21-02-2022 | 15:57

لُغز خُطَب النّبي محمّد ليوم الجمعة... ما مصيرها؟

مع أن التساؤل الأساسي تردد من قبل، وهو: لماذا لم تحفظ خطب الجمعة أو تُدوّن مثلما دونّت آلاف الأحاديث النبوية وبعض الخطب الأخرى؟ إلا أن الإجابة، حتى الآن، لم تكن حاسمة في ما يبدو.
لُغز خُطَب النّبي محمّد ليوم الجمعة... ما مصيرها؟
Smaller Bigger

طرح كاتب وصحافي مصري تساؤلات مثيرة بشأن مصير خطب النبي محمد ليوم الجمعة. وتشير التقديرات إلى أن عدد تلك الخطب يتجاوز 500 خطبة، ألقاها النبي كل يوم جمعة، على مدار 10 سنوات من هجرته والمسلمين إلى المدينة المنورة.

 

ومع أن التساؤل الأساسي تردد من قبل، وهو: لماذا لم تُحفظ خطب الجمعة أو تدوّن مثلما دوّنت آلاف الأحاديث النبوية وبعض الخطب الأخرى؟ إلا أن الإجابة، حتى الآن، لم تكن حاسمة في ما يبدو.

 

العديد من رجال الدين والدعاة الإسلاميين يؤكدون أن خطب النبي ليوم الجمعة لم تجمع من قبل، لافتين إلى صعوبة حفظ الصحابة لخطب طويلة، في حين أن البعض الآخر يعتقد أنها جاءت متفرقة ضمن الأحاديث التي قام بتدوينها جامعو الأحاديث.

 

ونشر مدير "المعهد الكندي للإسلام الإنساني" الكاتب سعيد شعيب، أخيراً، حلقة خاصة حول الموضوع، في برنامجه "مع شعيب" على قناته في "يوتيوب"، أكد خلالها أنه لا أحد يعلم لماذا لم تدوّن تلك الخطب المهمة، سوى خطبة واحدة وعدة مقتطفات، في حين أنه تم الاهتمام بتدوين كل صغيرة وكبيرة يفعلها النبي أو يقولها، حتى الأمور المتعلقة بحياته الخاصة، وسلوكياته الشخصية.

 

ومن ناحيته، يؤكد الباحث في الفكر الإسلامي والمتخصص في التراث وشؤون الأزهر محمد أبو العيون، في حديثه لـ"النهار العربي" أن لديه دلائل عدة تؤكد أن خطب النبي ليوم الجمعة، تم جمعها بالفعل.

 

 

إجابات "تخمينية"

لكنّ شعيب ليس مقتنعاً بذلك، ويتحدث لـ"النهار العربي" عن سبب إعادته طرح التساؤل المثير للجدل: "لم يعطِ أحد إجابة علمية أو منطقية شافية، كلها كانت إجابات تخمينية، ولا يوجد دليل علمي أو منطقي على صحتها".

 

ويرى أنه "يجب ألا تترك الإجابة عن تلك التساؤلات لرجال الدين، بل يجب أن يعمل عليها المتخصصون من علماء الآثار، والباحثون في مجال المخطوطات، حتى نتمكن من الحصول على إجابات علمية حقيقية، وليس تخمينات".

 

وتساءل شعيب: "لماذا لا يتم السماح للأثريين بالتنقيب في الأماكن التي عاش بها المسلمون الأوائل، ولماذا لا يسمح بالبحث عن المخطوطات الأصلية والصخور والعظام التي دوّن عليها الصحابة في الحقبة الأولى للدين الإسلامي؟".

 

"ثقب أسود"

 ويري الصحافي الذي شغل منصب مدير تحرير صحيفة "اليوم السابع" قبل سفره إلى كندا وتأسيسه "المعهد الكندي للإسلام الإنساني" أن "معلوماتنا عن الفترة الأولى من الدعوة الإسلامية، والتي تمتد ما بين مئة ومئة وخمسين عاماً، تشبه الثقب الأسود (بالفضاء). إنها فترة مبهمة ومظلمة، لا نعرف عنها شيئاً يقينياً، كل ما وصلنا جاء من الحكايات والمرويات، وليس من مخطوطات أو آثار مادية، يمكن العمل عليها بشكل علمي".

 

ويضيف: "لدي قناعة بأن الكثير من الأحداث والأخبار التي وصلتنا قد وقعت بالفعل، لكنها لم تكن على النحو الذي وصلتنا به. لا توجد مخطوطات أو وثائق أصلية للكثير من الكتب التي تعد مراجع لهذه الفترة، على سبيل المثال لا الحصر، ولا توجد مخطوطة أصلية لكتاب البخاري".

 

ويعتبر شعيب أن "تدوين خطبة الجمعة، التي كان النبي يلقيها لتعليم المسلمين شؤون دينهم، ومن ثم إيصالها للمسلمين، هي أولى من بعض الأحاديث التي تتناول أموراً وسلوكيات في الحياة اليومية للنبي، قد لا يريد أن يبلغها للمسلمين، ولا نعرف كيف كان الصحابة يرونها أو يعرفون بها، مثل أن النبي كان يطوف على نسائه بغسل واحد".

 

"أدلة التدوين"

يقول أبو العيون: "لقد بحثت كثيراً عن إجابة هذا السؤال، ووجدت أن خطب الجمعة التي ألقاها النبي (صلى الله عليه وسلم)، نقلت إلينا متفرقة على هيئة تشريعات ووصايا وأوامر ونواهٍ، ولم تنقل إلينا من طريق النقل النصي المؤرخ ليوم الخطبة ومدتها الزمنية ونصها من البداية إلى النهاية".

 

ويرى أبو العيون، وهو من خريجي جامعة الأزهر، أن "هناك أدلة عدة تؤكد أن تلك الخطب وصلت إلينا كاملة، أوّلها أن النبي (صلى الله عليه وسلم)، كان يُعلم الناس - وهو على منبره - أمور دينهم وينقل إليهم ما فرض عليهم، وبالتالي فالقول بأن خطب الجمعة التي ألقاها لم تُنقل إلينا يعني أن الدين وصل إلينا غير مكتمل، والله تعالى ينفي هذا بقوله: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا» (المائدة: 3)".

 

والدليل الثاني، حسب وجهة نظر الباحث هو أن "كثراً من الصحابة - وبخاصة صغار السن منهم - كانوا حريصين على تدوين كل ما يقوله النبي (صلى الله عليه وسلم)، ومن هذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده، وغيره، أن عبدالله بن عمرو بن العاص، قال: (كنتُ أَكْتبُ كلَّ شيءٍ أسمعُهُ مِن رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ، أريدُ حفظَهُ فنَهَتني قُرَيْشٌ عن ذلِكَ وقالوا: تَكْتُبُ ورسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ في الغضَبِ والرِّضا فأمسَكْتُ حتَّى ذَكَرتُ ذلِكَ لرَسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ: اكتُب فوالَّذي نَفسي بيدِهِ ما خرجَ منهُ إلَّا حقٌّ)".

 

ويضيف أبو العيون "الدليل الثالث أن أول خطبة جمعة ألقاها النبي (صلى الله عليه وسلم) في مسجد قباء بديار بني سالم بن عمرو بن عوف، محفوظة ونقلت إلينا كاملة، فإذا كان الرواة حفظوا هذه الخطبة في وقت كانوا شبه مشردين، ولم يستقروا بعد بالمدينة المنورة، فحُفْظُ ما بعدها من خطب الجمعة أوْلى وأيسر لأنهم استقروا وباتت المدينة لهم حصناً منيعاً ووطناً يأمنون فيه على أنفسهم".

 

ويواصل الباحث سرد حججه قائلاً: "الدليل الرابع أن الخطب التي ألقاها النبي (صلى الله عليه وسلم) في غزوة بدر، وعند غدير خم، وفي حجة الوداع، وغيرها، جميع هذه الخطب نقلت إلينا بنصها، وهذا يؤكد أن الصحابة لم يُغفلوا نقل كل خطبه".

 

ويختتم أبو العيون: "الدليل الخامس أن لدينا الكثير من المؤرخين وعلماء الحديث والباحثين كتبوا مؤلفات خاصة بالخطب النبوية، وجميع هذه المؤلفات أعيد طبعها وموجودة الآن".

 

عناوين كتب

ونشر بعض الدعاة والمواقع الإسلامية والعربية، ومن بينهم موقع الشيخ محمد صالح المنجد قائمة تضم أكثر من 20 اسماً لكتب قالوا إنها تضم خطب النبي، إلا أن أياً منها لا يختص بخطب الجمعة، والتي يكفي عددها، إن صحت التقديرات المنشورة في الأبحاث والدراسات، لإصدار مؤلف خاص بها، وتمتد المدد الزمنية للكتب التي نشرت تلك المواقع أسماءها من العام 224 إلى 1420 هجرياً.

 

وحاول "النهار العربي" البحث عن عدد من أقدم تلك الكتب، على الإنترنت، وفي مكتبة إلكترونية اسمها "الشاملة"، وهي مكتبة أسسها مهتمون بالكتب التراثية من أنصار التيار السلفي، فلم نجد نسخاً لأي منها، لكن الكتب الأحدث تأليفاً وصدوراً، بعضها موجود على الإنترنت بصيغة "بي دي أف".

 

وتشير مقدمة أحد تلك الكتب، وهو تحت عنوان "إتحاف الأنام بخُطب رسول الإسلام"، لمحمد بن خليل الخطيب، المدرس بالأزهر، والتي صدرت في العام 1373 هجرياً (1954 ميلادياً) أن الباحث لم يجد مؤلفاً واحداً يضم تلك الخطب، وهو تعليق لافت للانتباه، لأنه يبدو متعارضاً مع ما نشرته المواقع الإسلامية والشيخ المنجد، عن وجود كتب تراثية تضم تلك الخطب، كما أن المدرس بالأزهر قال إنه اضطر للاستعانة بأحاديث متفرقة لاستكمال مؤلفه.

 

ويقول الخطيب في مقدمة كتابه: " لم أجد مَن تعرض لجمع خطبه (أي النبي) الجامعة والمفيدة، فجمعتها في سنين عدة، وقد أذكر فيها أحاديث توفية للمقام، ووصايا نميت إليه أو إلى بعض أصحابه الكرام، وهي في حكم المرفوعة إليه عليه الصلاة والسلام".

 
من مقدمة كتاب "إتحاف الأنام بخُطب رسول الإسلام"، لمحمد بن خليل الخطيب

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.