في نهايات القرن التاسع عشر، كانت بلدة ركسبورغ في نيوزلندا مركزاً لصناعة المشغولات الذهبية، ورعي الأغنام. لم تكن البلدة النائية - وقتذاك - قادرة على استيعاب أحلام الصبي سيدني سميث التي عانقت عنان السماء، فاختار المغامرة والتنقيب في عالم الطب والجريمة.
قرر سميث دراسة الطب "ليس سعياً نحو تخفيف آلام البشر، لكن فقط للهروب من القرية الصغيرة إلى العالم الرحب"، على ما يقول في مذكراته المنشورة عام 1959 تحت عنوان "على الأرجح قتل"، والتي نقلها إلى العربية أخيراً الكاتب والمترجم المصري مصطفى عبيد، عن "الدار المصرية اللبنانية" تحت عنوان "قارئ الجثث".

ترصد المذكرات جانباً مهماً من تاريخ الطب الشرعي في مصر وبريطانيا
يقول عبيد لـ"النهار العربي" إنّه وقع على هذا الصيد الثمين عندما كان يعكف على ترجمة مذكرات توماس راسل، حكمدار القاهرة، الذي كان يستعين بخبرات خبراء الطب الشرعي في مصر، مثل مستر نولان، وسيدني سميث.
قرر عبيد البحث عن سيرة الرجلين، لم يجد مذكرات شخصية لمستر نولان، لكنه عثر على مذكرات سميث، التي توقفت طباعتها في الولايات المتحدة عام 1988، ومن هنا قرر أن ينقل للعربية هذه المذكرات القيمة.
واجه عبيد في عمله تحدياً أساسياً، يتجلى في أنّ المذكرات تفيض بمصطلحات طبية قد يصعب على القارئ غير المتخصص الإلمام بها، ما دفعه للاستعانة بالدكتورة سمر عبد العظيم، أستاذة الطب الشرعي في جامعة عين شمس، ووكيلة كلية الطب في جامعة الدلتا، التي شرحت المصطلحات الطبية وفصّلتها، وبدوره بسط عبيد اللغة العلمية الجافة، لتخرج المذكرات في لغة عربية شيقة ويسيرة الفهم، يمكن لأي قارئ هضمها والاستمتاع بها من دون عناء.
مسار دراسي ومهني
ولد سميث في 4 آب (أغسطس) سنة 1884 في ركسبورغ لوالدين من المهاجرين البريطانيين، حصل على الابتدائية في قريته، ودخل المجال الطبي من باب الصيدلة، بعد حصوله على فرصة للتدريب في مختبر محلي كمساعد كيميائي، ثم درس الصيدلة في جامعة نيوزلندا، وصار صيدلانياً في عمر الثالثة والعشرين.
لاحقاً حصل على منحة لدراسة الطب في كلية الطب في جامعة إدنبرة، وتخرج فيها عام 1912. وفي بداية مسيرته المهنية عمل طبيباً للعيون، ثم سرعان ما تحول للطب الشرعي. وفي عام 1914 عاد إلى نيوزلندا، حيث عمل كمسؤول طبي للصحة في أوتاغو، قبل أن تبدأ مغامراته في مصر عام 1917، ثم يعود في نهاية المطاف إلى بريطانيا بعد نحو 11 عاماً.

سيدني سميث عند تخرجه عام 1912
وفي المذكرات، لم يشأ سميث توثيق حياته الشخصية، بقدر ما رصد طيفاً واسعاً من الجرائم الجنائية بتعقيداتها الإنسانية والاجتماعية، إذ ضمّت المذكرات (318 صفحة) عشرات القصص والحكايات المثيرة، التي يكتنفها الغموض والإثارة.
يظهر الطبيب البريطاني في عمله أقرب لمحقق يعتمد على معرفته العلمية بالطب الشرعي، إلى جانب خبرته المهنية. فمن خلال ما يعتري الجثة، وما يظهر عليها من علامات، أو ما يعلق بها من أي مواد، كان يستطيع كشف الحقائق، وبناء سيناريو منطقي للأحداث.
باختصار، تعكس المذكرات جهود الرجل الذي كان يرسم مسرح الجريمة بدقة متناهية، كمن يبث الروح في جسد الضحية، ثم يعيد خلق مشهد الجريمة أمام العدالة بصورة سينمائية على طريقة "الفلاش باك"، لتتم إدانة الجاني الأصلي في أغلب القضايا، ويفك وثاق أبرياء قادهم حظهم العاثر للوقوع في دائرة الاتهام.
مغامرات مصر
خاض الطبيب البريطاني في مصر تجربة عميقة من التأثير في المنظومة الطبية المحلية، والتعلُّم من الواقع المصري، المكتظ بالجرائم حينها، ما ساعده في أن يصبح طبيباً شرعياً لامعاً لديه معرفة استثنائية بعالم الجريمة، حتى أنه كان يعتبر خبرته التي اكتسبها في مصر، مرجعاً في عديد من القضايا الصعبة، بعد عودته إلى بريطانيا.
قضى سميث في مصر نحو 11 عاماً - من مطلع 1917 حتى نهايات 1927- أسهم خلالها في تأسيس وحدة الطب الشرعي في وزارة العدل، وحاضر في كلية طب القصر العيني، وألَّف عام 1924 كتاب "الطب الشرعي في مصر" بمعاونة الطبيب المصري عبد الحميد عامر، وهو أول كتاب حديث عن الموضوع، ظل مرجعاً دراسياً مهماً ينهل منه الطلاب والأطباء لسنوات طويلة.
من بين الإسهامات التي قدمها الطبيب البريطاني أيضاً، تطوير معامل الطب الشرعي، حتى صارت تضاهي نظيرتها في كبرى الدول. ويقول الرجل في مذكراته: "تطورت هذه المعامل بسرعة (...)، وهكذا فقد صار لدينا خلال سنوات قليلة أهم قطاع طب شرعي في العالم، ولا أجانب الحقيقة إذا قلت إنه كان أيضاً أكثر قسم طب شرعي انشغالاً على وجه البسيطة".
قضايا شهيرة
خلال السنوات التي قضاها سيدني سميث في مصر، امتلأت جعبته بعدد كبير من القضايا التي نجح في فك طلاسمها، لعل من أشهرها قضية ريا وسكينة، التي بدأت باكتشاف عظام بشرية من طريق الصدفة، وجدها عمال يحفرون مجرى تصريف مياه على جانب الطريق.
تعرف سميث إلى العظام وأكد أنها تخص إنساناً، ثم سرعان ما تكشفت القضية، وحضر سميث عمليات الحفر التي قادت لاكتشاف الجثث المدفونة في منزل ريا وسكينة، ليكون شريكاً في إضاءة مسرح جريمة هزت مصر.
قضية أخرى كان لها صدى كبير في مصر وبريطانيا، وهي اغتيال السير لي ستاك، سردار الجيش المصري وحاكم السودان العام، في 19 تشرين الثاني (نوفمبر) 1924، إذ قاد تحليل سميث لواقعة الاغتيال وفحص الأسلحة إلى اعتقال مرتكبي الواقعة.

تصور البوليس المصري لحادث اغتيال السير لي ستاك
ثمَّة مشهدان لافتان في هذه الحادثة، الأول أنّ مذكرات سميث تعد المرجع الأول الذي يشرح بوضوح طريقة تجنيد نجيب الهلباوي من قبل الإنكليز، ويذكر اسمه صراحة بدلاً من ترميزه، والهلباوي يعدّ الجاسوس الذي كشف خلية اغتيال السير لي ستاك.
المشهد الثاني، أنّ سميث استثمر الفحوص التي أجراها على الأسلحة النارية المستخدمة في الواقعة، وأعدّ دراسة حول تعريفات الأسلحة النارية ومميزاتها. لاقت الدراسة اهتماماً واسعاً في الدوائر الأمنية البريطانية، واستخدمت للمرة الأولى للمساعدة في كشف كواليس قضية شهيرة في بريطانيا، تتعلق بقتل الكونستابل غاتريدج.

السلاح المستخدم في اغتيال السير لي ستاك
تحفل المذكرات بعدد كبير من القضايا المثيرة في مصر، من بينها أيضاً قضية انتصر فيها سميث لضميره المهني، وصمّم على الدفع بإدانة شرطي مصري كان يعمل مديراً لأحد السجون، بسبب جلده مسجوناً، وحتى يثبت للقاضي صحة رأيه أخرج سوطاً وجلد ذراعه، ليطابق العلامات التي ظهرت عليه بتلك التي تظهر فوق جلد الضحية.
ورغم أنّ الطبيب البريطاني رأى جانباً مظلماً من المجتمع المصري، لكنه كان يبدي تعاطفاً مع المصريين، إذ يقول إنّ "ثمَّة انطباعاً خاطئاً عن المصريين بالتوحش والقسوة، نتيجة العدد المهول للجرائم المرتبطة بالعنف. لكن ما أود التأكيد عليه، هو أن ذلك غير صحيح بالمرة. وشهادتي عن المصريين ترى أغلبهم طيبين".
العودة للوطن
في نهاية عام 1927 انتهت مهمة عمل سيدني سميث، إذ كان يشغل منصب مدير مصلحة الطب الشرعي في مصر قبل رحيله، وعاد إلى بريطانيا ليشغل منصب ممثل الطب الشرعي في إدنبرة عاصمة اسكتلندا. وعن وداعه مصر يقول: "ودعت الأيام المشرقة في مصر، والتي كانت أفضل الأيام وأكثرها تقديراً، وكان رحيلي إلى جامعة إدنبرغ (أدنبرة) حزيناً".
بعد العودة لوطنه حقق الرجل في العديد من القضايا، وأحدثت تقاريره تحولات دراماتيكية في مجريات المحاكمات، ومن بينها قضية سيدني فوكس، الذي رغم انحرافه وسجله الإجرامي، كان بريئاً من قتل أمه، ويضرب سميث مثالاً بضرورة تجنب الانحياز المسبق. كما حقق في قضايا التسميم بالزرنيخ، حيث اكتسب خبرة واسعة في هذا النوع من القضايا، إبان عمله في مصر.

سيدني سميث في أواخر أيامه
إلى جانب عمله المهني، لم ينقطع عن تميزه وترقيه الأكاديمي، فقد تم تعيينه عميداً لكلية الطب في جامعة إدنبرة، ثم رئيساً لمجلس أمناء الجامعة، وبعد تقاعده عام 1954 في عمر السبعين، عمل مستشاراً لمنظمة الصحة العالمية في لبنان وسيلان.
لم ينقطع سميث عن مصر رغم رحيله عنها عام 1927، حيث زارها بعد التقاعد عام 1955، وقضى فيها ثلاثة أشهر، ورغم طوفان حركة الضباط الأحرار في حزيران (يوليو) 1952 وما تبعها من موجات كراهية للأجانب، حظي سميث بتقدير واسع في زيارته الأخيرة لمصر، وكرمته كلية طب القصر العيني، ومنحته مكافأة سخية نظير عدد من المحاضرات ألقاها بها.
وبعد رحلة مشوقة وثرية في علم الطب الشرعي، والتحقيقات الجنائية، رحل سيدني سميث عن دنيانا في 9 أيار (مايو) عام 1969 عن عمر يناهز 86 عاماً، تاركاً خلفه بصمات لا تنسى في مصر، ونيوزلندا، وبريطانيا وبلدان شتى، شارك فيها في تحقيق العدالة، فقد كان يرى أنه يشعر بـ"القناعة والرضا" إنّ حقق "أمراً يساهم في خدمة العدالة". و"كانت سعادة المتهمين الأبرياء تمثل أفضل مكافأة" له، تبعاً لما يقول في ختام مذكراته.
نبض