من جديد عادت قضية فتيات "التيك توك" في مصر لتتصدر عناوين الصحف ومحركات البحث، بعد الحكم الذي أصدرته محكمة الجنايات بالقاهرة، بسجن حنين حسام 10 سنوات، ومودة الأدهم 6 سنوات، وغرامة 200 ألف جنيه لكل منهما، في اتهامهما بالاتجار في البشر.
ورغم هذه البراءة السابقة، يتساءل البعض في حيرة لماذا تجددت القضية، وما سر هذه الأحكام المشددة؟ بخاصة وسبق إخلاء سبيل حنين ومودة في شهر شباط (فبراير) الماضي، الأمر الذي أشعل الجدل والنقاش بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي، وتطرق الأمر للحديث عن أسرار التربح من مواقع البث الحي مثل "تيك توك" و"لايكي" و"بيجو" و"تانغو" وغيرها، ودارت نقاشات عن حقيقة الظلم الذي تعرضت له الفتاتان، وهل يستحق مستخدمو هذه التطبيقات ذلك العقاب "المشدد" (حسب وجهة نظر البعض)؟
إزاء هذه الأحكام أعرب حقوقيون مصريون عن قلقهم، ومن بينهم لبنى درويش، مسؤولة ملف المرأة والنوع الاجتماعي في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، التي قالت في تعليق سابق "إن القانون يتدخل في الاختيارات الشخصية والأخلاقية للأفراد، من خلال استخدام مواد قانونية مطاطة، أو التعامل مع قضايا مثل العنف الجنسي أو التربح من الإنترنت، عبر منظور ضيق لا يتناسب مع الدور الذي يجب أن تلعبه الحكومات في تنظيم حياة الأفراد وحمايتهم".
لايف خاص
ويختلف مينا فايق المتخصص في مواقع التواصل الاجتماعي مع لبنى، فهو يؤيد الرقابة، ويرى أن حنين حسام ومودة الأدهم ضحيتان لغياب دور العائلة ورقابة الأهل والطمع في المال.
وأضاف فايق في تصريحاته لـ"النهار العربي": "المشكلة ليست في رقص البنات، هناك فنانات وفنانين وراقصات ومطربين على تيك توك ليل نهار، المشكلة في ما تقدمه هذه التطبيقات التي توفر المال مقابل الظهور في لايف خاص، والتربح من دعوة واستدراج القصّر من الشباب والبنات لاستخدام هذه البرامج والترويج لها بعيداً من الرقابة".
وتابع فايق: "مع استدراج مستخدمين أكثر، تحصل حنين حسام ومودة الأدهم على عمولات أكبر، وذلك على الرغم من أن الدعاية التي يقمن بها لاستدراج القّصر تحت السن القانونية تخلو من التحريض على الفجور علناً، ولا تدعو للتعري بل، وتدعو الفتيات للالتزام بالاحتشام. ويحدث بعد ذلك أن تنجرف الفتيات القاصرات ويقبلن الظهور في لايف خاص، حينما يطلب المتابعون منهن التعري بأوضاع معينة مقابل إرسال هدايا مغرية".
ويشير المتخصص في مواقع التواصل الاجتماعي إلى أن "حنين ومودة تعتقدان أنهما غير مسؤولتين عما يحدث بعد ذلك للفتاة التي تقبل التعري طمعاً في المال والشهرة. الواقع هو أن الشباب يقوم بتشجيع الفتاة بمجرد تسجيل دخولها على التطبيق، بواسطة الهدايا الإلكترونية التي يتم استبدالها بمبالغ مالية تستطيع الفتاة استردادها".
ويعتبر فايق أن "مثل هذه التطبيقات يشجع على استغلال الأطفال والاتجار بهم جنسياً"، لافتاً إلى أن "مستخدمي (تيك توك) في مصر تجاوز عددهم 36 مليون مستخدم، وهو خطر داهم على المجتمع".
ويتساءل المتخصص في السوشيال ميديا: "لماذا توفر (غوغل بلاي) هذه التطبيقات على منصتها رغم التعارض مع سياساتها التي لا تسمح باستغلال البشر والأطفال؟".
تهم فضفاضة
يتبنى محمد شميس الصحافي والناقد الفني وجهة نظر مغايرة لما يراه فايق، ويعتبر أن "ما يحدث لحنين ومودة لا يتناسب مع مجتمع مثقف، فبدلاً من الحوار والنقاش مع الفتيات، نراهم يتعرضن للإقصاء والمواجهة، إما بالنصوص الدينية التي تدين أفعالهن، أو القانون الذي يبرر سجنهن".
وأضاف شميس لـ "النهار العربي": "لدينا تهم فضفاضة، لا يمكن تحديدها، لمواجهة فتيات (التيك توك)، ومنها على سبيل المثال تهمة (هدم قيم الأسرة)".
ويؤيد شميس الضجة المثارة حول حنين ومودة ويقول: "الفتيات في مقتبل العمر، وهن يستحقن بالفعل ضجة التفاعل، وليس الانزعاج... لماذا يخشى المجتمع من رقص الفتيات؟!".
ويرى الناقد الفني أن "الهجوم على فتيات (التيك توك) إساءة من المجتمع لنفسه، لأن الرقص من مفردات حرية الرأي والتعبير. إن ثقافة المنع منتشرة في كل المجالات، حتى في الفن والغناء، وقد شاهدنا ملاحقة نقيب الموسيقيين لمطربي المهرجانات، سابقاً، وكل من يتحدث بما لا يُرضي المجتمع والسلطة سيكون مصيره السجن".
هل الأحكام نهائية؟
يؤكد محمد أبو الديار المحامي، وأمين عام مؤسسة الدفاع عن المظلومين، أن "الأحكام على حنين ومودة، هي أحكام صادرة من محكمة الجنايات واجبة النفاذ فوراً".
وأوضح أبو الديار لـ"النهار العربي": "ما زالت هناك فرصة النقض على هذه الأحكام خلال 60 يوماً من تاريخ الحكم الحضوري. وبالنسبة لحنين حسام صدر في حقها حكماً غيابياً، ووفقاً للقانون الجنائي، سيكون من حقها طلب إعادة إجراءات، بمعنى إعادة المحاكمة، وذلك بعد القبض عليها أو تسليم نفسها. أما مودة الأدهم فليس أمامها غير تنفيذ الحكم والنقض، وهذا لن يوقف التنفيذ... قد يتوقف تنفيذ الحكم في حالة الفصل في الحكم، وغالباً لن يحدث هذا وستظل الفتاة في السجن".
وعن الجدل المثار وتداخل المعلومات، ولماذا تم الحكم مرة أخرى بالسجن رغم البراءة السابقة؟ أوضح أبو الديار، أن "التهم الموجه للفتاتين مختلفة وتم محاكمتهما في البداية على تهم (التعدي على القيم والمبادئ الأسرية) وهي جُنح يعرّفها القانون بأنها أعمال إجرامية (أصغر)، وعادة يعاقب على الجنح بعقوبات أخف من عقوبات الجنايات".
وعن تهمة "الاتجار بالبشر" أكد المحامي المصري أنها "جريمة يصنّفها القانون جناية، وفي القانون المصري لا يتم الاستئناف على قضايا الجنايات. إن هذه القضية مسيسّة إعلامياً، الهدف منها ردع مستخدمي هذه التطبيقات، بعدما انتشرت في مصر، وساء استخدامها في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، مع فقدان الكثير من المصريين مصادر الدخل، ما دفع البعض للحصول على المال بطرق غير مشروعة".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
نص المرسوم رقم (98) لعام 2026 على تعيين عبد الرحمن بدر الدين الأعمى أميناً عاماً لرئاسة الجمهورية... جاء تعيينه خلفاً لماهر الشرع، وذلك في إطار توجهات لتعزيز مبدأ فصل العلاقات العائلية عن المسؤولية العامة.
نبض