27-07-2023 | 05:45

بصمة صقلية على العمارة المملوكيّة... كيف وصلت مصر؟

إذا تجولت اليوم في شوارع القاهرة العتيقة، ربما تبهرك الجماليات المعمارية لمئذنة أحد المساجد، وللمفارقة قد تتبع هذه المئذنة الآسرة نمطاً معمارياً لبرج كاتدرائية شُيّدت في صقلية قبل قرون عدة.
بصمة صقلية على العمارة المملوكيّة... كيف وصلت مصر؟
Smaller Bigger

في خضم الصراع الحضاري الممتد الذي شهده حوض البحر المتوسط في القرون الوسطى، ازدهرت دولٌ، وتهدمت أخرى، وبقيت القصور ودور العبادة وبنايات عدة تشهد على ما كان.

 

وبالنظر إلى وقائع التاريخ من زاوية الزخارف والأنماط المعمارية، تتولد الحكايات التي تستدعي قصص اشتغال مهندسين وصنّاع أجانب في مصر، جاؤوا من صقلية، والأندلس، وشمال أفريقيا، وبلدان شتى، فتركت أياديهم بصمة على البنايات لم يمحها الزمن الطويل.

 

فإذا تجولت اليوم في شوارع القاهرة العتيقة، ربما تبهرك الجماليات المعمارية لمئذنة أحد المساجد، وللمفارقة قد تتبع هذه المئذنة الآسرة نمطاً معمارياً لبرج كاتدرائية شُيّدت في صقلية قبل قرون عدة.

 

هذا التشابه ليس وليد الصدفة بأي حال، فهو نتاج تفاعل إنساني وتأثير متبادل بين حضارات حيّة، عندما كان حوض المتوسط بمثابة ساحة صراع إقليمية. فمن جهة، سيّر الغرب المسيحي حملات عسكرية صوب المشرق، وفي اتجاه آخر، خاضت جيوش المسلمين معارك كر وفرّ، ساعية للنفاذ داخل العمق الأوروبي، انطلاقاً من "الأندلس" التي فقدتها بعد حين.

 

ورغم القتال المشتعل بين شعوب المتوسط آنذاك، لم يخل الأمر أيضاً من تفاعل سلمي، والتشارك في الإبداع ذاته. ومن أنماط هذا التفاعل الحضاري، البصمة المنسية التي تركتها العمارة الصقلية على المنشآت المملوكية في مدينة القاهرة. لكن كيف جاء التأثير الصقلي إلى مصر؟ وما أبرز ملامحه وسماته؟

 

يضم شارع المعز لدين الله الفاطمي منشآت مملوكية فريدة

 

جهود بحثية

تستدعي الإجابة عن هذه التساؤلات العروج إلى دراستين أعدّتهما الدكتورة دوريس أبو سيف، وهي أستاذة متفرغة بكرسي الفنون والآثار الإسلامية في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية، جامعة لندن، نقل إحداهما إلى العربية وليد عاكف، باحث الدكتوراه في جامعة هارفرد في الولايات المتحدة.

 

جاءت الدراسة الأولى تحت عنوان "صقلية: الحلقة المفقودة في تطور عمارة القاهرة"، ونُشرت عام 1995، إلا أنّ أبو سيف تقول في تصريحات خاصة لـ"النهار العربي" إنّ الدراسة الأولى مر عليها وقت طويل، وكانت بحاجة للمراجعة.

 

وانطلاقاً من ذلك، أعدّت دراسة جديدة نسبياً في هذا الصدد، نُشرت في عام 2018 عنونتها "المجمع الجنائزي للسلطان قلاوون (1284 - 1285)". وترى الأكاديمية المصرية أن ثمة تفاعلاً متبادلاً بين صقلية ومصر، إذ إن التأثيرات لا تمضي في اتجاه واحد فقط.

 

يشار إلى أنّ علاقة صقلية بالعالم العربي كانت وثيقة للغاية في تلك الآونة، إذ شهدت الجزيرة محاولات عربية عديدة للسيطرة عليها، انتهت بإعلانها إمارة إسلامية في الفترة بين أعوام 965 ميلادية حتى 1072، وتناوب على حكمها الأغالبة، والفاطميون، من تونس ومصر.

 

وفي القرن الحادي عشر تفكك الحكم الإسلامي، واحتل النورمان المسيحيون صقلية، وفي القرن الثالث عشر انتهى الوجود العربي في الجزيرة بالكامل، لكن "رغم محاولات صبغ صقلية بهوية لاتينية، لم يستطع النورمان مقاومة انبهارهم بالجمالية الإسلامية، التي أدرجوها في حقل العمارة وزخارفها" على ما تقول أبو سيف.

 

"واستمر النورمان في توظيف النقوش العربية على المباني والتحف المنقولة. وفي عمارة القصور يظهر تبنّي الطراز العربي الخالص، ورغم سيادة التقاليد المسيحية في العمارة الدينية، إلا أنها لم تفلت من تأثير الطراز العربي، الذي اختلط بعناصر بيزنطية ولاتينية".

 

الدكتورة دوريس أبو سيف

 

بصمة صقلية

تأثرت العمارة الصقلية بالنمط الإسلامي طويلاً، لكنها في المقابل تركت بصمة لا تنسى على بنايات عدة في القاهرة، ولا سيما مجموعة السلطان المنصور قلاوون الموجودة في شارع المعز لدين الله الفاطمي، حيث بنيت المجموعة بين عامي 1284 و1285، وتضم مسجداً، ومدرسة، وقبة دفن، وبيمارستان (مستشفى) لعلاج المرضى.

 

يُعزى إنشاء مجموعة قلاوون إلى السلطان المملوكي قلاوون الصالحي، ووزيره سنجر الشجاعي، لكن تأثير صقلية النورمانية يتبدى في المجموعة بصورة لافتة، إذ تؤكد السمات المعمارية أنّ ثمَّة أياديَ صقلية كانت وراء هذا البناء المذهل، حسب ما تعتقد أبو سيف.

 

المصادر المملوكية من جانبها لا تشير إلى مساهمة أجنبية في البناء الضخم، إلا أنّ مصادر معاصرة تلفت إلى أنّ الأسرى المغول سُخّروا في عمليات الإنشاء المملوكية عامةً. وإنّ صحّت هذه الإشارة، فقد يُفتح الباب واسعاً أمام احتمالية مشاركة عناصر أجنبية أخرى.

 

مئذنة قلاوون تشبه برج كاتدرائية باليرمو

 

وتكشف مجموعة قلاوون عن التأثيرات الصقلية بوضوح، فالناظر إلى مئذنة قلاوون الضخمة المستطيلة الشكل يجدها مميزة عمّا حولها من مآذن، حيث تزدان بعقدٍ في كل جانب من جوانبها، وطبقة من طبقاتها، إذ تحمل بعض الشبه بأبراج كاتدرائية مونريالي في مدينة باليرمو في صقلية.

 

واجهة المجموعة أيضاً تقول الكثير، حيث اشتملت الدخلات على عقود مدببة وصنجات مزدوجة، وتنظيم الدخلات على هيئة صف، وهي تقنيات معمارية استخدمت في واجهة كاتدرائية باليرمو في صقلية أيضاً، قبل خضوعها للتجديد في القرن الثامن عشر، كما أنّ الاستخدام المكثف للأعمدة والعقود كزخرفة للواجهة كان غير مسبوق في القاهرة، ولكنه شائع في العمارة النورمانية.

 

نقش من القرن الـ18 يبين واجهة كاتدرائية باليرمو

 

أحد أوجه التأثيرات المدهشة للعمارة الصقلية، الزخرفة بالفسيفساء الرخامية في مجموعة قلاوون، إذ لم يُعثر على أي دليل سابق إلى استخدام هذه التقنية في الشام أو مصر.

 

وتشير أبو سيف إلى أنه من المهم نَسب محراب بيبرس في دمشق - المصمم بالتقنية نفسها - إلى تجديدات من عهد السلطان قلاوون.

 

كما تلفت أبو سيف إلى ضرورة الأخذ في الاعتبار أنّ "المتشابهات التي حملتها مجموعة قلاوون من العمارة النورمانية لم تتبع أنموذجاً موحداً، أو مفهوماً معمارياً بعينه، بل اتبعت سلسلة من العناصر من منشآت نورمانية متنوعة"، مشيرة إلى أنّ هذه المسألة تتعلق بطرائق عمل الفنانين، ما يستدعي المزيد من البحث والدراسات بشأن هذه القضية.

 

لم تكن مجموعة قلاوون وحدها التي حملت تأثيرات معمارية من حوض المتوسط، لكن بحسب دراسات دوريس أبو سيف، فإن بوابة جامع السلطان حسن تشبه بوابة جوك في مدينة سيواس التركية، والتي بُنيت قبل السلطان حسن، وغير ذلك من النماذج المعمارية، التي تحمل تأثيرات خارجية تتفاوت من الصين شرقاً إلى الأندلس غرباً.

 

واجهة مجموعة قلاوون

 

تأثير شامي أم صقلي؟

في مقابل نظرية أبو سيف، يتبنّى متخصصون في تاريخ الفن الإسلامي وجهة نظر أخرى تتحدث عن تأثيرات أموية على مجموعة قلاوون، منهم الدكتور فينبار باري فلوود، أستاذ العلوم الإنسانية ومؤسس ومدير "مركز سلسلة للتاريخ المادي" في جامعة نيويورك.

 

يقول فلوود في ورقة بحثية إنّ مجموعة قلاوون تأثرت بالأساس بالعمارة الأموية، لا سيَّما المسجد الأموي، الذي انتقلت سماته الزخرفية إلى مجموعة قلاوون، فضلاً عن محاكاة محراب المسجد الأموي، وذلك على إثر التجديدات المملوكية التي تمت في ذلك الصرح.

 

وفي حديث لـ"النهار العربي" يميل وليد عاكف، الباحث في جامعة هارفرد إلى فرضية الدكتورة دوريس أبو سيف، بشأن تأثير صقلية النورمانية على العمارة المملوكية، مرجحاً مشاركة صنّاع وفنانين جاؤوا من صقلية، أو من الجنوب الإيطالي، وشاركوا في بناء مجموعة قلاوون على وجه التحديد.

 

 ويتابع: "هذا لا ينفي احتمالية وجود عناصر شامية أيضاً، إذ إن وجود كليهما جنباً إلى جنب (الصقلية والشامية) لا يتعارض مع فرضية كلا الباحثين. فالعناصر الشامية التي يتحدث عنها باري فلوود تختلف في معظمها عن تلك التي ترجحها دوريس أبو سيف".

 

ساعدت جولات عاكف الميدانية في إيطاليا وصقلية على رصد أوجه الشبه بين العمارة الصقلية ونظيرتها في مصر المملوكية، إذ يوضح أنّ واجهة قلاوون استثنائية، ومختلفة عن جميع واجهات المساجد في مصر، بداية من مسجد أحمد بن طولون حتى تاريخ إنشاء المجموعة، إذ صُبغت الواجهة للمرة الأولى بسمات من الفن القوطي، فضلاً عن طراز النوافذ الفريد، وزخارف الفسيفساء في القبة، والموجودة أيضاً في الشام.

 

وليد عاكف، باحث الدكتوراه في جامعة هارفرد

 

ويضيف: "ثمَّة أوجه تشابه بين السمات المعمارية لدول البحر المتوسط، فيمكن أن تجد العناصر نفسها في إسبانيا، وصقلية، وسوريا، ومصر، وهكذا، لكن المعيار الحاكم هنا هو نسبة العناصر الموجودة الآتية من دولة واحدة في أحد المباني، وهو ما يمكن رصده في مجموعة قلاوون، التي فيها عناصر كثيرة للغاية جاءت من صقلية، وجنوب إيطاليا".

 

ويشير الباحث المصري المتخصص في تاريخ الفن والعمارة إلى أنّه يسعى حالياً للبحث في التأثيرات المتبادلة في محيط البحر المتوسط، والإعداد لدراسة ربما تجيب عن الأسئلة المعلقة في مسألة التأثير الصقلي خاصة والإيطالي عامة على العمارة المملوكية في مصر.

 

الأكثر قراءة

الخليج العربي 5/29/2026 12:33:00 AM
شهد الحفل حضور عدد من كبار الشخصيات الإسلامية، وضيوف خادم الحرمين الشريفين، إضافة إلى رؤساء الوفود وممثلي مكاتب شؤون الحجاج.
كتاب النهار 5/30/2026 12:05:00 PM
الدوائر المعنية في الحزب تدرس باهتمام كبير الرسالة الجنبلاطية واحتمالاتها وتعدّ لردّ قريب عليها
لبنان 5/30/2026 1:32:00 PM
أفادت معلومات لـ"النهار" بأنّ "القافلة تابعة للكتيبة الإندونيسية، وتقوم بعملية تبديل روتيني، لكنّها تسلك طريق البقاع الغربي لأسباب أمنية، بسبب التصعيد الإسرائيلي في منطقة النبطية في جنوب لبنان".
سياسة 5/29/2026 8:03:00 PM

تتسارع الوقائع الميدانية في جنوب لبنان بعد أن هدّد الجيش الإسرائيلي كامل المنطقة الواقعة جنوبي نهر الزهراني وأنذر سكانها بالإخلاء الفوري بعد فترة من تحييد مدينتي صور والنبطية