تقع بلدة ستراتفورد أبون آفون في جنوب مقاطعة وركشير بإنكلترا، يزورها كل عام زهاء 6 ملايين سائح، وهو عدد يزيد قليلاً عن نصف السياح الذين جاءوا إلى مصر في عام 2022 (11.7 مليون سائح).
لا تمتلك البلدة الإنكليزية الصغيرة تاريخاً طويلاً مثل دولة كمصر، التي يحتشد في واجهة تاريخها معالم مدهشة، مثل الأهرامات، والمعابد، والكنائس، والقباب، ومقابر شخصيات تاريخية.
أحد أبرز معالم مدينة ستراتفورد أن قبر الأديب الإنكليزي الشهير وليم شكسبير يقبع فيها، وأنها شاهدة على حياته الثرية، وإنتاجه الأدبي الضخم، فأصبحت البلدة مزاراً يقصده هذا العدد المهول من السياح.
وفي الوقت الذي يُحتفى بقبور شخصيات بارزة في تاريخنا الإنساني، يكافح المهتمون بتراث القرافة في مصر، في سبيل إثبات القيمة الاقتصادية والتاريخية لـ"مدينة الموتى"، لربما يتوقف مِعوَل الهدم، ولو لبرهة من الوقت، يتفكر فيها من بيده الأمر في مكاسبَ اقتصادية، قد تعود من وراء تحويل المنطقة لمزارات سياحية يقصدها الملايين، بدلاً من شق محاور إسمنتية بها.
أعمال إزالة
اكتسبت "القرافة" اسمها من قبيلة المعافر، التي عُرفت باسم "بنو قرافة"، حيث سكنت القبيلة أرضاً بالقطاع الشرقي للفسطاط، عاصمة مصر في مطلع الحكم العربي، وسُميت منطقة المدافن التي نشأت بينها وبين جبل المقطم نسبة إليها، ومع الوقت صار اسم "القرافة" يشير إلى المقابر التي نعرفها اليوم في القاهرة، وتضم القرافة قبوراً ومشاهد أثرية أقدمها يعود للعصر العباسي.
وفي خلال السنوات القليلة الماضية، دخلت القرافة بؤرة الاهتمام الرسمي، في ظل مشاريع التطوير التي تشهدها القاهرة التاريخية، ففي شباط (فبراير) من عام 2021، أعلنت محافظة القاهرة عزمها نقل 2760 مقبرة في محيط منطقتي الإمام الشافعي، والإمام الليث، ضمن خطة تطوير مسار آل البيت، والتي تقع أيضاً في مسار "كوبري" يجري تنفيذه، للربط بين ميدان السيدة عائشة ومحور الحضارات.
ومع دخول هذه القرارات حيز التنفيذ العام الفائت، ضجّت مواقع التواصل الاجتماعي باعتراضات المهتمين بالتراث، معتبرين أنّ إزالة جزء من القاهرة التاريخية يعدّ طمساً لهويتها، وهي المدرجة في قائمة مواقع التراث العالمي التابعة لليونسكو.
توقفت بعض أعمال الإزالة في قرافة الشافعي موقتاً، فيما استمر بعضها في مناطق أخرى، لكن في مطلع شهر أيار (مايو) الجاري، بدأت عمليات الإزالة تجرى على قدمٍ وساق في قرافة الشافعي، ما أثار تخوفات المهتمين بالآثار حيال هدم مقابر لها طابع معماري بديع، وتعود إلى شخصيات شهيرة، حتى غير المسجل منها كأثر، مثل: محمود سامي البارودي، أحد قادة الثورة العرابية والملقب "شاعر السيف والقلم"، ومدفن محمد راتب باشا، سردار الجيش المصري، وحقي بك العظم، أول رئيس للوزراء في عهد الجمهورية السورية وحاكم دمشق، إلى كثيرين غيرهم.
في المقابل، قالت مصادر حكومية لصحف محلية إنّ الإزالات تتم بغية إنشاء محاور وجسور، وإجراء تطوير كامل للمنطقة التي تشمل خط "القلعة، السيدة نفيسة، السيدة عائشة" وما بها من مقابر، وأكّدت المصادر ذاتها "عدم إزالة أي مقبرة أثرية"، مشددة على مراعاة مثل هذه الأمور أثناء وضع مخطط التطوير المقرر لأي منطقة، بحسب صحيفة "المصري اليوم".
فيما شدد بيان لمجلس الوزراء المصري على أنّ "كافة المقابر الأثرية قائمة كما هي، ولا يمكن المساس بها، فهي تخضع لقانون حماية الآثار رقم117 لسنة 1983، والذي يجرم أي عمل يتلف أو يهدم أثراً".
اكتشافات الصدفة
في ظل أعمال الهدم الجارية، لم يكن بوسع المهتمين بتراث القرافة سوى مرافقة الجرافات، في لحظة وداع درامي للمكان، لكن المشهد الأكثر درامية، يكمن في اكتشاف شاهد أثري لقبر عمره يناهز 1100 عام. كان وقع المفاجأة مهولاً.
يقول الدكتور مصطفى الصادق، الأستاذ في القصر العيني، وأحد المهتمين بالتراث، إنهم كمجموعة معنية بتوثيق تراث القرافة، حرصوا على حضور عمليات الهدم الجارية، والبحث عمّا إذا كان ثمة أشياء مهمة يجدر تسليمها لمسؤولي الآثار قبل الهدم.
ويتابع في حديثه لـ"النهار العربي": "في يوم الخميس 11 أيار (مايو)، دخلنا إلى أحد الأحواش بالمصادفة، وهناك رأينا شاهداً أثرياً داخل أحد الحوائط، وعند التدقيق في النص المكتوب وجدنا أنه كُتب بالخط الكوفي غير المنقوط، ليتضح بعد ذلك أن عمره أكثر من 11 قرناً".
من جانبه يقول إبراهيم طايع، مدير صفحة جبانات مصر، وأحد المشاركين في الاكتشاف: "بعد قراءة الشاهد، عرفنا أنه يخص قبر سيدة اسمها أمامة بنت محمد بن يحيى بن خلد بن يحيى، ويعود تاريخ الشاهد إلى عام 221 أو 229 هجرية".
ويضيف طايع لـ"النهار العربي" أنّ الشاهد سُلّم لمسؤولي الآثار في منطقة حوش الباشا، وأنهم يعكفون على جمع معلومات عن هذه السيدة، معرباً عن أمنيته أن يعرض الشاهد في متحف الفن الإسلامي قريباً.
وفقاً لمختصين، يدق هذا الاكتشاف المثير ناقوس الخطر، ويطرح سؤالاً مهماً في الوقت ذاته: كم قطعة أثرية مثل تلك المكتشفة داستها الجرافات في أثناء الهدم من دون أن يلاحظها أحد؟ والأهم كم أثر يقبع في باطن هذه المنطقة؟ لعل المعمارية المصرية الدكتورة مي الإبراشي لديها إجابة كاشفة عن هذه الأسئلة.
قادت الإبراشي أخيراً عملية ترميم ضريح الشافعي وقبته الشهيرة في هذه المنطقة، بتمويل من صندوق السفراء الأميركي للحفاظ على التراث، وفي أثناء الترميم كُشف النقاب عن ضريح قديم للشافعي وبعض الاكتشافات الأخرى.
تقول المعمارية لـ"النهار العربي": "عمليات الترميم تطلبت معالجة الهبوط الأرضي في الضريح بإجراء عملية إحلال التربة، ما استلزم معه إزالة متر من الأرضية القديمة، في أثناء كشف باطن الأرض عن ضريح قديم للشافعي يعود للعاصر الفاطمي، فضلاً عن ألف قطعة من العناصر المزخرفة".
من اكتشافات الصدفة أيضاً في الضريح، العثور على نصين تأسيسيين، أولهما في الواجهة الشرقية، يعد بداية لنص الواجهة الأصلية للقبة، مدون عليه "بسم الله الرحمن الرحيم"، أمّا النص الآخر، فيذكر فيه اسم الملك الكامل محمد، وأعلاه توجد طبقة من الطلاء تعود للعصر العثماني.

قطعة جصية مكتشفة في ضريح الشافعي
طبقات تاريخية
تقود اكتشافات الصدفة إلى حتمية إجراء حفريات أثرية في المنطقة، لتكشف ما في باطن الأرض من آثار نفيسة، على ما يقول الباحث التاريخي حسن حافظ في حديثه لـ"النهار العربي".
يقول حافظ إنّ "منطقة القرافة تزخر بطبقاتٍ تاريخية عديدة، فالقرافة هي الجبانة التي ظهرت مع بناء الفسطاط، عندما رغب العرب في دفن موتاهم في منطقة جافة تقع في سفح جبل المقطم، وبدأ مسار نموها يوازي نمو الفسطاط في اتجاه الشمال، حتى أصبح هناك القرافة الكبرى، والقرافة الصغرى التي تضم ضريح الشافعي".
ويضيف حافظ: "هذا الجزء تحديداً شهد عمليات دفن مبكرة تعود للقرن الأول الهجري، بدليل وجود مدافن عائلة ابن عبدالحكم التي دفن بها الشافعي، وفيها أيضاً دفن ابن عبدالحكم، أول مؤرخ عربي لمصر، فضلاً عن الإمام ورش صاحب القراءة الشهيرة للقرآن عن الإمام نافع".
ويقول الباحث التاريخي: "مع بداية القرن الثاني الهجري دبّ العمران في منطقة القرافة، وظهرت القباب، والمتنزهات. وفي زمن الفاطميين أنشئت القصور، مثل قصر الأندلس، الذي اندثر في نهاية عصر العصر المملوكي، وموقعه في حاجة جادة إلى التنقيب".
ويرى حافظ أنّه يمكن قراءة القرافة أيضاً من زاوية أنها كانت ساحة للتمايز المذهبي في فترات تاريخية، ففي عهد الفاطميين أولى الحكام اهتماماً بالغاً بأضرحة آل البيت، وأنشأوا لهم شواهد ضخمة فوقها قباب، مثل أضرحة السيدة نفيسة، وأم كلثوم، ورقية، ويحيى الشَّبِيه.
ويواصل الباحث حديثه: "في عهد الأيوبيين أعيد بناء مشهد وقبة الشافعي في عهد الملك الكامل محمد، كرد فعل على عمارة الفاطميين الدينية، وللتأكيد على مركزية المذهب الشافعي، الذي ينتسب إليه الأيوبيون".
وفي العصر المملوكي شُيدت منشآت معمارية ضخمة، مثل الخنقاوات، والمدارس، والجواسق، والبساتين، والأسبلة. ويلفت حافظ إلى أنّ عملية تشييد العمران في القرافتين الصغرى والكبرى "امتدت على مدار نحو 900 عام، لكن معظم المنشآت اندثر بالفعل، وهو ما يضعنا أمام ضرورة التنقيب الأثري في المنطقة، بغية اكتشاف الكنوز الدفينة، فضلاً عن معالجة سريعة لمشكلات المياه الجوفية التي تضرب القرافة".
أمّا عن عمليات الهدم الجارية - إذا ما سُلّم بها كأمر واقع - يشدد حسن حافظ على ضرورة أن يكون الهدم تحت إشراف لجان علمية متخصصة، وتفكك المقابر ذات الطابع التراثي المميز، ونقلها إلى مكان آخر.
استثمار سياحي
بالتوازي مع مطالبات التنقيب الأثري في القرافة، ينادي المختصون بتحويل المنطقة إلى مزار سياحي حقيقي، يجذب الملايين من السياح من دول إسلامية.
ويقول حافظ: "يزور الأضرحة الآن سياح من دول مثل إندونيسيا، ودول شرق آسيا، من دون أي عمليات تسويق سياحي".
ويلفت حافظ إلى أهمية استهداف الدول الإسلامية في برامج سياحة دينية، لزيارة أضرحة شخصيات معينة لها مكانتها الروحية، ويقول: "لدينا من الأضرحة ما يستهدف جميع الانتماءات المذهبية"، مؤكداً أنّ القرافة تُعدّ بمثابة "منجم ذهب" على جميع المستويات، سواء على مستوى السياحة، أو على مستوى الاكتشاف الأثرية التي قد تعيد كتابة تاريخ مصر الإسلامي.
من جانبه يقترح الدكتور مصطفى الصادق مشروعاً للاستفادة مادياً من القرافة، إذ يقول: "يمكن غلق الشوارع في قرافة الإمام الشافعي، وتحويلها لممشى تاريخي، فيه مسارات تمر على مقابر الشخصيات العامة، مثل عبد الخالق باشا ثروت، والشمسي باشا، وعثمان مصطفى، ومحمد نسيم توفيق، وغيرهم".
كما يقترح "تدشين مسار لمقابر الأسرة المالكة، ومسار يمر بمقابر الفنانين مثل: يوسف وهبي، وأم كلثوم، وعبد الحليم حافظ، وأسمهان، وفريد الأطرش، إلى جانب مسار آخر خاص بالمزارات الدينية، فثمة العديد من أضرحة الأئمة والصالحين، مثل الإمام الشافعي، والإمام الليث بن سعد، وفاطمة العيناء، ويحيى الشبيه، والقاسم الطيب وغيرهم كثر".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
تتسارع الوقائع الميدانية في جنوب لبنان بعد أن هدّد الجيش الإسرائيلي كامل المنطقة الواقعة جنوبي نهر الزهراني وأنذر سكانها بالإخلاء الفوري بعد فترة من تحييد مدينتي صور والنبطية
نبض