02-01-2024 | 06:10

"القهوة" ليست "الكافيه" في مصر

في اللهجة العامية المصرية، يتحول اسم المقهى إلى "قهوة" أو "قهوة بلدي"، ويستطيع المصري أن يميّز جيداً - عند الحديث - بين القهوة كمشروب، و"القهوة" كمكان لتناول المشروبات وتدخين الشيشة. أما "الكافي شوب"، فهو باختصار "كافيه".
"القهوة" ليست "الكافيه" في مصر
Smaller Bigger

تتفق معظم شعوب الأرض على أن المقهى هو "الكافي شوب" (coffee shop)، حتى محرك البحث "غوغل" يعتبرهما أمراً واحداً، لكن الأمر مختلف تماماً لدى المصريين، فمع أن كلتا الكلمتين تعني محلاً لتناول المشروبات، إلا أن نطق اسم أحدهما يستدعي صورة ذهنية مغايرة لما يستحضره الآخر في مخيلة المصريين.

 

وفي اللهجة العامية المصرية، يتحول اسم المقهى إلى "قهوة" أو "قهوة بلدي"، ويستطيع المصري أن يميّز جيداً - عند الحديث - بين القهوة كمشروب، و"القهوة" كمكان لتناول المشروبات وتدخين الشيشة. أما "الكافي شوب"، فهو باختصار "كافيه".

لا يميز "غوغل" بين "القهوة" و"الكافيه" بالمفهوم المصري.
 

وتمثل "القهوة" جزءاً من التراث الشعبي المصري في العصر الحديث، وقد كان لها دور بالغ الأهمية في مجالات عدة، مثل الثقافة، والسياسة، والاقتصاد، والفن، إلا أن ذلك الدور يتلاشى شيئاً فشيئاً، حتى يكاد يدخل في دائرة النسيان، ويحدث هذا على رغم انتشار المقاهي على نطاق واسع جداً في مصر، نظراً لأنها مشروع مربح.

 

ويقول الكاتب الصحافي وباحث الدكتوراه في التاريخ حسن حافظ لـ"النهار العربي" إن "المقهى في الماضي كان مقتصراً على فنون الربابة والحكي، وتناول بعض المشروبات، وكان يطلق عليه "حانوت"، لكنه تطور لاحقاً ولعب أدواراً عدة، خصوصاً في حقبة الاستعمار، وفترات الثورات والحراك السياسي، إلا أن دوره تراجع مؤخراً"، مشيراً إلى أن "الكافيه يأتي في سياق التأثر بالثقافة الأميركية خلال العقدين أو الثلاثة عقود الأخيرة".

 
انتشرت "الكافيه" على نطاق واسع في مصر خلال العقود الأخيرة. (النهار العربي)

 

صورة ملتبسة

عمر الشحات، وهو مصور فوتوغرافي شاب، يجد نفسه مضطراً لشرح الفارق بين "القهوة" و"الكافيه" لأصدقائه الأجانب أو حتى العرب منهم، الذين يأتون لزيارة مصر للمرة الأولى، ويحدث هذا عندما يخبرهم بأنهم يمكن أن يذهبوا سوياً إلى "القهوة"، فيعتقدون أنه يقصد "الكافي شوب".

 

ويقول الشحات لـ"النهار العربي": "أبدأ في التوضيح لهم أن "القهوة" هي مكان أكثر حميمية مقارنة بالكافيه، ففيه يتجمع الأصدقاء لقضاء وقت ممتع، أو للفرجة على مباريات كرة القدم، ويمكنهم إحضار طعام أو حلوى لتناولها سوياً، قبل أن يحتسوا المشروبات، أو يدخنوا الشيشة إذا رغبوا في ذلك".

 
عمر الشحات. (النهار العربي)

 

ويشير المصور الشاب إلى أن "أسعار المشروبات في "القهوة" أقلّ بكثير من نظيرتها في الكافيه، فبينما يمكن أن تتناول فنجان قهوة بسعر يراوح بين 10 جنيهات مصرية و15 جنيهاً (الدولار الأميركي يساوي 31 جنيهاً تقريباً)، يراوح سعره في الكافيه ما بين 35 جنيهاً إلى 65".

 

وينشر الشحات الصور والفيديوات القصيرة التي يلتقطها من شوارع مصر على صفحته في "إنستغرام"، حيث يتابعه أكثر من 21 ألف مستخدم لتطبيق الصور الشهير، ويعتمد في اختيار العناصر التي يصورها على مشاعره الشخصية، ومدى انجذابه لها، لذا فإن "القهوة" هي المكان المفضل لديه للتصوير، ثم يأتي "الكافيه" تالياً لها، لأن الأولى، حسبما يقول، "تشبه المصريين، وتظهر بها قوة الروابط الإنسانية، ويشعر فيها الإنسان بالدفء مع أصدقائه".

 

 

تغيير وتشوّش

التغير الذي طرأ على دور "القهوة" ساهم في تبديل الصورة الذهنية لها، خصوصاً لدى جيل الشباب الذي لم يعايش ذلك الدور الحيوي، فباتت في مخيلة معظمهم، ذلك المكان ذي التكاليف المنخفضة نسبياً، والذي يذهب إليه الناس لتمضية أوقات فراغهم، ولتدخين الشيشة، ولعب الدومينوز والطاولة.

 

يوسف بنده، وهو باحث سياسي، ومن المتحمسين للمقهى المصري باعتباره جزءاً من التراث المحلي، يعتبر أن صورة "القهوة" مشوشة وغير صحيحة، ويقول لـ"النهار العربي": "لقد تعرضت صورتها للظلم في الآونة الأخيرة، فالبعض يراها مكاناً للعاطلين من العمل، ولتمضية أوقات الفراغ، وهذه ليست صورتها الحقيقية".

 

يوسف بنده(يمين) يعتبر أن لـ"القهوة" أدواراً ثقافية واقتصادية وأنها تعرضت للظلم في الآونة الأخيرة

 

أما "الكافيه" بطرازاته الغربية الحديثة، فقد بدأ يظهر في مصر خلال العقدين أو الثلاثة عقود الأخيرة، في مناطق ترتبط بالطبقات الثرية أو الطبقة الوسطى العليا، وأخذ في الانتشار لتزايد الطلب عليه من فئات معينة، خصوصاً الشباب.

 

ويوفر "الكافيه" لزبائنه اتصالاً بالإنترنت، وأماكن مخصصة للتدخين، وأجواء هادئة ذات أثاث حديث، وتكييف للهواء، لذا ارتبطت صورته بالتحضر، والعمل، والإنجاز، وليس تمضية أوقات الفراغ والتسلية، فبدا كأنه نقيض القهوة البلدي.

 

وبينما تعتبر القهوة والشاي مشروبين مشتركين بين "القهوة" و"الكافيه"، فإن ثمة مشروبات خاصة بكل منهما، فالأولى فيها على سبيل المثال: السحلب، والحلبة، والكاركاديه الساقع (العناب)، والقرفة، والليمون الطازج، فيما "الكافيه" يضم مشروبات أغلبها غربي، ومعظمها معد مسبقاً، خصوصاً العصائر، ومن تلك المشروبات: الهوت شوكليت، واللاتيه، والنسكافيه، والكابتشينو، بجانب بعض السندويتشات والسلطات الفاخرة، والحلويات الغربية.

 
تتميز "القهوة" عن الكافيه ببعض المشروبات. (النهار العربي)

 

دور محوري

يؤكد حافظ أن "الدور الذي كانت تلعبه القهوة على مر تاريخها تراجع كثيراً، وهذا ما جعل الأجيال الجديدة تعتقد أنها مجرد مكان لتمضية أوقات الفراغ، وقلل من أهميتها في نظر الكثير منهم".

 

ويضيف: "في المحافظات الساحلية، يطلق على القهوة اسم "البورصة" لأنها مكان تتم فيه الأعمال وتعقد الصفقات، وفي الماضي كانت ملتقى لمعظم رواد حركة التحرير الوطني ضد الاحتلال الإنكليزي. كان ملتقى للمثقفين، وكانت تقام فيه حفلات الطرب أيضاً. أي أنه كان منتدى سياسياً، وثقافياً، واجتماعياً، وفنياً".

 

ويشير الباحث في التاريخ والمهتم بالتراث المصري إلى أن "الناس يعتبرون الكافيه مكاناً مناسباً للعمل ولعقد الاجتماعات، أو حتى للمذاكرة بالنسبة للطلبة، في ساعات النهار، لأنه مكان يراه البعض أكثر نظافة وهدوءاً".

 
حسن حافظ. (النهار العربي)

 

ويرجع حافظ هذا التصور إلى "النموذج الأميركي، الذي يلعب فيه الكافي شوب هذا الدور في النهار، في مقابل الحانة التي تلعب دوراً ليلياً لقضاء وقت ممتع. لذا بات لدينا الكافيه يلعب دور مكان العمل والنشاط صباحاً، فيما المقهى يحظى بالإقبال ليلاً".

 

المقاهي أنواع

ينظر شاعر العامية والكاتب رامي يحيى إلى "القهوة" على أنها أنواع، ولا تندرج تحت تصنيف واحد كما يعتقد البعض، ويرى أن زبائن "القهوة" ومستواهم الاجتماعي والثقافي يظهر من نوعية كراسيها.

 

ويقول يحيى لـ"النهار العربي": "ثمة تنوع واسع في "القهوة"، ويمكن أن نتعرف من كراسيها على طبيعة الزبون الذي يرتادها، كما أن لكل نوع من هذه الأنواع اسماً يختلف عن غيره".

 
يرى رامي يحيى أن المقاهي تعرف من كراسيها. (النهار العربي)

 

ويعتبر الكاتب أن تصنيف المقاهي في مصر "يمكن أن يتدرج تصاعدياً، بداية من "النصبة"، وهي مجرد دولاب خشبي، وأحياناً ترابيزة فقط توضع عليها عدة الشاي والأكواب، يليها "الغرزة" وكراسيها تصنع من البوص، هناك أيضاً البوفيه، وكراسيه تصنع من الخشب".

 

وعلى غير المشهور، يرى يحيى أن "هناك نوعين لـ"القهوة البلدي"، هما نوع كراسيه من البلاستيك دون مسند، وهو غالباً للرجال فقط، و"القهوة البلدي المشتركة" أي التي تضم رجالاً ونساءً، وهي ذات كراس بلاستيكية لها ظهر ومسند".

 

ويوضح: "في العموم فإن المقاهي ذات الكراسي الخشبية أو البلاستيكية عديمة المسند، هي للرجال فقط"، مضيفاً: "هناك أيضاً الكافي شوب (الكافيه)، وهو ذو كراس فخمة، منظم وأكثر نظافة، وهذه خدمة تستحق أن يدفع فيها الكثير".

 

الأكثر قراءة

لبنان 3/31/2026 5:00:00 AM
محاولات متواصلة للتقدّم إلى مجرى الليطاني، إضافة إلى قطع طريق الساحل ومحاصرة بنت جبيل 
لبنان 3/31/2026 10:21:00 AM
مواجهات جنوب لبنان: مقتل 4 جنود إسرائيليين بينهم ضابط  وإصابة 6
موضة وجمال 3/27/2026 6:53:00 PM
أكسسوارات الحقيبة باتت بيان هوية… ودمية "براتز" تعود باسم "براتزيز"