28-01-2022 | 06:00

"وحش" جديد يهدّد النّساء في مصر

أغلب قصص الابتزاز من رجال بغرض جنسي، لكن آية وعائلتها تعرضوا للابتزاز مقابل المال
"وحش" جديد يهدّد النّساء في مصر
Smaller Bigger

وجدت آية السيد، وهي طبيبة مصرية، نفسها يوماً هي وزوجها وعائلتها هدفاً لهجمات إلكترونية، هذه المرة ليست من رجل كمعظم حوادث الابتزاز الإلكتروني التي اشتهرت أخيراً في مصر، لكن من فتاة مثلها، تُدعى علياء، استهدفت آية وعائلتها ونشرت عنهم الشائعات في مجال عملهم وفي محيط أصدقائهم، واستمرت هذه الحال سنوات عدة، حتى نفد صبر آية وعائلتها.

 

تقول السيد لـ"النهار العربي": "قامت هذه الفتاة بتتبع عائلتي، وجمعت بيانات عني وعن زوجي وشقيقتي وباقي أفراد عائلتي، وأرسلت لي ولهم رسائل بمعلومات مغلوطة عني وعنهم، وأرسلتها إلى أصدقائنا وأقاربنا لتشويه صورتنا، واستخدمت حسابات فايسبوك مزيفة".

 

ليست كمعظم قصص الابتزاز من رجال بغرض جنسي، لكن آية وعائلتها تعرضوا للابتزاز مقابل المال، وفق رواية الطبيبة المصرية، التي واصلت حكاية قصتها: "قالت إني أقوم بأعمال مشبوهة، وإن زوجي الطبيب مصاب بالأيدز وينشره بين مرضاه، كما استهدفت سابقاً شابة اسمها هايدي سمير، وأرسلت إلى مديريها في العمل أنها تعمل في الدعارة، حتى اضطرتها لأن تترك العمل".

 

إجراءات مستحيلة

الابتزاز الإلكتروني جريمة تستهدف فتيات وعائلات عدة في مصر، من أشخاص معدومي الضمير لأغراض متعددة. ورغم كونها جريمة حديثة على المجتمع المصري، إلا أن الإبلاغ عنها يشوبه بعض الصعوبات، فآية وعائلتها يحرران محاضر ضد مبتزتهم منذ عام 2016، لكن يتم حفظها، لأن مبتزتهم تغلق الحسابات فور تهديدهم منها برسائلها.

 

ما حرّك الموضوع أنها استهدفت مهندساً مصرياً وعائلته، وطلبت منهم أموالاً كثيرة، فقام بتحرير محضر ضدها، واستطاعت مباحث الإنترنت أن تتوصل إلى الـ IP address الخاص بالمتهمة، ووصلت إلى اسمها وعنوانها، فأحيل المحضر إلى النيابة العامة.

 

السّلطات تتحرّك

وكمعظم القضايا المثارة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تفاعلت معها النيابة العامة المصرية على الفور، بعد فيديو مؤثر لآية نشرته عبر حسابها في "فايسبوك"، تشرح فيه ما تتعرض له وعائلتها من حرب نفسية على مدار سنوات. وفي خلال 24 ساعة استجابت النيابة العامة، وتحركت السلطات، وألقت القبض على المتهمة، وبدأت التحقيق معها، إبان كتابة هذه السطور.

 

وآية ليست وحدها، يومياً نطّلع على ضحايا جدد للابتزاز الإلكتروني، ونرى قصصاً لفتيات يطلبن النجدة من أن أحدهم يبتزهن مقابل المال، أو لأجل إقامة علاقة جنسية، أو غير ذلك من المنافع.

 

تجريم وقصور

لا إحصاءات رسمية عن معدل ارتكاب جريمة الابتزاز الإلكتروني، لكن دراسة أعدّتها لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في مجلس النواب المصري، كشفت عن أن شهري أيلول (سبتمبر) وتشرين الأول (أكتوبر) عام 2018 شهدا تقديم 1038 بلاغاً بجريمة إلكترونية، منها جرائم ابتزاز إلكتروني، ونجحت وزارة الداخلية في ضبط أغلب المتهمين فيها. ونشرت تلك الدراسة بمناسبة إصدار قانون مكافحة جرائم المعلومات في العام نفسه.

 

المحامية جواهر الطاهر من مؤسسة قضايا المرأة المصرية، قالت لـ"النهار العربي" إن "القانون المصري يجرّم الابتزاز الإلكتروني في أكثر من موضع، ففي المادة 25 من قانون مكافحة جرائم المعلومات، تحدد عقوبات بالسجن بمدة لا تقل عن 6 أشهر وبغرامة لا تقل عن 50 ألف جنيه، ولا تتجاوز الـ100 ألف جنيه. أما في قانون العقوبات، فتنص المادة 327 على معاقبة كل من هدد غيره كتابة بارتكاب جريمة ضد النفس أو المال معاقب عليها بالقتل أو السجن المؤبد أو المشدد، أو بإفشاء أمور أو نسبة أمور مخدشة بالشرف، وكان التهديد مصحوباً بطلب أو بتكليف بأمر يعاقب بالسجن".

 

لكن الطاهر ترى أن "المادة 12 من قانون جرائم الإنترنت، هي الأخرى تنص على معاقبة بالحبس مدة لا تقل عن سنتين وغرامة لا تقل عن 20 ألف جنيه ولا تتجاوز 100 ألف جنيه، كل من حاز أو أحرز أو صنع أو أنتج أو استورد أو صدر أو تداول بأي صورة من صور التداول أي أدوات أو برامج مصممة، أو محورة، أو شفرات أو رموز، بغرض استخدامه في ارتكاب أو تسهيل ارتكاب أي جريمة، أو إخفاء آثار أو أدلة أي من الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون".

 

وتضيف "سنجد هنا أن نص المادة يعاقب فقط على استخدام البيانات أو الأدوات لارتكاب أو تسهيل ارتكاب جريمة من الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون فقط، وليس في قانون العقوبات بأكمله، أي أنها لا تحمي البيانات الشخصية للضحية، ولا تعاقب على انتهاك خصوصية المستخدم أو استخدام بياناته، مثلما يحدث مع صور البنات وتركيبها على صور أخرى لتصوير الضحية على أنها سيئة السمعة، ولما حاول القانون العمل على حماية البيانات الشخصية الخاصة بالمستخدم، جاء بنصوص ناقصة ولا تضمن الحماية الحقيقية للبيانات أو لخصوصية المستخدم".

 

مبادرة "ندعمك"

وبسبب تزايد حالات الابتزاز الإلكتروني في مصر، أطلقت مؤسسة قضايا المرأة المصرية، مبادرة "ندعمك" لمساندة ضحايا الابتزاز الإلكتروني، نفسياً وقانونياً، وعن هذه المبادرة قالت جواهر الطاهر: "بعد نشر البوست الذي نعلن فيه عن دعمنا لضحايا الابتزاز الجنسي من النساء والفتيات، جاءت لنا الكثير من الرسائل والاتصالات لتلقي الدعم، ولكن لاحظنا أن ضحايا الابتزاز يرفضون التدخل القانوني وتحرير محاضر في قسم الشرطة، ويفضلون حل الموضوع ودياً مع المبتز، لأنهم يتصورون أن تحرير المحضر هو فضيحة جديدة لهم".

 

وأضافت الطاهر "المؤسسة تقدم الوعي القانوني للضحية، وتخبرها أن اتخاذ الإجراءات القانونية أفضل، ولكنها إذا أصرت على التدخل الودي مع المبتز، نقوم بذلك، وبالفعل تراجع مبتزون عما فعلوه حينما خاطبناهم، وفي الوقت نفسه نقدّم الدعم النفسي اللازم لضحايا الابتزاز، من خلال اختصاصية نفسية".

 

الضحيّة الأولى

49 % من مستخدمات الإنترنت في المنطقة العربية أكدن أنهن لا يشعرن بالأمان من التحرش الإلكتروني. هذا ما كشفه تقرير الأمم المتحدة الجديد بعنوان: "العنف ضد المرأة في الفضاء الرقمي: رؤى من دراسة متعددة الأقطار في الدول العربية".

 

وأشار التقرير إلى أن 36% من النساء العربيات اللواتي تعرضن للعنف الإلكتروني العام الماضي نصحن بتجاهل الواقعة، بينما ألقي اللوم على 23% منهن، وقيل لـ21% منهن أن يحذفن حسابات التواصل الاجتماعي الخاصة بهن.

 

وتقول داليا وصفي الباحثة الاجتماعية والنسوية لـ"النهار العربي": "إن النساء والفتيات، حتى القاصرات منهن، الضحايا الأكثر لهذه الجريمة، مثلما حدث مع الطفلة بسنت خالد (17 عاماً)، التي ابتزها جيران لها بصور جنسية، فانتحرت".

 

ترى وصفي أن "النساء والفتيات يتم تربيتهن مع ذكور لديهم كبت جنسي، وطاقة جنسية كبيرة لا يجدون مكاناً لتفريغها، فيقومون إما باستغلال النساء، أو ابتزازهن لإقامة علاقات جنسية أو مقابل المال، لأنهم يجدون أن تفريغ طاقتهم في الشارع به مخاطرة، فقد أصبحت الفتيات لا يصمتن على حقهن ويطالبن به، أما إلكترونياً فلا يزال المجال حديثاً، فيقومون إما بفبركة صور، أو استغلال صور معه للضحية".

 

كما ترى الباحثة أن "جريمة الابتزاز الإلكتروني، ليست جديدة، بل موجودة منذ فترة طويلة، وفقط عرّتها مواقع التواصل الاجتماعي. أن السبب في المشكلة هو التربية الخاطئة للجنسين، فالفتاة تربى على أن جسدها ليس ملكها، وتالياً، لا تستطيع أن تردّ بقوة على من يملك صورها، أن جسدها من حقها أن تتصرف فيه كيفما تشاء، لا كيفما يُشاء لها، وأن الرجل يتربى منذ صغره أن له الحق في امتلاك جسد المرأة وأنها (عيبة)".

 

وأضافت وصفي: "أن أغلب الرجال يتصرفون كما لو أن المرأة ينبغي أن تتساهل مع الجميع، إذا عرف عنها إقامتها لعلاقة واحدة، مثلما حدث مع الطفلة بسنت خالد، فأرسل لها ابن عمها: "أنا أولى من الغريب"".

 

وتعتقد الباحثة الاجتماعية أن "السينما كان لها دور في أدلجة السيدات، وقولبتهن ليكنّ ضحايا، وألا يكون لهن رأي، وكوّنت السينما عداءً موجهاً للنساء، شحنّ المجتمع والرّجال ضدّهن، فأصبحوا يستهدفون النساء في كل مكان وبأي طريقة".

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

كتاب النهار 5/5/2026 1:21:00 PM
السؤال لم يعد: هل يستطيع الحزب أن يقاتل؟ بل: هل يستطيع أن يحمي الحياة اليومية لمن دفعوا ثمن قتاله؟
لبنان 5/11/2026 5:34:00 AM
يمكن التوصل بين الرئيسين عون وبري إلى أرضيةٍ مشتركة حول البنود المرجعية، بعد إعلان رئيس الجمهورية أن هدفه "إنهاء الحرب مع إسرائيل على غرار اتفاقية الهدنة".
لبنان 5/11/2026 1:32:00 PM
بلغ مجموع طلبات المودعين الذين تقدموا للإستفادة من التعميمين الأساسيين الرقم 158 و 166 حتى تاريخ تقديم هذا البيان 610,624 طلباً...