"المعاناة في صمت"... المرأة الريفية العاملة في مصر تجهد ضدّ التمييز
على مدار العقود الماضية، عانت مصر من المركزية، حيث تمحورت أغلب الخدمات والبرامج والاهتمام من الدولة بالمواطنين الذين يقيمون في المدن الرئيسية، مثل القاهرة والإسكندرية.
ومع أن الحكومة المصرية الحالية تولي اهتماماً كبيراً لكسر نمط تركيز الخدمات في المدن الكبرى، عبر العمل على تطوير آلاف القرى وتحسين جودة الحياة فيها، إلا أنه لا يزال ثمة قطاع كبير يقدر بعشرات الآلاف من النساء الريفيات، يعانون في صمت، من أزمات ومشاكل اقتصادية واجتماعية كبيرة.
لا نتساوى بالرجال
في ريف محافظة البحيرة، شمال غرب القاهرة، وضع الريفيات سيئ للغاية، فليس ثمة تأمين صحي عليهن وقت الإصابات، ولا أجور متساوية بالرجال، ويضطررن للقبول بتلك الحالة. الحاجة صباح واحدة من تلك النساء، وهي أرملة تعول طفلين.
وفي الحقول الزراعية في البحيرة، يتم استغلال النساء المحتاجات، لا سيما الأرامل، نظراً لحاجتهنّ الشديدة للمال، ويعملن لساعات طويلة في الحقول بدون أجر ملائم، حيث يحصلن في النهاية على قرابة 80 جنيهاً يومياً (أقل من 4 دولارات حالياً).
تقول الحاجة صباح لـ"النهار العربي": "يتفقون معنا على 100 جنيه، وفي النهاية نحصل على 80 فقط، وهذا يحدث مع النساء فحسب، ويقال لنا إننا لا نعمل مثل الرجال، رغم أن عملنا لا يستطيع الرجال القيام به".
وأضافت: "عملنا يكون في جمع الشطة، أو الذرة، أو عباد الشمس، أو الخرشوف، نذهب إلى العمل في الخامسة صباحاً، وننهيه في الرابعة أو الخامسة عصراً، وهو ما لا يفعله الرجال" على حد قولها.
أما الحاجة نعيمة، وهي أم لولدين، وأرملة أيضاً، قالت: "بالأمس، كنت في الأرض أجمع الذرة، خرجت في السابعة صباحاً، وعدت بعد صلاة العشاء (6:30 مساء)، وبعد أعمال شاقة مثل الجمع، وحمل المحصول إلى الآلة، وحمل المنتج الأخير وتوزيعه، تقاضيت 100 جنيه فقط".
والحاجة نعيمة تعاني من إصابة ألمت بها قبل 3 سنوات، ولم تشف منها بعد.
وضع المرأة الريفية
قرابة 51 في المئة من ساكنات الريف المصري يعملن في الزراعة، أما العاملات في المشاريع الأسرية بدون أجر فتبلغ نسبتهن 32 في المئة، كما أن 99.3 في المئة من العمالة الزراعية النسائية غير رسمية، وفقاً للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في مصر، وفق بحث عن القوى العاملة لعام 2021، وكذلك حسب منظمة العمل الدولية عن العمالة غير الرسمية لعام 2019.
ورغم أن المرأة الريفية تقوم بعمل شاق، إلا أنها تتقاضى أجراً زهيداً مقارنة بالرجل، وأغلب الريفيات محرومات من حيازة أصول مادية مقارنة بالرجال. وتمثل النساء 71 في المئة من العمالة الموسمية التي يكون أجرها زهيداً وغير مستقر، و8 في المئة منهن، فقط، يحظين بتأمين صحي.
مشكلات اقتصادية عدة
ثمة مشكلات عدة تعاني منها المرأة الريفية في مصر، وفقا لتصريحات صفاء خريشي، رئيسة مجلس إدارة جمعية "أهل بلدي" في محافظة قنا جنوب البلاد.
وتقول خريشي إن "النساء الريفيات في قنا يعانين من مشكلات اقتصادية، إذ تواجهن صعوبة في تأمين قروض من البنك دون ضمانات أو دون وجود رجال يضمنهن، والتسهيلات الائتمانية نادراً ما تحصل عليها امرأة".
أما على مستوى العمل فالنساء يعملن مثلاً في تصنيع منتجات الألبان، والمشغولات اليدوية، أما عن العمل في الحقل، فتقول عنه رئيسة "أهل بلدي": "المرأة تقوم بعمل الرجل نفسه، وعدد الساعات نفسها، لكنها لا تتقاضى الأجر اليومي نفسه، فإذا تقاضى الرجل 100 جنيه، تتقاضى المرأة 50 جنيهاً، فقط لأنها امرأة".
"لا يوجد لدى الريفيات تأمين صحي ولا معاش (راتب ما بعد سن التقاعد)"، هكذا بدأت هناء عبد الحكيم، رئيسة نقابة صغار الفلاحين في محافظة المنيا تصريحاتها لـ"النهار العربي"، مضيفة أنه "إذا حدث لأي منهن مشكلة أثناء العمل، فلا يجدن الرعاية المناسبة".
وأكدت على معاناتهن في الحصول على نصف أجر الرجال، حيث قالت: "الرجل الذي يعمل كعامل تراحيل في المنيا يتقاضى 60 جنيهاً أجراً يومياً، بينما تتقاضى المرأة التي تؤدي العمل نفسه 30 جنيهاً فقط".
وتواجه عبد الحكيم مشكلة في تغيير العادات والتقاليد، مؤكدة أن النقابة "لا تتوانى عن عقد جلسات ولقاءات عرفية مع الفلاحين وأصحاب العمل، كي يتوقفوا عن التمييز ضد النساء، وأن تتساوى المرأة مع الرجل في الأجر"، لافتة إلى أن "التغيير بنسبة ضعيفة يكاد يصل إلى نحو 10 أو 20 في المئة فحسب".
على مستوى آخر ثمة مشكلات نادراً ما تتحدث عنها المرأة الريفية، أكدت على وجودها رئيسة نقابة صغار الفلاحين، و"منها التحرش الجنسي واللفظي، والسبّ، والتعدي، وجميع أشكال العنف لأن لا أحد يهتم بهن".
ختان وزواج مبكر
وفقاً لعملها مع النساء الريفيات والعاملات في قطاع الزراعة، تقول لمياء لطفي، مديرة البرامج في "مؤسسة المرأة الجديدة" إن "المؤسسة عملت مع العديد منهن على رفع الوعي القانوني وتقديم المساندة القانونية لهن، كما أن أحد أبرز المشكلات التي تعاني منها المرأة الريفية، وهي الزواج المبكر، تولي له المؤسسة رعاية خاصة، وكانت آخر فعالية تدور حول التوعية ضد الزواج المبكر، من خلال الفن، واستهدفت الشابات، وشمل ذلك محافظات مثل قنا والقليوبية والدقهلية".
وتشير لطفي إلى أن "الريفيات في مصر يعانين من مشاكل متنوعة، فأعلى نسب ختان وزواج مبكر وعنف أسري موجودة في الريف، رغم أن اتفاقيات دولية تؤكد على حقوقهن، مثل اتفاقية السيداو (اتفاقية القضاء على أشكال التمييز ضد المرأة)".
وفقا للمسح الصحي السكاني لعام 2014 تبلغ نسبة النساء اللاتي تزوجن قبل بلوغ سن 18 عاماً نحو 41 في المئة، من الفئة العمرية 60-64 سنة، في حين تبلغ النسبة 12.3 في المئة من الفئة العمرية 18-19 سنة.
ودعت لطفي المؤسسات المدنية المصرية وعدداً من العاملين فيها لإطلاق ائتلاف لمساندة المرأة الريفية، وهو ما تم قبل عدة أيام، لدعم قدرات الريفيات على العمل الجماعي، عبر استخدام أدوات وآليات الاقتصاد الاجتماعي والتعاوني، لبناء مؤسساتهن الاقتصادية الزراعية، ودعم قدراتهن على مواجهة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وولوجهن للأسواق، وتنمية قدراتهن الإنتاجية في المنتجات الزراعية ومنتجات الألبان والحرف البيئية، وسيبدأ العمل باستهداف قرى محافظة الشرقية لدعم النساء الريفيات فيها.

نجاحات رغم المعاناة
ومن جانبه قال الخبير الاقتصادي محمد عبد الحكيم إن "مشكلات المرأة الريفية كثيرة، منها غياب التأمين الاجتماعي والصحي، ويمكن حلها، وأن يتم إدراجهن كما أدرج العاملون في مجال المقاولات".
وهناك أزمات، وفقاً لعبد الحكيم "تخص تمكين المرأة الريفية في الصعيد، من خلال حصولها على ميراثها. وتعاني المرأة الريفية في الأساس من كونها تعمل في الزراعة، من تأثير تغير المناخ وعدم انتظام المياه. كما أن حيازة النساء لأملاك زراعية حالياً صارت ضئيلة، ما يجعل وجودهن كمنافس في السوق ضعيفاً جداً".
وبحكم عمله في منطقة الصعيد قال إن "الحيازات الصغيرة للمرأة، ربما لا تتعدى قيراطين من الأرض، ما يجعل الإنفاق على زراعة الأرض أعلى من العائد، ويهدد وضع المرأة التي تحوز الأرض، ويؤثر على الزراعة عموماً".
وينطوي جزء من عمل الخبير الاقتصادي في منطقة الصعيد على تشجيع التعاون بين النساء الريفيات، ليتشاركن في الاستفادة من حيازة كل منهن، والحصول على فوائد وعائدات أفضل من الزراعة، أو صناعة المنتجات في ما تعرف بالشركات التعاونية، التي تجمع صغار الفلاحين لعمل إنتاج جماعي، الأمر الذي يساعد على حل أزمات المياه وخفض إهدارها. وأثمر هذا التعاون تدشين شركات تعاونية في مجال الخزف والفخار والملابس والألبان وزراعة النباتات العطرية.
نبض