مع جولة بحث سريعة عن قرية "شبرا بلولة" عبر محركات البحث، تطالعك على الفور صور لقرويين وسط حقول الياسمين يبتسمون للكاميرات، مرفقة بعناوين جذابة عن القرية الصغيرة التي تنتج أكثر من نصف زهور الياسمين في العالم، فتشعر على الفور أنك إزاء قطعة من الريف الأوروبي على أرضٍ مصرية.
لكن هذه الصورة الزاهية لا تجسد الحقيقة كاملةً.
ومن هنا انتقلنا إلى محافظة الغربية، حيث تقع شبرا بلولة السخاوية (50 ألف نسمة)، بمركز قطور (97 كيلومتراً شمالي القاهرة)، لاستجلاء المشكلات التي تواجه القرويين، والكشف عن حقيقة احتكار صناعة الياسمين، والتحكم في أقوات المزارعين، في ظل عدم وجود دور فاعل لنقابة الفلاحين.
منظومة العمل
عرفت القرية زراعة الياسمين في خمسينات القرن الماضي، عندما أسَّس الدكتور أحمد محمود فخري مصنعاً، ومنذ ذلك الحين اعتاد أهالي القرية زراعة تلك الزهرة العطرية، التي يبدأ موسم جنيها من شهر أيار (مايو) حتى شهر تشرين الأول (أكتوبر)، بحسب ما يقول الحاج سيد أبو ضياء، وهو رجل سبعيني يعمل في توريد الياسمين من الفلاحين لمصنع فخري، مقابل عمولة قيمتها 2 جنيه عن كل كيلوغرام.

وتخضع زراعة الياسمين في القرية لمنظومة يكون الفلاح فيها أقل الرابحين، إذ إن هناك ثلاثة أقسام من الفلاحين، القسم الأول يزرع أرضاً يملكها، وتكون عوائد المحصول له، أما القسم الثاني فيستأجر قطعة من الأرض، وتكون قيمة إيجار الفدان في العام نحو 60 ألف جنيه مصري (حوالي 3100 دولار أميركي)، ويجمع المستأجرون أو المالكون الياسمين بأنفسهم أو بمعاونة فلاحين آخرين يعملون باليومية، وهم الفئة الثالثة الأكثر تضرراً، حيث يكون نصيبهم من المحصول الثلثين، والثلث الباقي يذهب لمالك أو مستأجر الأرض، وفي المتوسط يكون بمقدور القروي جني نحو 3 كيلوغرامات في خلال يوم عمل، وفي هذه الحالة يكون نصيب عامل اليومية كيلوغرامين اثنين، بعد خصم نسبة الثلث.
يراوح سعر كيلوغرام الياسمين بين 38 جنيهاً و42 جنيهاً (دولاران)، ووفق هذه الحسابات يكون أجر عامل اليومية حوالي 76 جنيهاً مصرياً (4 دولارات)، وبافتراض أن الفلاح يعمل 30 يوماً في الشهر من دون أي راحة، يكون دخله الشهري نحو 2300 جنيه (117 دولاراً)، أي أقل من الحد الأدنى للأجور الذي حدّدته الحكومة المصرية بـ2700 جنيهاً (138 دولاراً)، في الوقت الذي قد يتحصل فيه المزارع على أجر مضاعف من العمل في جني محاصيل أخرى.

الشقاء والغضب
يقول المزارع محمد الشيخ (65 عاماً) إن "سعر كيلوغرام الياسمين كان 40 جنيهاً قبل أربع سنوات، أمَّا الآن فصار 38 جنيهاً، رغم كل الظروف الاقتصادية"، لافتاً إلى أن المصنع هو الرابح الوحيد، ومعه الموردون الذين يجمعون الياسمين من الفلاحين، فهؤلاء لا يكدون في الأرض ليل نهار كما هو حال الفلاح.
ويضيف لـ"النهار العربي": "أعمل في الحقل منذ الثانية عشرة منتصف الليل حتى الشروق، وأعود للعمل مجدداً من الثانية ظهراً تحت حرارة الشمس إلى الغروب، وفي كثير من الأحيان يراوح نتاج ما أجنيه خلال اليوم بين كيلوغرام واحد إلى 5.1 كيلوغرامات، ونظراً لكوني رجلاً مسناً ذا جهد محدود، فقد لا يجاوز كل دخلي خلال الشهر 1500 جنيه (77 دولاراً)".
ويطالب الشيخ بتحديد "سعر عادل" للياسمين لا يقل عن مئة جنيه للكيلوغرام، معتبراً أن "هذا السعر يرضي الجميع، ويحقق مكسباً لجميع الأطراف، أما الآن فالرابح هو المصنع، والفلاح يغرق في الشقاء".
تنقلنا وسط أشجار الياسمين، لنرى أم مجدي التي كانت تحني ظهرها لتقطف الزهور، وبهدوء وابتسامة في وجه المشقة، عبرت عن غضبها من تدني أسعار الياسمين، في ظل تزايد الضغوط المادية وحاجتها لتوفير علاج مرض السكري.

وفي حديثها لـ "النهار العربي" طالبت السيدة الريفية بتحديد "سعر عادل"، يساعد القرويين على مواجهة أعباء الحياة، لافتة إلى أن "جميع المزارعين لديهم استعداد للكد والتعب، لكن يجب أن يقابل هذا المجهود تقدير مناسب".
وتضيف أم مجدي بأسى: "رغم هذه الظروف، لا يزال الفلاحون مضطرين للعمل في جني الياسمين، كونه العمل الوحيد المتوافر لأغلب أبناء القرية".
على بعد عدة أمتار في حقل مجاور، كان مصطفى شلتوت منهمكاً في جني زهور الياسمين، وهو رجل في العقد السادس من العمر، يعمل معلماً بالأساس، ومن أجل تحسين دخله، يقضي بضع ساعات من "العمل الحلال" في جمع الياسمين، وفق تعبيره.
ويقول شلتوت إن سعر الياسمين لا يناسب شقاء الفلاحين، الذي يعملون من منتصف الليل يومياً، ولا يتوقف الأمر عند تدني السعر، لكن في أحيان كثيرة يرفض المصنع استلام الياسمين، ولا نجد من يشتريه، وفي أوقات أخرى يتم خصم نسبة من السعر قد تصل إلى 50 في المئة.

إلى جانب تدني الأسعار، يشتكي الفلاحون أيضاً من غياب دور الإرشاد الزراعي في توجيه الدعم العلمي، وصرف المبيدات، خاصة أن ثمة عفناً يضرب أشجار اللارنج، وهو شجرة مزهرة أيضاً تدخل في صناعة الزيوت العطرية، ولا يعرف المزارعون علاجاً لهذا العفن.
تعليق حكومي
من جهته يقول وكيل وزارة الزراعة في محافظة الغربية الدكتور خالد أبو شادي لـ"النهار العربي"، إن "الغربية تضم نحو 700 فدان ياسمين، وتنتج المحافظة أكثر من 60 في المئة من احتياجات الياسمين في أوروبا (حوالي 2500 طن)، وتتركز المساحة الأكبر (نحو 500 فدان) من الياسمين في قرية شبرا بلولة والقرى المحيطة بها، فضلاً عن وجود حوالي 200 فدان في مركز بسيون المجاور".
ويقدر أبو شادي جملة إنتاج الفدان بين 7 أطنان إلى 8 طوال العام، ووفق متوسط السعر المعلن (40 جنيهاً)، تكون قيمة إنتاج الفدان حوالي 300 ألف جنيه، يذهب الثلثان إلى العمالة اليومية، والثلث الباقي إلى مالك الأرض أو مستأجرها، وفي الأخير يظل دخل عامل اليومية محدوداً للغاية، لافتاً إلى أن "المزارعين مسحوقين في ظل هذه الظروف".
ويرى وكيل وزارة الزراعة في محافظة الغربية أن "الحل الناجع لعلاج هذه المشكلة يتلخص في خلق استثمارات جديدة في تصنيع الياسمين، ليس فقط للحصول على عجينة الياسمين والزيوت وتصديرها، لكن أيضاً لتصنيع العطور العالمية محلياً، لتعظيم قيمة الإنتاج المحلي، وهو ما سينعكس بالضرورة على أسعار محصول الياسمين".
احتكار وعمالة أطفال
وعن احتكار صناعة الياسمين لصالح مصنع واحد في قرية شبرا بلولة، يقول مسؤول حكومي بارز - طلب حجب هويته - إن "هناك 3 مصانع في مصر لتصنيع الياسمين، الأكبر في قرية شبرا بلولة، ومصنع آخر في قرية كُنيسة دمشيت، وثالث في مدينة طوخ بمحافظة القليوبية".
وعن احتكار الصناعة في قرية شبرا بلولة، أوضح المسؤول الحكومي لـ"النهار العربي" أن "مركز قطور كان يوجد به قديماً مصنع الخلاصات للزيوت العطرية، وهو شركة قطاع عام، تتبع شركة السكر والتقطير المصرية التي حلت محلها شركة السكر للصناعات التكاملية، وتم إغلاق هذا المصنع في التسعينات، وقبل عملية الإغلاق كان ثمة منافسة تخلق حالة توازن بين القطاعين العام والخاص، أما الآن، فهناك حالة احتكار مطلقة لصالح مصنع يملكه حسين فخري".

وأضاف المزارع الذي فضل عدم ذكر اسمه: "حتى الجرادل البلاستيك التي يعتاد الفلاحون جمع الياسمين فيها، يطلب منا استبدالها أثناء الزيارات بأخرى مصنوعة من البامبو، لمجرد أن مظهرها أكثر رقياً أمام الكاميرا والزوار".
ممنوع الدخول والتصوير
توجهنا إلى مصنع الياسمين الضخم في القرية. كان الموردون يصطفون بسيارات محملة بالياسمين أمام بوابته العملاقة، وبمجرد التعريف بهويتنا الصحافية أخبرنا أحد الإداريين أنه "ممنوع الدخول أو التصوير" وفقاً لأوامر صاحب المصنع. طلبنا منه أي وسيلة اتصال، وطرحنا أسئلة عن الاحتكار وعمالة الأطفال، إلا أننا لم نتلقَ أي إجابة.
لكن في حديث لمالك المصنع حسين فخري لهيئة الإذاعة البريطانية ("بي بي سي")، أرجع سبب تدني أسعار الياسمين إلى ارتفاع تكلفة الإنتاج قائلاً: "أحتاج طناً واحداً من الأزهار - حوالي ستة ملايين زهرة - لإنتاج حوالي 2.6 أو 2.7 كلغ من عجينة الياسمين، وتنتج هذه العجينة كيلوغراماً واحداً من زيت الياسمين".
وفي حديث آخر لـ"المونيتور" في كانون الثاني (يناير) الفائت، قال فخري إنه يشتري طن الياسمين بحوالي 12 ألف جنيه (625 دولاراً)، ويستخرج منه بين كيلوغرامين اثنين إلى ثلاثة كيلوغرامات عجينة ياسمين، و"يتم تصدير الكيلوغرام الواحد بحوالي 288 ألف جنيه (15 ألف دولار)".
ووفق بعض التقديرات، تصل صادرات الياسمين من مصر إلى 6.5 ملايين دولار سنوياً، ورغم هذه الأرباح الكبيرة، لا يزال الفلاحون يعانون من تدني دخولهم، التي تقل عن الحد الأدنى للأجور، وهو ما يحتاج إلى تدخل عاجل من الدولة، يحمي ويصون الحقوق المهدرة، ويحقق في مدى صحة اتهامات احتكار الصناعة.
نبض