30-09-2023 | 05:55

قصّة ماريان في قرية أبو صير... سيدة كندية عشقت "لذة وجنون" مصر

ارتباط السيدة الكندية بمصر ليس جديداً، والحكايات لا تنضب عن عشق الأجانب لهذه البلاد، لكن المدهش في قصّة ماريان، أنها تفهم جيداً طبيعة هذا المكان، وتعقيدات الحياة فيه، وتعيش بين أهله في ألفة لافتة لأكثر من ثلاثين عاماً، كأنها ابنته بالولادة.
قصّة ماريان في قرية أبو صير... سيدة كندية عشقت "لذة وجنون" مصر
Smaller Bigger

وسط حقول قرية أبو صير في محافظة الجيزة، صنعت ماريان قباني عالمها الذي حلمت به طويلاً: منزل ريفي تعيش فيه رفقة حيواناتها الأليفة. وإلى جانب هذه الحياة الهادئة، تدير عيادة بيطرية لرعاية حيوانات وطيور فلاحي القرية مجاناً.

 

ارتباط السيدة الكندية بمصر ليس جديداً، والحكايات لا تنضب عن عشق الأجانب لهذه البلاد، لكن المدهش في قصّة ماريان، أنها تفهم جيداً طبيعة هذا المكان، وتعقيدات الحياة فيه، وتعيش بين أهله في ألفة لافتة لأكثر من ثلاثين عاماً، كأنها ابنته بالولادة.

 

بين الجنون واللذة

في حديثها لـ"النهار العربي" لم تخفِ ماريان ولعها بمصر منذ زيارتها الأولى قبل نحو خمسين عاماً رفقة زوجها المصري السوداني، إذ تقول: "شعرت للوهلة الأولى أن هذا البلد لذيذ ومجنون".

 

وتضيف: "اليوم أصبحت حياتي هنا في مصر، ولا أريد سوى العيش فيها حتى آخر يوم في عمري".

 

تحكي السيدة السبعينية عن بداية معرفتها بمصر، وهي في عمر 10 سنوات، كانت حينها تطالع كتباً ألّفها علماء آثار يعملون هنا، وفي المرحلة الجامعية درست فصلاً عن الآثار المصرية واليونانية، وتقول: "كانت مصر موجودة في عقلي طوال الوقت".

 

توطدت علاقة ماريان بمصر عندما تعرفت إلى زوجها في كندا، ثم أتت معه عام 1977. في ذلك الحين، شعرت ماري - كما يناديها أصدقاؤها - أنّ مصر تشبه المكسيك، التي تحبها للغاية، إذ إنها عاشت طفولتها في ولاية كاليفورنيا الأميركية، بالقرب من حدود المكسيك.

 

تشرح: "ما يميز مصر أنّ لديها روحاً. في الدول المتقدمة يوضع كل شيء في مكانه الصحيح، ربما لا يحدث ذلك في مصر، وقد يكون كل شيء فيها غير منضبط، لكن الأمور تمضي في طريقها في نهاية المطاف لأن مصر تمتلك روحاً خاصة، في المقابل لا تجد مثل هذه الروح في الولايات المتحدة".

 

لا تريد ماريان سوى العيش في مزرعتها حتى نهاية العمر

 

حياة الريف

بعد 7 سنوات من الزيارة الأولى، استقرت ماريان مع زوجها في أرض النيل التي ربطته بها أعمال تجارية. في بادئ الأمر، استقر الزوجان في الإسكندرية لمدة خمس سنوات، قبل انتقالهما إلى حي المعادي في القاهرة، وبعد 11 عاماً من السكن في الحي القاهري العريق، قررت ماري تحقيق حلمها القديم.

 

تقول: "أحب حياة الريف التي ارتبطت بها منذ طفولتي التي عشتها في الولايات المتحدة، فلا أحب الحياة العصرية، وارتياد المطاعم، وزحام السيارات، والضوضاء، لذا قررت بيع بيتي في كندا، وأجّرت بيت المعادي، وانتقلت إلى هنا في منطقة أبو صير في الجيزة".

 

في مطلع التسعينات، عرفت ماري أبو صير قبل الانتقال إليها، إذ اعتادت ركوب الخيل في هذه المنطقة، وربطتها علاقة مودة مع عمدة القرية وبعض سكانها. وبدافع من الفضول نحو معرفة طبيعة الحياة الريفية في مصر، كانت دائماً ما تتحدث إلى الفلاحين بشأن كيفية زراعة المحاصيل وبيعها.

 

بعد بيع بيتها في كندا، اشترت ماريان قطعة أرض بمساحة ثلاثة أفدنة في أبو صير، أسست فيها مزرعة تضم حيوانات من كل نوع. لديها الآن اثنا عشر كلباً، وخيول، وماعز، وأبقار، وجاموس، وطيور، مثل البط، والدجاج. تمنح ماري كل حيوان اسماً، وغالباً ما تدور بشأنه قصة تحكيها لزوارها بشغف.

 

تعيش ماريان رفقة حيواناتها الأليفة في قرية أبو صير

 

رعاية الحيوانات

قبل عام 2011، كانت ماريان قباني تنظم جولات سياحية على ظهر الخيل في ريف منطقة سقارة، تقول: "كنا نتجول مع السياح داخل القرى ليروا عن قرب حياة السكان المحليين، وطبيعة المهن التي يعملون بها، وكان السياح حينها سعداء للغاية بمثل هذه الجولات".

 

وتتابع: "بعد ثورة كانون الثاني (يناير) عام 2011 تأثرت السياحة للغاية، وتوقف العمل تقريباً، لذا قررت القيام بجهود تطوعية في قرية أبو صير، تستهدف رعاية حيوانات وطيور الفلاحين، فضلاً عن التوعية بالطرق الصحيحة للتعامل معها".

 

في كل يوم ثلثاء تنتقل العيادة الطبية إلى واحد من ثلاثة أماكن داخل قرية أبو صير، اختارتها ماريان لتكون مركز العيادة الطبية، التي يديرها أطباء بيطريون ومساعدون لهم، وتتكلف أدوية العيادة شهرياً بين 8 آلاف جنيه (260 دولاراً) إلى 10 آلاف جنيه (325 دولاراً).

 

ماريان تقوم بتسجيل الحيوانات المريضة

 

في العيادة المتنقلة، تنحصر مهمة ماري في معاينة الحيوانات المريضة أو المصابة وتسجيلها باسم ملاكها من الفلاحين في سجل العيادة، ثم يعرض الفلاح الحيوان على الطبيب البيطري.

 

تقول ماريان: "نساعد الفلاحين في تقديم أدوية الديدان للحيوانات، ومداواة الجروح، إلى جانب توعية الفلاحين بطريقة التعامل الصحيحة مع الحيوانات".

 

رافق "النهار العربي" ماريان وعيادتها، وكان من اللافت علاقة الألفة التي تجمعها بالفلاحين. تعرف الكثير منهم بالإسم، وتعرف أسماء العائلات، وتربطها بالجميع علاقات تعاون وتجارة، وفي الأخير تتكلل هذه العلاقة بخدمة مجانية تقدمها السيدة الكندية، تستهدف رعاية حيواناتهم.

 

الآن، تستقبل ماريان قباني في بيتها الضيوف الراغبين في قضاء يوم ريفي، يستمتعون فيه بأجواء وديعة في أحضان الطبيعة، وهو نشاط مدفوع تلفت ماريان إلى أنه ضروري لمواجهة أعباء الحياة.

 

وتختتم السيدة التي تملّكتها محبة أرض النيل حديثها قائلة: "الآن لا أريد السفر إلى أي مكان، سواء إلى أبنائي المقيمين في أميركا وإنكلترا، أو إلى أي مكان آخر خارج العزبة". تقولها بلهجة مصرية "مكسرة"، لكنها محببة: "حياتي هنا، أنا عايز حاجة واحدة في حياتي، أنا عايز أعيش هنا لغاية أنا يموت".

 

الأكثر قراءة

لبنان 4/1/2026 2:57:00 PM
الجيش الإسرائيلي: مصدر آخر تم استهدافه هو شبكة الصرافين التي تُعد المصدر المالي الرئيسي والأهم لهذه المنظمة
لبنان 4/1/2026 1:05:00 PM
شهدت منطقة الجناح في بيروت قصفاً إسرائيلياً عنيفاً 
لبنان 4/1/2026 2:48:00 PM
إخبار أمام النيابة العامّة التمييزية ضد السفير الإيراني محمد رضا شيباني