شهدت غرف محادثة تطبيق "كلاب هاوس" ومواقع التوصل في مصر، في الأيام القليلة الماضية، سجالات حول زواج القاصرات الذي بات أزمة عميقة تؤرق متخذي القرار والمهتمين بقضايا المرأة في مصر.
وشارك في النقاش إسلاميون ورجال دين، لكن هذه المرة ليس من منطلق الدفاع عن أن "الشريعة تجيز ذلك" وأنه "حلال"، وإنما من زاوية أن الإسلام لا يبيح هذا الأمر مطلقاً.
الطرح الذي جاء مغايراً لما كان عليه موقف الإسلاميين، خصوصاً المنتمين الى الفكر السلفي المتشدد، دفع بعض المحسوبين على التيار الليبرالي إلى الدخول على الخط، ومناقشة القضية وتأثيراتها في المجتمع المصري بعدما تشبّع بالخطاب الديني الذي يؤكد أن زواج الصغيرات "أمر يبيحه الإسلام".
وتشير تقديرات إلى أن هناك قرابة 117 ألف طفلة وطفل تزوجوا أو سبق لهم الزواج، فيما تذهب تقديرات أخرى إلى أن هناك ما يناهز 50 ألف طفلة تتزوج كل عام دون سن 18.
ومع تباين التقديرات المتاحة، تتجلى حقيقة واضحة، وهي أن الأرقام الدقيقة تبقى طي الكتمان لأن هذا النوع من الزواج يتم خارج إطار القانون، وتحميه قطاعات عريضة من المجتمع المصري، خصوصاً في المناطق الريفية والفقيرة، ويؤمنون بأن ما يفعلونه "ليس محرماً شرعاً"، استناداً الى الخطاب الديني الذي تشبعت به عقولهم على مدار العقود الماضية.
أزمة متشابكة
ويقول الدكتور عمرو حسن مقرر المجلس القومي للسكان السابق وأستاذ اختصاص النساء والتوليد والعقم في مستشفى قصر العيني: "دائماً يتناول الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي موضوع الزيادة السكانية وانعكاسه على التنمية، وذكر مراراً أن تلك الزيادة تمثل عبئاً كبيراً على الاقتصاد المصري، وفي 11 أيلول (سبتمبر) الجاري وخلال كلمته في ندوة نقاشية بعنوان ("حقوق الإنسان.. الحاضر والمستقبل" قال عن زواج القاصرات: انتو بتعملوا ايه في أولادكم؟!".

ويرى حسن أن "التسرب من التعليم، وعمالة الأطفال، وزواج الأطفال، هي من أهم المشكلات التي تواجه الطفل المصري، وترتبط ارتباطاً وثيقاً بالزيادة السكانية، والعوامل الثلاثة كل منها متشابك مع الآخر، وكل منها سبب وكل منها نتيجة للآخر، فالتسرب من التعليم يؤدي إلى عمالة الأطفال والزواج المبكر، والزواج المبكر تكون نتيجته التسرب من التعليم، وربما عمالة الأطفال".
ويضيف: "طبقاً للمسح السكاني 2014 نجد أن الإنجاب يبدأ مبكراً عند كثير من السيدات المصريات، أكثر من 25 في المئة منهن ينجبن في العمر 15-49 سنة، ويكنّ قد أنجبن المولود الأول عند سن 20 عاماً، ونجد أن ما يقرب من 45 في المئة منهن قد أنجبن الطفل الأول ببلوغهن عمر 22 سنة، وأيضاً نلاحظ أن 7 في المئة من المراهقات قد أصبحن أمهات".
تباين واضح
ويتجلى مدى التحول في خطاب الدعاة والإسلاميين بشكل واضح، في الوقت الراهن، حين ننظر إلى توجيهات السيسي، في الآونة الأخيرة، باستصدار قانون يجرم بشكل قاطع "الزواج المبكر".
كما دشن حقوقيون، قبل أيام، مبادرة تحت عنوان #حملة_1000_جمعية_لتجريم_زواج_القاصرات، وبدأ منظمو تلك الحملة عقد فعاليات وندوات وحملات رقمية لجمع التوقيعات بهدف حث الجهات المختصة، لا سيما البرلمان المصري، على الإسراع في استصدار قانون يحمي القاصرات من الزواج المبكر.
وبالعود للوراء لبضع سنوات، حتى في الفترة التي أعقبت سقوط حكم جماعة "الإخوان المسلمين"، وإحباط محاولاتها إلغاء تجريم الاتجار بالرقيق وزواج القاصرات، نرى مساعي حثيثة قادها برلمانيون في مجلس النواب السابق (برلمان 2015)، للتقدم بمشروع قانون لخفض سن الزواج من 18 إلى 16 عاماً، لكن مسودة القانون أحبطت قبل طرحها للنقاش في البرلمان.
المسؤول الأول
ويقول محمد أبو العيون الباحث في الفكر والتراث الإسلامي وحركات الإسلام السياسي لـ"النهار العربي": "إن المسؤول الأول الذي يتحمل وزر انتشار جريمة تزويج الفتيات القاصرات هم رجال الدين الذين يقدسون التراث، فهؤلاء على مدار عشرات السنيين أقنعوا العامة بمشروعية هذه الجريمة ما دامت الفتاة سمينة، وتتحمل الوطء - كما يقولون -، وبرروا أقوالهم بترديد رواية موضوعة زعموا فيها أن نبي الإسلام محمد (صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم) تزوج من السيدة عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهما وهي في سن التاسعة".
ويضيف أبو العيون: "هذه الرواية موضوعة، وحتى كتب التراث نفسها نفت صحة هذه الرواية، فعلى سبيل المثال هناك كتاب "الدرر في اختصار المغازي والسير" لمؤلفه الحافظ يوسف بن عبدالبر، نجده يؤكد أن النبي تزوج من السيدة عائشة (رضي الله عنها) وهي في سن التاسعة عشرة، وكتاب ابن عبدالبر من أصح الكتب التي نقلت السيرة النبوية، ومع هذا يتجاهله رجال الدين الذين يقدسون التراث بسبب الانتقائية التي يشرعنون من خلالها أقوالهم وأفعالهم التي لا تمت الى الإسلام بصلة".
ويرى الباحث أن "ما ذهب إليه رجال الدين ممن يقدسون التراث حول مشروعية تزويج الفتاة وهي في سن الطفولة، تبعه جميع عناصر التيار الإسلاموي من الجماعات المتطرفة والتنظيمات الإرهابية، والذين اعتبروا جريمة زواج الفتيات القاصرات أمراً مشروعاً وحقاً مكتسباً للرجال".
ويشير أبو العيون إلى أنه "في السنوات الأخيرة وعقب سن العديد من القوانين الصارمة التي تُعاقب على هذه الجريمة لم يجد التيار الإسلاموي وسيلة لحماية نفسه من الوقوع تحت طائلة القانون سوى التنصل من مسؤوليته حيال انتشار ظاهرة زواج القاصرات وأن خطابه هو السبب الرئيس وراء تجذرها في أذهان العامة".
"هذا التنصل أو الهروب من المسؤولية لا ينفي أنه المسؤول الأول عن انتشار هذه الظاهرة، وكتبه وخطبه المسجلة بالصوت والصورة مملوءة بالأقوال المشرعنة لهذه الجريمة" يقول أبو العيون، ويضيف: "ولذلك تنصلهم الآن من المسؤولية لا يتعدى كونه نوعاً من أنواع التقية التي اعتادوا عليها كلما وقعوا في مأزق".
أزمات متصلة
وتقول الكاتبة الصحافية المتخصصة في شؤون المرأة إيناس كمال لـ"النهار العربي": "زواج القاصرات كان وما زال مشكلة كبيرة يعاني منها المجتمع المصري، الأبحاث والدراسات تكشف عن وجود زواج طفلات بعمرأقل من 16 سنة". وتضيف: "إنها مشكلة مركبة، فهي لا تقتصر على زواج الأطفال فحسب، ولكنها تشمل كذلك مشاكل في النسب والميراث وغير ذلك".
وتوضح كمال: " بعض الفتيات يتم تطليقهن قبل سن 18 أي قبل توثيق زواجها بصورة رسمية، وحين تنجب أطفالاً لا يكون بمقدورها الحصول على شهادة ميلاد رسمية لهم، وبعض الفتيات يموت أزواجهن فلا يحق لهن نصيب في الميراث".
وتشير الكاتبة إلى أن "هذه المشكلة موجودة بشكل واضح في القرى، وذلك رغم الجهود التي تبذلها الدولة لمحاربة هذه المشكلة، ولكن وجود أشخاص مسيطرين يحملون فكراً دينياً متشددا ويقومون ببثه في عقول الناس يحبط تلك الجهود لدرجة كبيرة".
نبض