أعباء الحياة والضغوط الاقتصادية وصدمات الطفولة وغيرها من الأسباب، تجعل البعض في السنوات الأخيرة يلجأ إلى أطباء نفسيين للمساعدة في تخطي هذه الأزمات، قبل أن يصل الأمر إلى طريق مسدود، إلا أن هناك أطباء قد ساهموا مساهمة كبيرة في زيادة الحالة النفسية للناس، وآخرين كانوا ممتنين لما فعلوه لهم.
قبل أسابيع انتشر خبر انتحار شاب من محافظة الإسكندرية، واتهم الشاب في وصيته التي نشرها صديق له عبر "فايسبوك"، طبيبين نفسيين، بالتسبب في انتحاره.
تقييمات الأطباء النّفسيين
أثار خبر انتحار الشاب استياءً واسعاً، حتى أن شابة مصرية قررت، أخيراً، إنشاء غروب على "فايسبوك" لتشجيع الناس على نشر تقييماتهم للأطباء النفسيين الذين تعاملوا معهم، سواء إيجابية أو سلبية، الأولى الغرض منها دعم بعض الأطباء الذين ساهموا في تحسين الحالة النفسية، والثانية للتحذير من أمثال الطبيبين اللذين تسببا في انتحار سامح.
إيمان صبحي، مؤسسة غروب "ريفيوهات أطباء نفسيين" قالت لـ"النهار العربي" إنها قررت إنشاء المجموعة بسبب زيادة الشكاوى داخل دائرة معارفها من الأطباء النفسيين الذين يتلقون علاجاً معهم.
لم تكن تعرف إيمان في البداية الفارق بين ما يفعله كل طبيب، كان ذلك قبل أن تدرس دبلوماً في الصحة النفسية والإرشاد الأسري.
تقول إنها في البداية كانت تنزعج كثيراً من الشكاوى، لكنها لم تكن تعرف هل طريقة علاج الطبيب خاطئة أم صحيحة، ولا ما يفترض عمله، لكن بعدما درست أدركت أن ثمة قواعد على المعالج الالتزام بها.
معايير الطبيب النفسي
تضيف مؤسسة "ريفيوهات دكاترة نفسيين" إنها حينما علمت بانتحار شاب في الإسكندرية، وأنه كتب قبل انتحاره أن من بين الأسباب أن طبيبه النفسي أخبره "إذا أردت أن تموت فلتفعل ذلك" ومات الشاب بالفعل، الأمر الذي استفزها كثيراً، وجاءتها فكرة إنشاء الغروب، لأنه لا منصة يتحدث الناس من خلالها عن أخطاء الأطباء النفسيين والمعالجين معهم.
يعتمد الغروب في الأساس على فكرة أن يقوم كل شخص بتقييم تجربته، وكل من تعرض لأذى من طبيب يدوّن عنه، وأحياناً يكتبون بأسماء مستعارة، حتى لا يتم إدانتهم (قانونياً).
ولاحظت إيمان صبحي، التي لم تتلق أي علاج نفسي سابقاً، أن معظم الإخفاقات التي سببها أطباء لمرضاهم كانت أخلاقية وإنسانية وبعيدة من خطط العلاج. وهي ترى أن مهنة الطبيب أو المعالج النفسي حساسة ودقيقة، لأن التربية وقلة وعي الآباء والأمهات بالتربية السليمة، وزيادة الضغوط، كل ذلك قد يسبب مشكلات نفسية منذ الطفولة، وحتى الكبر، لذا ينبغي لمهنة الطب النفسي أن تراعي شروطاً ومعايير معينة.
عام 2020 صدرت أحكام لتعديل قانون رعاية المريض النفسي رقم 71 لسنة 2009 والتي نصت على بعض الشروط الخاصة بالعلاج الإلزامي، والفارق بين دور الطبيب، والمعالج النفسي، وعقوبات الإخلال لدى كل منهما، والتي تصل إلى السجن أحياناً.

يتسبب بعض الأطباء النفسيين في زيادة الضغوط على مرضاهم بدلاً من تخفيفها
أطباء نفسيون مؤذون
تقول صبحي إنه من خلال القصص التي نُشرت على الغروب منذ نشأته، لاحظت زيادة الأذى النفسي لدى بعض المرضى الذين ذهبوا إلى أطباء محددين، وسببوا لهم ضغوطاً إضافية، ومعاناة أخرى.
وتضيف: "يمكن أن يفشل طبيب في علاج حالة، وهذا أمر طبيعي، لكن غير الطبيعي أن يزيد من حالة مريضه سوءاً، فكان من الممكن أن يحول مريضه إلى طبيب آخر، لكن كل هذا يجعله غير موثوق به".
ومن خلال منشور لـ"النهار العربي" على الغروب تلقينا إشادة وشكوى من أحد الأعضاء يقيّم فيها أطباء عديدين، بعضهم كان إيجابياً معه والآخر سلبياً.
ويقول العضو الذي رفض ذكر اسمه: "لي تجارب عدة مع كثير من الأطباء النفسيين، ولم يزدني أحد مرضاً في حياتي سواهم، وإساءتهم لي كانت من أكبر الإساءات التي تلقيتها في حياتي، كنت ذاهباً إليهم بغرض التعافي، لكنهم زادوا حالتي سوءاً".
وحذر من طبيبة نفسية وصفها بأنها "أسوأ طبيبة نفسية قابلتها في حياتي"، وقال إنها كانت سبباً في تدمير حياته، وظل يعاني على مدار 10 سنوات مما سببته له في 3 جلسات فقط، ولم يسامحها، وفكر في تقديم شكوى ضدها في نقابة الأطباء، لكن تأخره في الشكوى بعد تعافيه حال دون حصوله على حقه من النقابة، والأخطر أنها طبيبة نفسية للأطفال.
أما الشابة أماني فقالت لـ"النهار العربي" إن لديها تجربة إيجابية من التعامل مع معالجة نفسية، ذهبت إليها وهي تعاني حالة أرق، وخطت معها طريق العلاج، لتكتشف أن الأمر يعود إلى طفولتها، وطبيبة أخرى ساعدتها في معرفة مشكلاتها وتخطيها.
بينما قالت هايدي رمضان لـ"النهار العربي" إنها في عام 2014 كان شقيقها على وشك الموت إثر إصابته بالسرطان، ولتعلقها الشديد به، لم تستطع مواجهة الأمر بمفردها، فذهبت إلى طبيب نفسي شهير في مدينتها يدعى "أ.ع."، وهو كان ذا خلفية دينية محافظة، بينما كانت توجهاتها مختلفة، وأخبرته بهذا الأمر، فتعامل معها معاملة سيئة، وكان يعنفها بسبب ذلك، ويطلب منها الصلاة، والاقتراب من الله، وأداء بعض الشعائر، وأخبرها أن لديها مشكلات نفسية بسبب الابتعاد من تعاليم الإسلام.
وتروي رمضان أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل أخطأ في تشخصيها، ففي البداية قال إنها مصابة باضطراب ثنائي القطب، لتكتشف في ما بعد من طبيب آخر أنها مصابة باضطراب الشخصية الحدية، وفي إحدى المرات صرخ في وجهها، وأخبرها أنه يجعلها دوماً آخر حالة يجلس معها في اليوم، مدعياً أنها الشخص الوحيد الذي يوتره ويغضبه، إضافة إلى أنه كان يصدر الأحكام عليها طوال الوقت.
كما تعاملت هايدي مع طبيبة أخرى تدعى "س. ا." والتي كانت تنسى كل مرة من هي، وتضطر لإخبارها كل شيء من البداية، كما كانت تشعر من جانبها بدعم مُفتعل، وأن كل ما يهمها هو تحصيل رسوم الكشف.
وتقول هايدي إن كل تلك التجارب جعلتها تفقد الأمل في الطب النفسي، لعدم تقبلها والتعامل معها بأسلوب غير صحيح، حتى التقت طبيباً في عام 2019 بسبب معاناتها الأرق، وكان فاقدة الأمل في العلاج، لكنه استطاع أن يعالجها، ويتفهم حالتها، ولا تزال تباشر علاجها معه حتى اليوم.
نبض