امرأة عادية في عقدها الرابع، ترتدي عباءة كالتي ترتديها الأخريات، قد تصادفك في أحد شوارع القاهرة الصاخبة، لا يميزها شيء سوى أنها تحمل في جوفها قصة قديمة، وطموحاً أقعده الزمن بعدما عانق يوماً عنان السماء.
هذه المرأة لم تكن سوى منى "فتاة مدينة الموتى" وسط القاهرة العتيقة، التي كُتبت قصتها بثلاث لغات، بعدما نشر الكاتب الألماني غيرهارد هاس هيندينبيرغ عام 2008 النسخة الألمانية من كتاب بعنوان "das mädchen aus der totenstadt" (فتاة من مدينة الموتى)، ثم تُرجم الكتاب لاحقاً إلى البولندية ثم إلى البرتغالية في البرازيل.
اكتشف "النهار العربي" قصة منى بمحض الصدفة. قادتنا إليها دردشة أصدقاء مهتمين بتراث قرافة الشافعي مع أسرتها. أرسلوا لنا صورة الكتاب، ثم بدأت رحلة البحث عن منى وهاس. فأي قصة غريبة تصنع هذه المفارقة؛ كاتب جاء من برلين ليروي قصة فتاة مصرية تسكن مدينة الموتى؟!

جمعنا خيوط القصّة بين أيدينا، وبعد بحث عثرنا على الكاتب الألماني، كما وصلنا إلى الكتاب بالألمانية، ثم تبقى أن نصل إلى منى التي تحولت حياتها، وأصبحت تعيش في كنف رجل يرفض أن تتحدث إلى الغرباء، غير أن أسرتها التي تحدثنا إليها أمدتنا بملامح عن حياتها الجديدة، واستجمعت لنا من الذاكرة قصة الأمس.
البحث عن منى
الصدفة أيضاً كانت وراء لقاء الكاتب الألماني ببطلة كتابه قبل 15 عاماً، عندما كان بصدد إعداد تقرير عن مدينة الموتى. وفي أحد أيام خريف عام 2006، كان يبحث عن قصة يكتبها برفقة زميلته المصرية هدى زغلول، وصحافيّين من جريدة "الأهرام" اليومية. وأمام باب مقبرة أسرة زميلته كانت ترمقه عين حانية سوداء لطفل لم يتخطّ عمره 6 سنوات. سأل عن الطفل، فدلَّه أحد "التُربية"على الحوش الذي تسكنه الأسرة.
تملَك الفضول هاس عندما رأى عين الطفل محمود الحانية، وقرر زيارة أسرته. تعرف الرجل الأوروبي إلى أفراد الأسرة، وعلم أن لمحمود سبعة أشقاء، أكبرهم منى، التي تنال إعجاب جميع إخوتها، كونها فتاة جميلة، تعمل في بنك حكومي وسط العاصمة المصرية.
تحدث الأطفال عن شقيقتهم بتقدير وفخر، وأخبروا الرجل الألماني أنها تجيد الغناء والرسم، كما تكتب يومياتها في مفكرة صغيرة. طلب الأطفال من هاس أن يأتي مجدداً يوم عطلة الجمعة، ليرى شقيقتهم منى التي كانت في العمل، هنا أدرك أنه عثر على القصّة التي يفتش عنها، ولم يتردد في الموافقة على العودة من جديد.
مدينة الأحياء
كثير من الزوار يأتون لزيارة أقاربهم المتوفين في مدينة الموتى، في المكان ذاته ولدت منى في قلب الموت. لم تحبذ قطّ أن يطلق على المكان الذي تسكنه "مدينة الموتى"، بل كانت تسمّيه "مدينة الأحياء"، وكأنها تنتزع الحياة عنوة من مكان قدّر له أن يكون موطن الموت في القاهرة.
أخبر الصغار منى أن غريباً آخر جاء إليهم، ظنت أنه مثل الرجل الأوروبي المجنون الذي أتي يوماً إلى أسرتها يطلب الزواج منها، لكن عندما التقت بالضيف الجديد يوم الجمعة، علمت أنه جاء لغرض آخر وأن القصّة أكبر من ذلك. أخبرته بما تكتب، وفي المقابل طلب منها أن يحول قصتها إلى كتاب مقابل مكافأة مالية باعتبار أن ما تقوم به هو عمل إضافي. اتفق الطرفان، وبدأ الطموح يتسلل إلى منى أكثر من أي وقت مضى.
عاشت الفتاة التي كانت في عمر الثامنة عشرة عندما التقت هاس، حياة ثقيلة في المقابر. كان يبهرها الطابع العصري لوسط المدينة، وربما تمنّت لو أنها واحدة من سكانها، لكن الفرصة التي بين يديها تمنحها حياة جديدة، ولو موقتة، ومن يعرف إلى أين حَلَقَت بأحلامها حينها؟ يقول هاس إن منى كانت حينها مفعمة بالفضول والطموح.
خلال رحلة الكتاب، تجول هاس مع منى في المناطق التي كانت تتردد عليها خلال حياتها: المدرسة، والبنك الذي تعمل فيه، وحتى أماكن التنزه. أراد أن يرسم لوحة مكتملة عن حياة فتاة من مدينة الموتى، ومن بين تلك الجولات رحلة في مركب نيلي، حيث احتفلت بعيد ميلادها الثامن عشر بصحبة هاس وصديقتيها صفاء ورانيا.
تقول منى في مقابلة مع التلفزيون الألماني في ذلك الوقت: "لقد أظهر لي هاس ومدام هدى كيف أنني شخص جيد، حينها وضعت كل ما يحدث بداخلي على الطاولة، ونظرت إلى نفسي من الخارج، وعرفت عنها أشياء خفية لم أكن أعرفها، قابلت منى الحقيقية".
ماذا بعد 15 عاماً؟
يقول هاس: "في الواقع، أردت أن أكتب تقريراً عن الأشخاص الذين يعيشون في المقابر وسط القاهرة في ذلك الوقت، ثم قابلت منى، وهي شابة ذكية تعيش مع أسرتها (هم والداها وسبعة أشقاء) ولديها وظيفة في وسط البلد في الوقت ذاته".
ويضيف لـ"النهار العربي": "كانت تنتقل يومياً من عالم إلى آخر داخل القاهرة، وكانت دائماً ما تكتب يومياتها التي أصبحت أساس الكتاب في ما بعد".
ورغم مرور كل هذه السنوات، يلتقي هاس بمنى وعائلتها بانتظام مرة واحدة في السنة، ويقول إن علاقته بأسرة منى أليفه جداً، وأقرب لأن تكون عائلية.
ويرى الكاتب الألماني الحياة في المقابر بسيطة للغاية، كما يوجد علاقات تراحم كبيرة بين السكان، يقول: "خلال هذه التجربة، فهمت أن الحياة السعيدة لا تعتمد على الثروة، ومع ذلك، أرى أن مجتمع سكان المقابر يشكل بطبيعة الحال مشكلة اجتماعية".
لكن ثمة نهاية حزينة لقصة منى. فالفتاة التي حَلّقَت بأحلامها بعيداً عندما رأت صورتها تُزين كتاباً طبع بـ3 لغات، ضربت حياتها تقلبات القدر، وأفظع ما رأت وفاة طفلتها في عمر مبكر. ومع زيجتها الثانية هجرت قرافة الشافعي، لتنقطع صلتها بالمكان الذي نسجت فيه قصّتها، ولم تعد تأتي إليه سوى لزيارة أسرتها وقبر ابنتها، حسب ما تقول شقيقتها أم صابرين لـ "النهار العربي".
حاول "النهار العربي" التحدث إلى منى، لكنها اعتذرت, ورغم صمتها اليوم، لا يزال حديثها القديم عن حياتها وأحلامها يعيش بين أبناء ثقافات مختلفة في كتاب "فتاة من مدينة الموتى" التي تفضل منى أن تناديها بـ "مدينة الأحياء".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
تتسارع الوقائع الميدانية في جنوب لبنان بعد أن هدّد الجيش الإسرائيلي كامل المنطقة الواقعة جنوبي نهر الزهراني وأنذر سكانها بالإخلاء الفوري بعد فترة من تحييد مدينتي صور والنبطية
نبض