قد تكون المواجهات الحالية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع بمثابة نقطة التحوّل الأكثر خطورة في الصراع الدائر منذ أكثر من 6 أشهر في السودان، وذلك مع السقوط المتتالي لمدن دارفور غربي البلاد بيد "الدعم"، لتتجّه الأنظار إلى آخر معاقل القوات المسلّحة في الإقليم، فيما تعيش الولايات المجاورة حالة ترقّب للمرحلة التالية.
"الدعم السريع" يسيطر على مدن جديدة
بعد أيام قليلة على إعلان "الدعم السريع" سيطرتها على نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، باتت مدينة زالنجي، عاصمة وسط دارفور، في قبضتها، حيث نشرت القوات مقطعاً مصوراً عبر منصّاتها الرسمية في مواقع التواصل الاجتماعي، يُظهر القائد الثاني عبد الرحيم دقلو أمام الفرقة 21، وهي مقرّ قيادة الجيش في زالنجي. وأعلنت كذلك عن تحرك قواتها نحو الجنينة غرب الإقليم والضعين شرقاً.

ودعا قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، "النازحين من سكان دارفور خارج البلاد، وبخاصة في تشاد، للعودة إلى منازلهم". وفي خطاب مصور لمناسبة تخريج دفعة من مقاتلي "الدعم"، أشار إلى أنّ "الحركات المسلّحة احتفلت مع الدعم السريع في نيالا، الفاشر، وندعوها لحفظ الأمن مع قواتنا في مناطق سيطرتها". كما دعا سكان المدن تحت سيطرة قواته "إلى اختيار إدارات مدنية، باستثناء أفراد حزب المؤتمر الوطني السابق، الذي كان يقوده الرئيس السابق عمر البشير".
الفاشر في دائرة النار
وعلى وقع المواجهات في الوسط والغرب من دارفور، تتجّه الأنظار نحو مدينة الفاشر، عاصمة شمال الإقليم. وأفادت مصادر ميدانية لـ"النهار العربي" عن تعزيزات لقوات الدعم ومقاتلي القبائل الموالية لهم، وهم يقتربون من مداخل المدينة. وفي هذا السياق، حذّرت وزارة الخارجية الأميركية في بيان الخميس، من وقوع هجوم قريب يستهدف الفاشر. وأكّد البيان أنّ هذا الهجوم "سيعرّض المدنيين للخطر، بما في ذلك مئات الآلاف من النازحين الذين هربوا أخيراً إلى الفاشر من مناطق أخرى".
وتشير المصادر الميدانية إلى أنّ مدينة الفاشر تُعتبر الأكثر أماناً بين مناطق إقليم دارفور، حيث يُعزى ذلك إلى وجود اتفاق للتهدئة تمّ التوصل إليه في حزيران (يونيو) الماضي بوساطة محلية وقبلية، وبرعاية والي شمال دارفور نمر محمد عبد الرحمن، وهو ما سمح للعديد من العائلات النازحة من وسط وجنوب وغرب الإقليم بالتوجّه شمالاً والاستقرار في المدينة التي كانت تضمّ في الأصل مخيمات للهاربين من الاقتتال القبلي في العقدين الماضيين.
ومع ذلك، وفقاً للمصادر ذاتها ، فإنّ هذا الاتفاق لم يعد يؤمّن الاستقرار مع تمدّد قوات الدعم السريع ومحاولاتها الاستيلاء على أحد آخر معاقل الجيش في المنطقة. وبينما يتركّز نشاط الدعم السريع بشكل أساسي في ولاية شرق دارفور، إلاّ أنّه غرباً وتحديداً في منطقة أردمتا في الجنينة فإنّ الأوضاع لا تقلّ تعقيداً، حيث تتعرّض الفرقة 15 التابعة للجيش لحصار محكم منذ وقت طويل، وهذا ما تؤكّده المصادر الميدانية.

ترقّب يحيط بكردفان
وفيما يشتد القتال في دارفور، يعيش سكان إقليم كردفان المجاور حالةً من الترقّب، إذ تجدّدت الاشتباكات في مدينة الأبيض شمال إقليم كردفان، حيث انتشر مقاتلو الدعم السريع جنوباً في حقل بليلة النفطي والمطار المجاور، وذلك في ولاية غرب كردفان، قبل أن تتمكن القوات الحكومية من استعادة هذه المواقع التي تعرّضت لأضرار، سواء كان في المطار أو في مقار الشركات النفطية العاملة في المنطقة.
وتُعدّ هذه المرّة الأولى التي يصل فيها القتال إلى هذه المواقع التي تُعتبر طرق إمداد تقود إلى دارفور. كما تكتسب السيطرة على حقل بليلة أهمية قصوى، نظراً لكونه أحد أهم مصادر النفط التي يعتمد عليها السودان لتأمين المشتقات النفطية، ومنه تنطلق خطوط النقل إلى المصفاة الرئيسية شمال الخرطوم.

إدارة ذاتية أم حرب أهلية؟
يثير توسع الدعم السريع في دارفور جملة من الأسئلة حيال الخطة التي يسعى لها الفصيل العسكري، لاسيما أنّها تأتي بالتزامن مع استمرار جولات المفاوضات في جدة بوساطة سعودية - أميركية. ويعتبر الكاتب والباحث عبد الغني المبارك، أنّ السقوط المتتالي لمدن الأقليم يشكّل سابقة خلال الحرب السودانية. فعلى الرغم من الاشتباكات المتواصلة، إلاّ أنّ أي مدينة لم تقع بالكامل في قبضة أحد الطرفين، وفق تعبيره.
ويقول المبارك لـ"النهار العربي": "لا أجد تفسيراً منطقياً أكثر من أنّ ما يحصل هو تقاسم ضمني لمواقع النفوذ، ولن أستغرب في الأيام المقبلة انسحاب الدعم السريع من الخرطوم بطريقة يعود معها الجيش إلى العاصمة الأساسية. أما حميدتي، فقد كسب إقليماً بمساحة هائلة من الثروات والموارد والارتباط مع دول الجوار". ويتوقع الباحث أن يحظى إقليم دارفور بوضع مشابه لإقليم كردستان العراق "حيث يخضع لإدارة ذاتية وحكومة وبرلمان وشرطة محلية، مستفيداً من موارد النفط والثروة الحيوانية والزراعة، مع المشاركة في الحكم القومي ضمن الخرطوم والارتباط الرسمي لجهة المطارات والمعابر الحدودية" .
بدوره، يرى الناشط محمد الفحيص أنّ خسارة مدن إقليم دارفور كانت نتيجة طبيعية لسلسلة الأحداث التي جرت في الأشهر الماضية. فتركيز الجيش كان على نقاط محدّدة في الخرطوم، فيما كان الإقليم بمثابة الخاصرة الرخوة. ويضيف الفحيص لـ"النهار العربي"، أنّ "سيطرة الدعم السريع اليوم هي بحكم الأمر الواقع، ومهما يكن مصير المفاوضات في جدة، فإنّ ورقةً في غاية الأهمية باتت في يد محمد حمدان دقلو، ولكنها محفوفة بخطر الاقتتال القبلي. فالقبائل الأفريقية تستمد دعماً بفضل السلاح الآتي من تشاد وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان، وبالتالي هناك خطر لحرب أهلية جديدة شبيهة بمجازر الهوتو والتوتسي في رواندا في التسعينات من القرن الماضي".
لكن الناشط المتحدّر من نيالا جنوب دارفور يشكّك في قدرة الدعم السريع على إدارة الإقليم "ما لم يعمد إلى تشكيل حكومة أهلية موسّعة تضمّ عناصر الحركات المسلّحة والمدنيين، بغض النظر عن الانتماء القبلي. أما الاستفراد بالحكم الأسري، فسيكرّر أحداث عام 2003 بصورة أكثر بشاعة، وهو ما يبدو متوقعاً".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
كتاب النهار
6/22/2026 5:30:00 AM
إنّي، بنبرةٍ قاسيةٍ غير مسبوقة، أدعو رئيس الجمهوريّة ورئيس الحكومة والحكومة ورئيس مجلس النوّاب والنوّاب إلى التقدّم من الأمم المتّحدة ومجلس الأمن الدوليّ بطلب تحييد لبنان
النهار تتحقق
6/23/2026 9:29:00 AM
بدا الرئيس الأميركي دونالد ترامب رافع الرأس بفخر. وكُتب على صورته Thanks USA، اي شكراً الولايات المتحدة الأميركية.
موضة وجمال
6/23/2026 12:27:00 PM
بين الأنوثة والفخامة العصريّة
رياضة
6/22/2026 5:52:00 AM
حققت مصر فوزها الأول في تاريخ مشاركاتها في كأس العالم، وجاء على نيوزيلندا 3-1، ما وضعها على مشارف التأهل إلى دور الـ32 لكأس العالم 2026، وسط تألق نجمه محمد صلاح
نبض