكل وملبس ومشرب وتعليم وتكاليف صحية، وغيرها من الأمور التي تجعل مبلغ 500 جنيه لا يتناسب مع الاحتياجات المعيشية ومتطلبات الحياة".

 وحيث إن خط الفقر الذي أقره مركز التعبئة والإحصاء هو 490 جنيه للفرد الواحد، فإن ذلك يضع النفقة تحت تصنيف الفقر. 

 
 
 

حدّث ولا حرج

ظنت سماح النحاس أنها عندما ترفع قضية نفقة فستجد الأمر سهلاً وبسيطاً، وستأخذ كل النفقة التي يقر بها القاضي، لكن ما حدث كان مختلفاً، إذ إن طليقها يعمل موظفاً في شركة الكهرباء الحكومية، وحينما جلبت "مفردات مرتبه" كان المكتوب 17 ألف جنيه، لكن القاضي حكم بنفقة 500 جنيه فقط، ولم يتم تنفيذ الحكم لمدة عام، وبعد عام ونصف العام من المهانة والإرهاق والكثير من المجهود، تمكنت من أخذ النفقة، وخُصمت من مرتب الزوج.

 

وتشير النحاس إلى أنها مع حالتها المالية غير المستقرة اضطرت أن تنفق ميراثها على علاج ابنتها الذي كلفها حوالي 62 ألف جنيه، ولم يساعدها زوجها بأي شيء، لكن حكمت المحكمة لها بـ 10 آلاف جنيه فقط، وطلب المحامي نسبة منها.

 

وتقول السيدة المصرية إن طليقها تلاعب بالاتفاق مع زوجته الحالية ووالدته لتقليل النفقة التي يفترض أن يدفعها لها وابنتها: "لم آخذ حقاً ولا باطلاً معه، وقد قسط المبلغ على 20 شهراً".

 

قضايا النفقة

تقول المحامية الحقوقية والعضو في مؤسسة "قضايا المرأة المصرية" جواهر الطاهر لـ"النهار العربي": "قضايا النفقات لها عدة أنواع: نفقة زوجية، ونفقة صغار، ونفقة متعة، ونفقة عدة، وأجر مسكن، وأجر حضانة، وبدل فرش وغطا، ومصاريف تعليم، ونفقة ولادة، وأجر رضاعة... الخ".

 
 

 

وتشير الطاهر إلى أن هذه القضايا لا يُحكم فيها سريعاً، بل تتطلب وقتاً طويلاً، وبعد الحكم يجدون أن مبلغ النفقة قليل جداً، ويضطرون لرفع دعوى أخرى (زيادة نفقة)، كما أنهم قد يجدون صعوبة في تنفيذ الحكم.

 

وأضافت المحامية المصرية: "حتى بنك ناصر الذي تلجأ إليه النساء ليصرفن منه النفقة، لا يعطيهن أكثر من 500 جنيه أياً كان حُكم النفقة، ويطلب أكثر من 15 ورقة للتنفيذ".

 

ادعاء الفقر

حينما توجهنا بالسؤال عبر مجموعة "أمهات مصر المعيلات" على "فايسبوك"، وهي مجموعة مهتمة بالأمهات المطلقات واللاتي يعلن أطفالهن في مصر، كانت أغلب التعليقات أن النفقة لا يتم الحكم فيها إلا بعد مدة طويلة تُرهق فيها المرأة بين أروقة المحاكم، وإذا حُكم لها لا تستطيع التنفيذ، وإذا نُفذ الحكم يتهرب الزوج أو يقسطهم بمعرفة المحكمة، وغالباً لا تحكم المحاكم بأكثر من 500 جنيه.

 

وأشارت عضوات في المجموعة إلى أن غالبية الرجال يدّعون الفقر بعد أن تلجأ المرأة للقضاء، فيزعمون أن راتبهم زهيد، أو يتحايلون على الأمر بأن يأخذوا قرضاً لتسديد أقساطه، فتقلل المحكمة حينها من قيمة النفقة.

 

مي حسن واحدة من هؤلاء، تقول إنه رغم أن زوجها ميسور الحال ولديه مركز تعليمي ومكتبتان ومقيم في منطقة مصر الجديدة، ويمتلك سيارة حديثة، لكن وقت تحريات الدخل أثبت أنه يعمل في مكتبة ويتقاضى 1200 جنيه شهرياً، وينفق منها على والدته مبلغ 400 جنيه، وحكمت المحكمة بعد الكثير من قضايا الاستئناف بينهما بـ1150 للطفلين، لكنه يرفض دفع نفقتهما.

 

وتضيف الأم: "كل 3 أو 4 أشهر يدفع لنا قرابة 1000 جنيه، وفي أحد المرات ظل لأكثر من 11 شهراً لا يدفع جنيهاً، كما أنه لا يتحمل مصاريف المدرسة. كانت ابنتنا في مدرسة لغات، لكنه أرسل لي مُحضراً بأنه لن يدفع سوى المدارس التجريبية أو الحكومية، لذلك اضطررت لنقل طفليّ إلى مدارس تجريبية".

 
 
يعاقب بعض الرجال زوجته وأبناءه بالتوقف عن الانفاق عليهم
 

ليس التشريع

قال المستشار عبدالله الباجا رئيس محكمة الأسرة السابق، في تصريحات صحافية، نشرت أخيراً: "إن النفقة تمثل 80% من القضايا المتداولة والنزاعات في محاكم الأسرة"، لافتاً إلى أن "النفقة تتضمن أجر الحضانة، والعلاج، والمسكن، والتعليم، والملابس، ولذلك تعد المشكلة الكبرى في النزاعات الأسرية داخل ساحات المحاكم".

 

وفي تصريحات لـ"النهار العربي" قالت النائبة البرلمانية نشوى الديب: "هناك تشريعات تخص النفقة، لكننا في انتظار تشريع جديد في قانون الأحوال الشخصية، وهو مشروع القانون الذي قدمته عن مقترح لمؤسسة قضايا المرأة، يتناول كل الجوانب الخاصة بالنفقة، حتى مسألة بنك ناصر".

 

يتضمن المقترح بحسب البرلمانية إلزام الزوج بالنفقة، وأن الدولة تكون هي الوسيط ما بين الزوج والزوجة (بعد الطلاق) لصالح الأطفال، بأن تأخذ كل ما يتم الحكم به، وبنك ناصر عن طريق صندوق الأسرة، يحصّل النفقة من الزوج.

 

وتضيف: "تستطيع الدولة وقتها أن تجبر الزوج على الدفع عن طريق منعه من خدمات عديدة مثل السفر إلا حينما يدفع النفقة".

 

وتعتقد الديب أن "الأزمة ليست في التشريعات فقط، وإنما هي أزمة أخلاق في المقام الأول من الطرفين - الرجل والمرأة - وليست من طرف واحد، وإلا لن يكون هناك زوج يتنصل من مسؤوليته لمجرد أنه انفصل عن زوجته، كما أن هناك زوجات يحتلن بكافة الوسائل لتحصلن على أكبر قدر ممكن من المكتسبات".

 

وتقول أستاذة علم الاجتماع السياسي الدكتورة هدى زكريا: "من المفترض أن ينهي الطلاق حالة الصراع بين الأب والأم، لكن ما يحدث هو أن الصراع يستمر، ويتم استخدام الأبناء فيه، ويتهرب بعض الأزواج من النفقة، لأنه لا يريدون أن يغرموا أموالاً".

 

وأضافت: "إذا سئل بعض الأزواج المتهربين من النفقات عن السبب، سيقولون إن لديهم مشكلات مالية، أو إنه لا يستطيع الإنفاق، أو إن الأم تغالي في الإنفاق على الأبناء، وتذهب بهم إلى مدارس لغات، أو إن الأم دخلها أكبر من دخله".

 

الأكثر قراءة

كتاب النهار 5/5/2026 1:21:00 PM
السؤال لم يعد: هل يستطيع الحزب أن يقاتل؟ بل: هل يستطيع أن يحمي الحياة اليومية لمن دفعوا ثمن قتاله؟
لبنان 5/11/2026 5:34:00 AM
يمكن التوصل بين الرئيسين عون وبري إلى أرضيةٍ مشتركة حول البنود المرجعية، بعد إعلان رئيس الجمهورية أن هدفه "إنهاء الحرب مع إسرائيل على غرار اتفاقية الهدنة".
لبنان 5/11/2026 1:32:00 PM
بلغ مجموع طلبات المودعين الذين تقدموا للإستفادة من التعميمين الأساسيين الرقم 158 و 166 حتى تاريخ تقديم هذا البيان 610,624 طلباً...