19-01-2023 | 05:50

مصر: نحل العسل يصارع تغيرات المناخ وينتظر معونة البحث العلمي

يمثل إنتاج عسل النحل مورداً هاماً للعملة الصعبة في مصر، إذ يمتد موسم إنتاج العسل من شهر نيسان (أبريل) حتى تشرين الأول (أكتوبر)، وبلغت قيمة صادرات مصر من منتجات نحل العسل ومستلزمات الإنتاج نحو 300 مليون دولار، عام 2021.
مصر: نحل العسل يصارع تغيرات المناخ وينتظر معونة البحث العلمي
Smaller Bigger

لم يكن بوسع النحال أيمن أبو مريم الذي يعيش بمحافظة البحيرة شمال مصر، إلا أن يجوب القرى ويقطع المسافات الطويلة، بحثاً عن علاج ناجع لهلاك خلايا النحل التي يمتلكها، بعدما لم يجد أي مساعدة جادة من مركز بحوث زراعية حكومي تردد عليه مراراً.

 

فقد النحال المصري في عام 2019 وحده نحو 70 في المئة من خلايا النحل التي يملكها، ثم تكرر الأمر معه في عام 2021، ليفقد عدداً كبيراً من خلايا النحل مجدداً. يحدث هذا الأمر معه عادة في بداية فصل الشتاء، إذ يتأثر النحل بالطقس البارد، والرطوبة المرتفعة، وغزارة الأمطار، على ما يقول النحال لـ"النهار العربي".

 

يخسر النحالون أعداداً كبيرة من خلايا النحل بسبب الطقس البارد

 

ويمثل إنتاج عسل النحل مورداً مهماً للعملة الصعبة في مصر، إذ يمتد موسم إنتاج العسل من شهر نيسان (أبريل) حتى تشرين الأول (أكتوبر)، وبلغت قيمة صادرات مصر من منتجات نحل العسل ومستلزمات الإنتاج نحو 300 مليون دولار، عام 2021.

 

تدرّ صناعة العسل حصيلة كبيرة بالعملة الصعبة

 

وتمتلك مصر نحو مليوني خلية تنتج حوالي 30 ألف طن سنوياً، ويعمل في هذه المهنة نحو 25 ألف أسرة، وفقاً لبيانات مركز المعلومات الصوتية والمرئية بوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، التي نشرها على "فايسبوك".

 

تقلبات الطقس

هذا المورد الدولاري الكبير بات مهدداً بفعل عدد من التحديات الجسيمة التي تواجه هذه الصناعة، في ظل التغيرات المناخية، وقسوة الطقس المتطرف، فضلاً عن بعض الأمراض المختلفة التي تصيب نحل العسل.

 

يشير أبو مريم إلى أنّ فصل الشتاء هذا العام أكثر اعتدالاً من الأعوام الماضية، فحتى الأمطار الخفيفة أنعشت بعض النباتات التي أزهرت نتيجة لذلك، مما ساعد النحل على امتصاص الرحيق ونقل حبوب اللقاح، معتبراً أنّ الأمور تبدو مطمئنة هذا العام، على عكس الأعوام الأخيرة.

 

وينتقل النحالون المصريون عادة بخلايا النحل بين المحافظات المختلفة، ليكون النحل قريباً من أشجار البرتقال، وغيرها، من أشجار الموالح التي تعلن عن أزهارها في مطلع الربيع، وتجود برحيقها وحبوب اللقاح على النحل، حيث يعتبران الغذاء الرئيسي للنحل العامل والملكات.

 

يتغذى النحل على رحيق الزهور وحبوب اللقاح

 

يعود أبو مريم لحوادث الأعوام الماضية فيقول: "ما حدث للنحل من هلاك جماعي كان يشبه بالضبط هلاك الطيور في أثناء موجات فيروس إنفلونزا الطيور الذي كان يضرب الريف المصري".

 

ورغم تحسن الأحوال هذا العام، يخشى الرجل من تكرار هذا السيناريو الأعوام المقبلة، بخاصة أن التحسن ناتج من استقرار الطقس، وليس عن تدخل من الجهات المسؤولة لتوفير الدعم البحثي، وتقديم العلاجات الناجعة لأمراض النحل، فالأمر إذاً متروك لتقلبات الطقس.

 

يقول النحال المصري إنّه تردد على مركز البحوث الزراعية بمحافظة كفر الشيخ مراراً، لكنه فوجئ بأن الباحثين يطالبونه بتوفير العينات بنفسه، ولم يجد سعياً منهم لإيجاد حل على المستوى العام، لذا شعر بعدم جدوى التردد على المركز البحثي الحكومي، وقرر التحرك بشكل فردي، للبحث عن طرق علاج لدى نحالين آخرين، وجاب في سبيل ذلك محافظات مختلفة.

 

فتش عن البحث العلمي

بجملة واحدة موجزة أجاب الدكتور محمد فتح الله عبد الرحمن، رئيس قسم بحوث النحل بمعهد بحوث وقاية النباتات التابع لمركز البحوث الزراعية، عن سؤال لـ"النهار العربي" عن مدى كفاية تمويل البحث العلمي للمساعدة على إيجاد حلول لأزمات النحل، فيقول: "لا يوجد تمويل كافٍ لضعف الإنفاق على البحث العلمي الزراعي".

 

لا يتوافر في مصر دعم كبير للبحث العلمي المتعلق بنحل العسل

 

ورغم ضعف الإنفاق يحاول قسم بحوث النحل العمل على حل المشكلات في إطار الإمكانات المتاحة، فيقول عبد الرحمن: "يواكب قسم بحوث النحل المستجدات المحلية والدولية، في ما يتعلق بالمشاكل والتحديات التي تتعرض لها صناعة نحل العسل، والعمل على حلها، بإجراء أبحاث علمية تطبيقية، يكون لها المردود الإيجابي للنهوض بهذه الصناعة الحيوية".

 

ويوضح العالم المصري أنّ قسم بحوث النحل يقوم بدور إرشادي على كافة مستويات صناعة نحل العسل، حيث ينظم ندوات إرشادية على مستوى الجمهورية للنحالين الكبار منهم والصغار، من أجل صقل مهاراتهم وتدريبهم على الأساليب الحديثة والسليمة في تربية النحل.

 

التغير المناخي يضرب بلا هوادة

يواجه نحل العسل العديد من المشكلات في مصر، والتي عدّدها رئيس قسم بحوث النحل، "حيث يتأثر النحل بغياب الدورة الزراعية، وعدم وجود خريطة لمراعي النحل، وكذلك التعرض للتسمم بالمبيدات، وتعرض سلالة النحل المصري (النحل الفرعوني) للانقراض، فضلاً عن عدم وجود رقابة على محطات تربية الملكات الخاصة".

 

إلى جانب هذه المشكلات أعدّ  عبد الرحمن دراسة رصدت التأثيرات على نحل العسل بسبب التغيرات المناخية، وأطلع "النهار العربي" على نسخة منها.

 من أهم ما رصدته الدراسة أنّ موجات البرد والصقيع المتزامنة مع التغيرات المناخية، تؤدي إلى التأثير على عملية التشتية (التأهيل لاستقبال الشتاء) في طوائف نحل العسل، وبالتالي تدهور وموت الطوائف. وهو ما يفسر جانباً من معاناة النحال أيمن أبو مريم.

 

أيضاً يؤدي ارتفاع درجات الحرارة والجو الحار الجاف إلى قلة السروح لشغالات النحل، وقد يقود إلى هلاك الطوائف.

 

يتأثر النبات والنحل على حد سواء بالتغيرات المناخية

 

 ربما تؤثر التغيرات المناخية أيضاً على فزيولوجيا النحل والحشرات الملقحة الأخرى، وعلى سلوك السروح لها، مما يقلل من كفاءة عملية تلقيح المحاصيل المختلفة، وعقد الأزهار لتكوين الثمار وبالتالي خفض إنتاجيتها.

 

كما تتأثر الحالة الفزيولوجية للنباتات، وبالتالي تعود على عملية الإزهار، والتي هي مصدر البيئة الغذائية للنحل (الرحيق وهو مصدر الكربوهيدرات للنحل، بالإضافة إلى حبوب اللقاح مصدر البروتينات والفيتامينات والمعادن للنحل)، ما يقلل من قوة طوائف النحل وتطورها، وقد يؤدي إلى فقد الطوائف وموتها.

 

بحسب ما يقول عبد الرحمن، فقدت بعض البلدان في خلال العشرين عاماً الأخيرة نسبة راوحت بين 35 – 65 في المئة من مجموع طوائف نحل العسل بها، ما يمثل خسارة اقتصادية كبيرة.  

 

مقترحات وحلول

طرح رئيس قسم بحوث النحل عدداً من الحلول التي يمكن من خلالها التكيف مع التغيرات المناخية، مثل: الاهتمام ببرامج تربية النباتات والهندسة الوراثية لإنتاج واستنباط سلالات وأصناف نباتية متأقلمة مع التغيرات المناخية، ولتلاشي أي تأثير سلبي على عملية الإزهار وتوقيتها وكمية إفراز الرحيق ونوعيته.

 

ويطالب العالم المصري، أيضاً، بتكثيف الأبحاث التطبيقية لتربية سلالات من النحل تتكيف مع التغيرات المناخية، وكذلك الاهتمام بأبحاث التحسين الوراثي لنحل العسل والتربية، للحصول على هجن وسلالات متحملة للإصابة بالأمراض المختلفة.

 

يعول العلماء على تحسين سلالات النحل

 

ويستطرد: "من حسن الطالع أن جمهورية مصر العربية تمتلك سلالة نحل محلية، وهي سلالة النحل المصري، تمتاز بحملها الصفات الوراثية المتحملة للأمراض والظروف البيئية القاسية".

 

ومن بين الإجراءات التي تخفف من وقع التغير المناخي، مكافحة الآفات والأعداء الحيوية التي تهاجم الملقحات الحشرية ونحل العسل، والتي قد تتزايد أعدادها وقد تصل إلى حد الفوران نتيجة للتغيرات المناخية، وبالتالي فإن عمليات المكافحة لهذه الآفات يقلل من التأثير الضار لها على النحل.

 

ويشير أيضاً إلى ضرورة استبدال أشجار الظل غير المزهرة، بأنواع أخرى من أشجار الفاكهة المزهرة، والتي يستفيد منها نحل العسل في الحصول على احتياجاته الغذائية من رحيق وحبوب لقاح. كما أنّ هذا النهج يعظم القيمة الاقتصادية لهذه الأشجار بما تنتجه من محصول اقتصادي.

 

وفي ختام حديثه يقول عبد الرحمن إنّ قسم بحوث النحل بمعهد بحوث وقاية النباتات نظم ملتقى صناعة نحل العسل في مصر (الفرص والتحديات واستراتيجية النهوض بها) خلال الفترة من 17 إلى 18 تشرين الأول (أكتوبر) 2022 الماضي.

 

واستعرض الملتقى كل المشاكل التي تتعرض لها صناعة نحل العسل في مصر، بمشاركة العلماء والباحثين من مركز البحوث الزراعية، والمراكز البحثية والجامعات المختلفة، والشركات العاملة بمجال صناعة نحل العسل، والمصدرين وجمعيات مربي النحل واتحاد النحالين العرب وممثلين عن النحالين.

 

ويؤكد أن "الملتقى انتهى إلى تقديم مجموعة من التوصيات للتغلب على التحديات التي تواجه صناعة نحل العسل في مصر، وتم رفعها للمسؤولين للبدء في تنفيذ الحلول المقترحة".

 

 

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/11/2026 12:45:00 PM
قوة الدولار وارتفاع الذهب معاً "دليل على قلق عالمي".
ايران 4/12/2026 6:50:00 AM
وزير الخارجية الباكستاني يدعو الولايات المتحدة وإيران إلى مواصلة الالتزام بوقف إطلاق النار
تحقيقات 4/12/2026 9:22:00 AM
تتعامل وزارة الصحة مع هذا الملف بتكتم شديد وعدم الإفصاح عن أرقام الجثث المجهولة الهوية. فالقضية معقّدة، تتداخل فيها صلاحيات جهات عدة.