يستدعي وصف "المنايفة" صورة نمطية في عقلية غالبية المصريين، واللافت للانتباه أن تلك الصورة تكونت على مدار عقود عدة، وقد زخرت تلك الحقبة الزمنية بالنكات، والكتابات، والأعمال التي سعت لوضع أبناء محافظة المنوفية (شمال القاهرة)، وكذلك أبناء مناطق أخرى في مصر، في قوالب جامدة. فإذا ذُكر انتماؤهم الجغرافي، استُحضرت صور جاهزة لكل منهم.
وعلى سبيل المثال، وضع "المنايفة" في قالب البخل، والحرص على تحقيق المصلحة الشخصية، والسعي إلى الترقي والسلطة، ورسمت صورة الصعايدة - أهل محافظات صعيد مصر - على أنهم أصحاب عقلية جامدة وعناد شديد، وتم تصوير أبناء محافظة دمياط على أنهم شديدو الحرص على المال، فيما وصف أبناء محافظة الشرقية بالكرم والسذاجة.
وعلى رغم أن هذا التنميط طال سكان مناطق عدة، إلا أن "المنايفة" كانوا، ولا يزالون حتى اليوم، هم الأكثر تضرراً من تلك القوالب الجاهزة، فبينما تم تفكيك معظم الصور الذهنية بمرور الوقت، لا تزال صورة "المنايفة" حاضرة وبقوة، وربما هذا يفسر الضجة الكبيرة التي حدثت خلال الأيام القليلة الماضية، والتي فجرها الإعلان عن صدور صحيفة محلية تحمل اسم "المنايفة".
وقد استخدمت الصحيفة عبارة في صدر صفحتها الأولى، ربما هي الأكثر تعبيراً عن الصورة النمطية التي تكوّنت عن "المنايفة"، مع أن أصل العبارة مأخوذ من قصة تراثية مشرفة تكشف عن رفض رجل منوفي لشهادة الزور في عهد المماليك، رغم محاولة أحد المماليك رشوته للشهادة بالزور أمام المحكمة، والعبارة هي "المنوفي لا يلوفي ولو أكلته لحم الكتوفي"، وتعني أن "المنوفي لا يفي بوعده حتى لو أطعمته من لحم الكتوفي (الأبل والأغنام)".
أما العبارة التي صاغتها الصحيفة فهي: "المنوفي لا يلوفي على خاين ولا محتل ولا نخنخ ولا رخرخ ولا تعب ولا مل"، أي أن "المنوفي لا يفي بالعهد لخائن، ولا محتل، ولا يخضع، ولا يتراخى، ولا يتعب، ولا يمل".
اعتزاز وإحياء
يقول رئيس تحرير صحيفة "المنايفة" الكاتب الصحافي إبراهيم موسى إن "اختيار الاسم كان مقصوداً، فهو اسم أعتز به، وأعتز بكوني منوفياً، والانتماء إلى محافظة المنوفية شرف كبير، بغضّ النظر عن كل ما يقال بشأن المنايفة، كما أن هذا كان اسم أول صحيفة عملت بها، قبل نحو 20 عاماً أو أكثر".

ويروى موسى لـ"النهار العربي" قصة ميلاد الفكرة: "كنت أتحدث مع صديقي أحمد عبد السميع (مدير التحرير)، عن أحوال الصحافة، وأوضاعها المهنية التي تراجعت كثيراً، فقررنا سوياً أن نحيي تجربة "المنايفة" القديمة، ونصدر صحيفة محلية، ونقوم بطباعة عدد تذكاري بمناسبة العيد الرسمي لمحافظة المنوفية، كما أننا نعمل حالياً على إنشاء موقع إلكتروني لها".
ردود الأفعال التي تلقاها رئيس تحرير "المنايفة" بعد الإعلان عن إصدارته الجديدة جاءت متفاوتة، وصادمة أحياناً، وعن هذا يقول: "لقد رحب البعض بالفكرة، وكان معظمهم من أبناء المنوفية، فيما هاجمنا البعض الآخر، وانتقد الاسم، وقال أحدهم عبارة مهينة: ألم تجد اسماً (...) من هذا؟!".
يحاول موسى وفريق عمل الجريدة التي تصدر في المنوفية، أن يقدموا جوانب ونماذج مشرقة من بلدهم، كما يقدمون سرديات مشوقة لحوادث تاريخية شهيرة، ومن بين الحوادث التي تناولوها في العدد التذكاري "حادثة دنشواي" التي وقعت بين مجموعة من فلاحي قرية دنشواي بالمنوفية، وضباط الاحتلال الإنكليزي، ما أدّى إلى وفاة ضابط منهم بضربة شمس، ومقتل عدد من الفلاحين المصريين برصاص قوات الاحتلال.
تنميط متعمد
الكاتب والناشر المصري سليمان القلشي مهتم بمسألة إيجاد صورة ذهنية نمطية لأبناء محافظته، لذا كان أول من أصدر صحيفة تحمل اسم "المنايفة" قبل أكثر من 20 عاماً، في محاولة لتحدي الصورة النمطية السائدة ضد أبناء المنوفية، وللإعلان عن عدم الخجل من أصله واعتزازه به. وقد رحب الناشر بالتجربة الجديدة، واعتبر إبراهيم موسى "حاملاً لشعلة" الفكرة من بعده.

ويقول القلشي لـ"النهار العربي": "لاحظت أن ثمة حالة تحفز غريبة ضد المنايفة خاصة. صحيح أن الصعايدة والدمايطة وغيرهم، تم تنميط صورهم، إلا أن "العداء" بدا جلياً ولا ريب فيه، وأعتقد أن السياسة كان لها دور مهم في هذا الظلم الذي نتعرض له، فالعديد من الرؤساء كانوا من أبناء المنوفية".
وتوصف محافظة المنوفية بأنها "محافظة الرؤساء"، فمنذ تولى الرئيس المصري أنور السادات مقاليد السلطة بالقاهرة عام 1970، وهو من أبناء المنوفية، تعاقب على حكم مصر 4 من أصل 5 رؤساء من أبناء المحافظة ذاتها، وهم: السادات، وحسني مبارك، وعدلي منصور، وعبد الفتاح السيسي، ولم يأت من خارج المحافظة سوى الرئيس الإخواني محمد مرسي.
ويرى الكاتب والناشر المصري أن "طبيعة محافظة المنوفية فرضت على أبنائها أن يكون النجاح هو خيارهم الوحيد، لأن ثمة عدداً كبيراً يعيش في رقعة زراعية ضيقة، تمثل المصدر الوحيد لدخل أبناء المحافظة، ومن ثم اهتموا بالتعليم، وبالالتحاق بالوظائف الحكومية المستقرة، خصوصاً الجيش".
وتبلغ مساحة المنوفية قرابة 2499 كيلومتراً مربعاً، من أصل مليون كيلومتر مربع هي مساحة مصر، وعدد السكان المحافظة يبلغ نحو 4.7 ملايين نسمة (من أصل 109 ملايين نسمة)، أي أن ما يناهز 4 بالمئة من سكان مصر يعيشون على ما يوازي 2 بالألف من مساحة الدولة، وهي كثافة كبيرة، على مساحة زراعية محدودة جداً.

ويضيف القلشي: "في عشرينات القرن الماضي، لاحظ بعض أغنياء المنوفية الأزمة التي يعيشها سكان المحافظة، لذا بدأوا في تأسيس "جمعية المساعي المشكورة"، وقاموا ببناء مدارس تحمل الاسم ذاته، وكانت خطتهم لانتشال أبناء المحافظة من الفقر تركز على الاهتمام بالتعليم، وقد انتشرت تلك المدارس حتى أصبح هناك مدرسة تقريباً في كل قرية من قرى المنوفية".
ويشير الكاتب إلى أن "الحياة الفقيرة القاسية التي يعيشها سكان المنوفية، جعلت لديهم جلداً وقوة تحمّل، كما أن غياب أي خيار لديهم سوى الانضباط والحفاظ على وظائفهم والنجاح والترقي فيها - وإلا عادوا لقسوة حياتهم الأصلية - جعل الانضمام للجيش مناسباً جداً لشخصيتهم، لذلك اتجه عدد كبير منهم إلى الانضمام لصفوف القوات المسلحة".
ويفسر القلشي الهجوم الذي يتعرض له أبناء المنوفية بأنه "غيرة بسبب نجاحهم"، ويقول: "هناك حالة واضحة من الغيرة والحقد تجاه كل من ينجح، ومحاولة لتشويهه، على سبيل المثال: يتميز الصعايدة بالجلد والقدرة على التحمل والمثابرة، لذا ينجحون في أعمال المعمار والتجارة وغيرها، وهذا جعلهم هدفاً للتنميط، كذلك أبناء دمياط الذين نجحوا في جعل محافظتهم مركزاً صناعياً كبيراً خالياً من البطالة، فتعرضوا للسخرية والوصم".
والمنوفية، حسب رأي الناشر "حدث لها الأمر ذاته، لكن بصورة مكثفة، لأنها أخرجت العديد من الشخصيات الناجحة في مجالات عدة، وليس في السياسة فحسب، وإن كانت السياسة هي السبب الرئيسي لتعرضنا للظلم، لكنها في الوقت ذاته لم تحقق فائدة لأبناء المحافظة ولم تساعد على تطوير قراهم وحياتهم القاسية".
نبض